أيهما أكثر تأثيرا على عقول الشباب.. "مواقع التواصل" أم المخدرات؟!

    تجري طبيبة نفسية من جامعة كاليفورنيا (سان دييجو) دراسة رائدة في محاولة لاستكشاف إذا ما كانت وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر على عقول الشباب في مرحلة المراهقة بنفس قدر تأثير القنب (الحشيش). 

    ومن الممكن أن يؤدي التوصل لوجود علاقة بين الأمرين إلى تغيير الطريقة التي ينظر بها المتخصصون في مجال الطب إلى استخدام هؤلاء الشباب تطبيقات مثل "انستجرام" و"سناب تشات"، وغيرهما من منصات التواصل الاجتماعي.

    وتقول الدكتورة كارا باجوت، المتخصصة في مجال الأمراض النفسية للأطفال، وأستاذ مساعد في جامعة كاليفورنيا (سان دييجو): "لا يعتبر الأطباء النفسيون الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، سلوك إدمان،" مضيفة: "إذا أظهر ذلك تغييرات مماثلة في تفعيل دائرة المكافأة في الدماغ، حينئذا يمكننا تطوير نموذج علاج".

    وفحص باحثون آخرون كيفية تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على هؤلاء الشباب، بغض النظر عما إذا كان ذلك التأثير للأفضل أو للأسوأ. ولكن الدراسة التي قامت بها باجوت، هي الأولى التي تقارن بين وسائل التواصل الاجتماعي والقنب.

    وتقول باجوت: "هناك بالفعل دراسات تظهر أن (تأثير) ألعاب الفيديو، وألعاب الكمبيوتر، ووسائل التواصل الاجتماعي، والاستخدام المتزايد للتكنولوجيا مرتبط بنتائج ضعيفة على الصحة البدنية والعقلية وخوض المخاطر... يجب أن يكون لدينا المزيد من النقاشات حول كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مسؤول."
    موقف نادر
    كانت باجوت طالبة في المرحلة الثانوية في لوس أنجليس عندما قدمت شركة "إيه. أو. إل" الأميركية العالمية لخدمات الإنترنت والإعلام، تطبيق الرسائل الفورية، "إيه. آي. إم". ولم تكن باجوت مستخدمة نهمة للتطبيق.

    وبوصفها طالبة في "جامعة جونز هوبكنز"، ودارسة للطب بجامعة إلينوي في شيكاغو، ثم مقيمة في "جامعة ييل"، فإنها لم تكن تهتم كثيرا بالمنصات الإلكترونية.

    ومازال ذلك النمط مستمرا، فقد كانت آخر مرة نشرت فيها مشاركة في صفحتها على موقع "فيس بوك"، أثناء فترة تولي جورج دبليو بوش الرئاسة الاميركية. 

    كما أنها لم تكتب أي تغريدات على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، رغم أن حسابها عليه يحتوي على رسائل من آخرين، لدرجة جعلت الكثيرين يشيدون بظهورها في ديسمبر من عام 2018، لمناقشة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب.

    وتقول باجوت: "لدي كثير من الامور التي تحدث في حياتي الواقعية، وهو ما لا يترك لي فرصة الاهتمام بالأخرين أو تقديم شيئ عن حياتي... إننا نتواصل بطرق أخرى أكثر واقعية وأكثر أهمية".

    وتؤكد باجوت أنها ليس لديها تحيز ضد وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنها قلقة بشأن تأثير الوسائط الإلكترونية على الأطفال. ولكونها أما لطفلين يبلغان من العمر 5 أعوام ونحو 3 أعوام، فهي تحد مما يمكن أن يشاهداه عندما يتعلق الأمر بمقاطع الفيديو والتليفزيون، ومتى يمكنهما ذلك.

    وفي الولايات المتحدة، من المستحيل فعليا عمل فقاعة خالية من وسائل التواصل الاجتماعي حول الشباب في سن المراهقة. وفي استطلاع رأي أجراه "مركز بيو للأبحاث" في عام 2018، قال 95 بالمئة من المشاركين إنهم يملكون هاتفا ذكيا، وهو الجهاز الأكثر استخداما في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي. وقال 89 بالمئة إنهم كانوا متصلين بالإنترنت "بشكل شبه دائم" أو "عدة مرات في اليوم".

    وتشير الأدلة إلى أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يقدم بعض الفوائد، فرغم تعرض نحو ستة من بين كل 10 من الفتيان للتنمر عبر الإنترنت، يصر 8 من كل 10 على أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعلهم أكثر ارتباطا بأصدقائهم.

    ولاحظ الباحثون أنه في نفس الوقت الذي ارتفع فيه حجم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين هؤلاء، فقد تأخر حصولهم على رخص قيادة. كما انخفضت معدلات تناول الكحوليات وتدخين السجائر، وتعاطي المخدرات غير المشروعة، دون السن القانونية.

    ومع ذلك، تربط الدراسات أيضا بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وبين الاكتئاب والأرق والصور السلبية عن الجسيم. وعلى الرغم من أن تأجيل بعض الانشطة، مثل تعلم القيادة، قد يفيد المجتمع وسائقين آخرين، إلا أن باجوت تتساءل عما إذا كان ذلك يعد أمرا صحيا.

    وتقول: "يتفاعل الأطفال بشكل متزايد مع بعضهم بعضا عبر الإنترنت... ولكنهم يتفاعلون بشكل أقل مع الحياة الحقيقية".

    وتعتبر الدراسة التي أجرتها باجوت جزءا صغيرا من "مبادرة تنمية إدراك عقول البالغين" التي يصل المبلغ المرصود لها 300 مليون دولار، وهي تعمل على تتبع نحو 12 ألف طفل على مدار 10 سنوات. وكانت الدراسة، وهي الاكبر على الاطلاق التي تتم على عقول شباب في سن المراهقة، أطلقت في عام 2015، بمشاركة خبراء من أكثر من 20 مؤسسة بحثية، تشمل جامعة كاليفورنيا (سان دييجو).

    وسيتم تقسيم 60 من هؤلاء الشباب إلى أربع مجموعات بالتساوي، المستخدمين المفرطين للماريجوانا، ومستخدمي الماريجوانا بصورة قليلة، والمستخدمين المفرطين لوسائل التواصل الاجتماعي، ومستخدمي وسائل الاجتماعي بصورة قليلة، لن يسمح أن يكون أيا منهم ثملا أثناء خضوعه للفحص الدماغي.

    وتقول باجوت: "نقوم بإجراء اختبار مخدرات لهم قبل دخولهم... نريدهم أن يخضعوا للفحص وهم في كامل الاتزان".

    وفي إطار الدراسة، ما زال يجري ضم شباب في المرحلة السنية 14-18 عاما، ولم يخضع أحد منهم لفحص دماغي بعد. ومن المقرر انتهاء باجوت من دراستها بحلول نهاية العام الدراسي.

    طباعة