بهدف دمج كبار السن في مختلف مناحي الحياة

    نادي ذخر الاجتماعي: مُسنّــــون يقصّون حكايات العمر

    صورة

    تجمعهم الذكريات القديمة ورحلة العمر الطويلة ويحدوهم الأمل ببناء جيل شاب يوازن بين الماضي والحاضر ويرعى ثقافة الاعتراف بتضحيات من سبقوا، إنها حزمة الآمال والتطلعات التي اجتمع عليها المسنون والقائمون على مشروع إطلاق «نادي ذخر الاجتماعي» بدبي، وجسدتها الإمارات عبر جملة من التجارب الإنسانية الاستثنائية التي أسهمت في تعزيز التواصل مع الآباء والأمهات والمزيد من الاستفادة من خبراتهم ونقلها إلى الأجيال الشابة.

     

    تحرير الفيديو: اسماعيل

    بعد 20 عاماً

    http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2015/05/8ae6c6c54aa0819a014d817a5e9a51a9b%20(2).jpg

    في موقف إنساني يجمع بين المصادفة الجميلة وذكريات الحنين إلى الطفولة، استطاع خميس عبيد من خلال انضمامه للنادي لقاء صديق الطفولة القديم سيف المنصوري بعد نحو 20 عاماً من البعد والانشغال بظروف الحياة اليومية، ليعود الصديقان ويستعيدا معاً حكايات الشباب الأولى ومغامرات الطفولة والصبا، وكل القصص الجميلة التي شكلت مادة غنية لجميع رواد النادي الذين تحولوا إلى رفاق جدد لكل من الصديقين، وضمنوا حكاية لقائهما بعد فراق طويل إلى سلسلة الحكايات الإنسانية التي يرويها «ذخر».

    مكسب إنساني

    http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2015/05/8ae6c6c54aa0819a014d817a5e9a51a9b%20(1).jpg

    تحدث أنور علي عبدالله الموظف القائم بالرعاية في نادي ذخر الاجتماعي، عن عمله في النادي بارتياح كبير، مشيراً إلى الأهداف الإنسانية التي تربطه بمهنته وقيمة اقتران الإنسان بجملة من الأهداف الإنسانية والواجبات المجتمعية التي تربط الأفراد بواقعهم، مضيفاً: «بغض النظر عن الراتب الذي أتقاضاه من هيئة تنمية المجتمع، أعتبر عملي بالنادي واهتمامي بخدمة الكبار هنا مكسباً إنسانياً حقيقياً بالنسبة لي، لأنه يمكنني من الاقتراب من احتياجات هذه الفئة التي أعتبرها ركيزة الهوية الإماراتية وذاكرتها التي تنبض بالأصالة والعمق».

    على مدار الأسبوع

    http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2015/05/8ae6c6c54aa0819a014d817a5e9a51a9b%20(3).jpg

    انطلق نادي ذخر الاجتماعي التابع لهيئة تنمية المجتمع في 2014، بهدف إشراك المسنين في الحياة العامة وتفعيل تجاربهم، حيث يستقبل النادي المسنين من سن 60 عاماً على مدار الأسبوع، خلال الفترة الصباحية من الساعة التاسعة صباحاً إلى حدود الساعة الواحدة ظهراً، في الوقت الذي تم فيه تخصيص أيام الأحد والاثنين والأربعاء للرجال، ويومي الثلاثاء والخميس للنساء.

    ابتسامة تتحدى السنين

    الوالد عبدالله محمد إبراهيم، البالغ من العمر 67 عاماً موظف متقاعد من قسم الأرشيف بمستشفى راشد بدبي، يهوى رياضة المشي ويقضي معظم وقته بين ممارسة هذه الرياضة في منطقة الراشدية التي يقطنها وارتياد مجلس المنطقة التابع لهيئة تنمية المجتمع، حيث كان يستمتع بصحبة الأصدقاء ويتبادل مختلف الأخبار، قبل أن ينضم إلى النادي الذي استطاع من خلاله توسيع نطاق علاقاته الاجتماعية والاستمتاع بممارسة هوايته المفضلة من خلال ما تعرضه القاعة الرياضية التابعة للنادي من خدمات صحية متنوعة وأجهزة رياضية حديثة للحفاظ على اللياقة وتحدي العمر.

    «الإمارات اليوم» استوقفت الوالد إبراهيم في أروقة النادي بعد الانتهاء من فترة التمارين الصباحية فقابلها بابتسامة عريضة تتحدى العمر قائلاً «انضممت إلى النادي منذ وقت ليس بالبعيد واهتممت بأنشطته المتنوعة وفعالياته التي زادتنا ثقة بأنفسنا وخففت من حدة الإحساس بالوحدة، حتى إننا أصبحنا نفتقد بعضنا بعضاً وننتظر صباح اليوم التالي لنلتقي في هذا المجلس ونتبادل الأخبار ونمارس مختلف النشاطات التي نفضلها».

    رسالة امتنان

    لا يمكن الدخول إلى القاعة الرئيسة المخصصة للاجتماعات والجلسات دون ملاحظة الحركة التي تميزها وأصوات الضحكات العالية للآباء وأحاديثهم الجانبية ومرحهم في الرد على مشاكسات بعضهم، ومن أول خطوة إلى القاعة الرئيسة اعترضتنا طاولة «الكيرم» الصغيرة للأب محمد عيسى نور، الذي لايزال يصر على تحدي منافسه صالح حسن ابراهيم رافضاً الهزيمة ومعلناً عن احترافيته وخبرته الطويلة في هذه اللعبة التي استعان بها على عناء 80 عاماً كان فيها سائقاً ومن ثم عامل بناء في منطقة القوز القديمة، حيث يتحدث عن هذه التجربة قائلاً: «جميل أن يشعر الشخص بالارتياح بعد رحلة عمر طويلة ومضنية وأن يجد بيئة يمكن أن تحتضن سنوات عمره وتجاربه الماضية، وأحمد الله الذي رزقني العمر لكي أقضي بعضه اليوم في رحاب هؤلاء الأصدقاء الذين يغمرونني بفرح جديد كل يوم»، ويتابع: «كما هي فرصة لأشكر دولة الإمارات والقائمين على هيئة تنمية المجتمع الذين سخروا لنا مكاناً يمكن أن نتواصل فيه مع الآخرين، كما وفروا لنا الإحاطة اللازمة عبر الحرص على تنويع النشاطات الموازية مثل الرحلات الترفيهية التي عرفتني شخصياً على العديد من الأماكن والمعالم التراثية والتاريخية التي لم يتسنَ لي زيارتها من قبل، إضافة إلى الإحاطة الإنسانية التي يقدمها الشباب هنا بشكل يومي من خلال الحرص على سلامتنا واصطحابنا من البيت إلى النادي وتوفير كل أدوات الراحة والرفاهية لنا خلال فترة وجودنا في النادي».

    خير من ألف ميعاد

    الأب خميس عبيد خلفان العيالي بحار إماراتي يحمل في قلبه ذكريات الأفق الممتد أمام أحلامه البعيدة وفي خياله أسرار الصدف، حدثنا عن قصة انضمامه إلى النادي وكأنه يتحدث عن انبلاج فجر عمر جديد، بعد أن بعث فيه هذا المكان أملاً ظل يفتقده طوال 23 عاماً أمضاها في المنزل، بعد معاناته ضعف البصر الذي جعله غير قادر على ملازمة نشاطاته اليومية بشكل عادي، حيث يقول: «عشت وترعرعت في منطقة جميرا ولم تكن الحياة آنذاك تعتمد على مصدر رزق غير البحر فقد ورثت هذه المهنة عن الجدود والآباء، وأرهقني البعد عنه لاحقاً وتدهور نظري الذي ألزمني المنزل إلى حين مصادفة غيرت حياتي»، ويتابع: «فوجئت حين كنت أحاول المشي بجانب البيت بوقوف سيارة وبنزول فتاتين حاولتا إلقاء السلام وتجاذب أطراف الحديث معي عن هذا النادي الجديد الذي بعث من أجل المسنين أمثالي، وبعد الإيفاء بواجب الضيافة في البيت مع زوجتي، وتحصيل الوثائق الضرورية كافة لاستكمال تسجيلي بالنادي، تمكنت من الحصول على اشتراك يخول لي الاستمتاع بأغلب الفعاليات والنشاطات، والحمد لله أشعر اليوم بالفرح والألفة بين أصدقائي وأولادي القائمين على رعايتي».

    عذب الخيال

    عبيد رمضان سالمين غواص إماراتي متقاعد، تعدى الـ80 من عمره، والتحق أخيراً بالنادي بعد أن نصحه الأصدقاء بالاشتراك، فوجد أجواء ممتعة تمكن خلالها من استعادة نشاطه وتجاوز عبء أوقات الفراغ الطويلة التي يقضيها في البيت لوحده، حيث أصبح يتمتع بشعبية كبيرة بين أعضاء النادي، فبخلاف قصص البحر وحكايات المغامرات التي يقصها على آذان الأصدقاء في جلسات «صنع الليخ»، علمه البحر الشعر فأتقن نظمه وترديده في المجالس التراثية إلى جانب صديقه الشاعر سيف المنصوري، ما أضفى على الأجواء دفئاً خاصاً وصبغة جمالية استثنائية توجها ألق الكلمة وعذب الخيال، وفي هذا الصدد يقول الوالد عبيد «أحب المكان والأجواء اللطيفة التي تجمعنا وأتضايق عندما لا أستطيع المجيء خلال نهاية الأسبوع للقاء الأصدقاء هنا، فقد بات النادي من العادات الجميلة الثابتة والقريبة إلى قلبي ويومي».

    «استشر خبراتي»

    لم ننسَ في نهاية جولتنا أن نسأل محمد الغفلي، تنفيذي أول علاقات عامة عن الرؤية المجتمعية من وراء إطلاق هذا النادي، التي اعتبرها الغفلي فرصة لدمج كبار السن من المواطنين في الحياة الاجتماعية وخدمة يسديها النادي لأبناء المسنين وأهاليهم الذين يخشون على آبائهم أو أجدادهم من الوحدة والعزلة الاجتماعية التي يتسبب فيها غيابهم المتكرر خلال فترات العمل اليومية، ويتابع: «أصبحت الإمكانية اليوم مفتوحة أمامهم لتسجيلهم في عضوية النادي وتمكينهم من ممارسة حياتهم اليومية في كنف الأمان وتخطي بعض العقبات النفسية التي يمكن أن تسببها الشيخوخة وانسحاب الكثيرين من الحياة الاجتماعية، وضمان اندماجهم فيها من خلال بعض التظاهرات والفعاليات المجتمعية التي ترمي إلى مزيد الاستفادة من خبراتهم وتكريس تواصلهم مع الجيل الجديد، سواء في جلسات الأحياء الحوارية أو عبر برنامج (استشر خبراتي)، الذي يجمع التلاميذ والطلاب بمختلف الخبرات والتجارب الايجابية للمسنين في المحاضرات الإنسانية التي تجذر قيم الأصالة والهوية الوطنية وأخلاقيات المجتمع الإماراتي قديماً»، إضافة إلى جملة الفعاليات التي يقترح المسنون تنظيمها بالتزامن مع بعض المناسبات مثل احتفالات الإمارات باليوم الوطني أو احتفالية «حق الليلة» التي ينظمها المسنون في النادي خلال النصف من شهر شعبان.

    بالأرقام

    سجل النادي في شهر مايو الجاري زيادة بعدد تسعة مسنين جدد انضموا إلى نشاطاته، بعد تكثيف عملية التوعية والتعريف بالخدمات التي يسديها للمسنين، وذلك عبر مجالس الأحياء التابعة للهيئة إضافة إلى قائمة بيانات أكثر من 4000 مسن مسجلين في «بطاقة ذخر»، في إطار خطط هيئة تنمية المجتمع الطموحة إلى تحقيق عدد 152 منتسباً للنادي مع نهاية هذا العام.

    طباعة