هاكرز يدرسون «بروفايل الضحايا» على «السوشيال ميديا» قبل استهدافهم

كشفت مدير إدارة الحوكمة وإدارة المخاطر في مركز دبي للأمن الإلكتروني، الدكتورة بشرى البلوشي، أن بعض المحتالين يدرسون ضحاياهم قبل استهدافهم، ويجمعون معلومات عن طبيعة عملهم واهتماماتهم وعلاقاتهم، لإعداد ملف متكامل عن كل شخص، ثم يستخدمون هذه المعلومات في التواصل معه بأساليب تبدو طبيعية وموثوقة، بما يمكنهم من خداعه ودفعه إلى الضغط على رابط أو تنفيذ إجراء يتيح لهم الوصول إلى بياناته أو حساباته، محذرة من الإفراط في نشر معلومات شخصية على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأضافت لـ«الإمارات اليوم» على هامش الملتقى الإعلامي للأمن السيبراني، الذي أطلقته أكاديمية دبي للإعلام، التابعة لمؤسسة دبي للإعلام، بالتعاون مع مركز دبي للأمن الإلكتروني، في 13 أكتوبر الماضي، بالتزامن مع شهر التوعية بالأمن السيبراني، أن هذا الأسلوب، المعروف بالهندسة الاجتماعية، يعتمد على استغلال المعلومات المتاحة عن الأشخاص والتلاعب بثقتهم، بدلاً من الاعتماد على اختراق الأنظمة التقنية فقط، إذ قد يتلقّى الشخص اتصالاً من مجهول يطالبه بسرعة الضغط على رابط أو تنفيذ إجراء معين، فيستجيب تحت ضغط الاستعجال، من دون أن يمنح نفسه فرصة للتحقق من هوية المتصل أو حقيقة ما يطلبه.

الإنسان الحلقة الأضعف

وأكدت أن الإنسان يظل الحلقة الأضعف في منظومة الأمن الإلكتروني، مهما بلغت درجة تطور أنظمة الحماية، موضحة أن المؤسسات خصوصاً البنكية توفر وسائل توثيق متعددة وأنظمة مؤمنة، لكن المخترق يستطيع أحياناً تجاوز هذه الإجراءات من خلال خداع المستخدم نفسه واستغلاله لتنفيذ خطوات تسهل الوصول إلى بياناته.

وأضافت أن البنوك لديها وحدات متخصصة في مكافحة الجرائم الإلكترونية، في إطار الجهود الرامية إلى رصد هذه الممارسات والتعامل معها، إلا أن حماية المستخدم تتطلب أيضاً إدراكه طبيعة الأساليب التي يلجأ إليها المحتالون، وعدم الاستجابة للاتصالات والرسائل التي تستهدف استعجاله أو دفعه إلى اتخاذ قرار دون تحقق.

محاولة احتيال

وأوضحت البلوشي أن التحدي في الوقت الحالي لم يعد مقتصراً على اكتشاف الرسائل المزيفة الواضحة، بل امتد إلى صعوبة التمييز بين الرسائل والروابط الحقيقية وتلك التي تستخدم أساليب التضليل بسبب توسّع القراصنة والمحتالين في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن بعض الرسائل تصل إلى المستخدمين بصيغة رسمية ومقنعة، ما يضعهم أمام صعوبة في تحديد ما إذا كانت حقيقية أم محاولة احتيال.

وضربت مثالاً بتجربة شخصية، عندما تلقت دعوة رسمية عبر البريد الإلكتروني من شخص قُدم باعتباره نائب الأمين العام للاتحاد الدولي للاتصالات، لكنها شكّت في صحة الرسالة لأنها لم يسبق لها التعامل مع الاتحاد، وقررت عدم فتحها أو التفاعل معها.

وأضافت أنها انتظرت يومين قبل التواصل مع الهيئة العامة لتنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية، للاستفسار عن الشخص والتحقق من هويته وحقيقة البريد الإلكتروني، ليتبين لها أن الدعوة صحيحة وأن المرسل يشغل بالفعل المنصب المذكور. وأكدت أن هذه التجربة توضح أن الرسائل الحقيقية قد تبدو أحياناً مثيرة للشك، مثلما تستطيع الرسائل المزيفة أن تبدو رسمية وموثوقة، ولذلك لا ينبغي التسرّع في الرد أو فتح الروابط، بل يتعين منح النفس وقتاً كافياً للتحقق من هوية المرسل وصحة الرسالة من خلال قنوات اتصال موثوقة.

منظومة متكاملة

وفي ما يتعلق بمنظومة التعامل مع الجرائم الإلكترونية من قبل المركز، أوضحت البلوشي أن هناك منظومة متكاملة للتنسيق بين مركز دبي للأمن الإلكتروني وشرطة دبي، تقوم على التعاون وتحديد الجهة المعنية وفقاً لطبيعة الواقعة والبلاغ.

وقالت إن التعامل مع هذه الجرائم كان يعتمد في السابق على النظام اليدوي، قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر تطوراً من خلال إطلاق منصة «إي كرايم» بالتعاون مع شرطة دبي، بما يعكس تطور آليات التعامل مع البلاغات الإلكترونية.

وأضافت أن تحديد الجهة المختصة يتوقف على طبيعة الواقعة والجهة المستهدفة؛ فإذا تعرض موظف لاختراق في إطار عمله، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، يكون مركز دبي للأمن الإلكتروني معنياً بالتعامل مع الواقعة، أما إذا تعرض شخص بصفته فرداً لجريمة إلكترونية، فتكون شرطة دبي هي الجهة المختصة، مع وجود حالات تتطلب تعاوناً بين الجهتين بحسب طبيعة البلاغ.

مخاطر التزييف

وحذّرت البلوشي من مخاطر التزييف العميق وانتشار المحتوى المصطنع والمعلومات المضللة، مشيرة إلى أن استخدام هذه التقنيات شهد انتشاراً سلبياً، وأن الدولة تعرضت لاستهداف عبر محتوى مضلل، لافتة إلى أن حجم المعلومات المضللة التي جرى رصدها كان كبيراً مقارنة بحجم المعلومات الحقيقية.

برنامج «سراب»

وقالت إن هذا التحدي دفع إلى العمل على تطوير برنامج «سراب»، الذي يستهدف التمييز بين المحتوى المرئي الحقيقي والمضلل، موضحة أن دقة البرنامج في التحقق من صحة المحتوى تصل إلى 91%، وهي نسبة وصفتها بأنها الأعلى عالمياً بين المصادر المفتوحة.

وأضافت أن البرنامج من المقرر أن يكون متاحاً مع نهاية العام، بعد استكمال الإجراءات اللازمة لإتاحته ضمن المصادر المفتوحة، بما يساعد المستخدمين على التحقق من المحتوى والتمييز بين الحقيقي والمفبرك.

وأشارت إلى أن جهود المكافحة لا تقتصر على التزييف العميق، بل تشمل مختلف صور الجرائم الإلكترونية، ومنها انتحال صفة الأفراد أو المواقع أو الجهات الحكومية، مؤكدة وجود مبادرات تستهدف تقليل هذا النوع من الاختراقات والتصدي لأساليب الاحتيال التي تتطور باستمرار.

وأكدت أن مواجهة هذه الجرائم تتطلب الجمع بين الحلول التقنية ورفع وعي المستخدمين، لأن تطور أدوات الحماية لا يلغي قدرة المحتالين على استغلال الثقة أو نقص الانتباه، مشددة على أن التوقف والتحقق قبل الاستجابة لأي رسالة أو اتصال يظل خطوة أساسية لتجنب الوقوع ضحية للاحتيال الإلكتروني.

إنتاج الفيروسات

وقال رئيس قسم الأعمال في الإمارات وعُمان لدى شركة كاسبرسكي، مجد سنان لـ«الإمارات اليوم»، إن الذكاء الاصطناعي أتاح للقراصنة اختصار الطريق إلى تنفيذ الهجمات الإلكترونية، بعدما أصبح بإمكان شخص يمتلك معرفة تقنية بسيطة الاستعانة بهذه الأدوات لكتابة أكواد برمجيات خبيثة وإنتاج فيروسات، من دون الحاجة إلى امتلاك خبرة متقدمة في البرمجة، محذراً من أن ذلك أسهم في زيادة كثافة الهجمات وتحويل أجزاء كبيرة منها إلى عمليات مؤتمتة.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أصبح مستخدماً في مختلف قطاعات الأعمال، لكنه في الوقت نفسه دخل بقوة في أدوات القراصنة وممارساتهم، الذين يستفيدون منه لتطوير مهاراتهم وأساليب الاختراق، مشيراً إلى أن إنتاج برمجية خبيثة لم يعد يتطلب بالضرورة وجود شخص متخصص في كتابة الأكواد، إذ يستطيع شخص لديه معرفة محدودة طلب كتابة كود لبرنامج خبيث من إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي، والحصول على نتيجة يمكن استخدامها في تطوير هجوم إلكتروني.

البرمجيات الخبيثة

وأضاف أن الأمر لم يعد مقتصراً على القراصنة المحترفين، بل أصبح بإمكان أشخاص يمتلكون قدراً بسيطاً من المعرفة التقنية إنتاج أعداد كبيرة من البرمجيات الخبيثة، وهو ما يفرض على شركات الأمن السيبراني تطوير قدراتها باستمرار لمواكبة هذا التصاعد.

وكشف سنان أن أنظمة كاسبرسكي ترصد نحو 500 ألف عينة من الفيروسات والبرمجيات الخبيثة الجديدة يومياً، واصفاً حجم هذه الكميات بأنه هائل، ويعكس سرعة تطور التهديدات الإلكترونية وتزايدها.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يرفع فقط قدرة المهاجمين على إنتاج الأكواد الخبيثة، بل جعل المحتوى المستخدم في استدراج الضحايا أكثر إقناعاً، سواء عبر الصور أو مقاطع الفيديو أو المكالمات الصوتية، إذ باتت الأدوات المتاحة قادرة على إنتاج مواد يصعب على المستخدم العادي التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي، ما يسهل عمليات الخداع ويدفع الضحايا إلى التفاعل مع رسائل أو اتصالات مزيفة، وربما تجاوز بعض وسائل الحماية.

ثغرة كبيرة

وأكد سنان أن الأنظمة التقنية تستطيع توفير مستويات متقدمة من الحماية، لكن وجود موظف أو مستخدم لا يمتلك الوعي السيبراني الكافي قد يُمثل ثغرة كبيرة داخل أي منظومة، إذ يمكن للمحتال تجاوز الحماية التقنية من خلال خداع الشخص ودفعه إلى اتخاذ إجراء يتيح له الوصول إلى البيانات أو الأنظمة.

وفي ما يتعلق بحماية الأفراد، أوضح سنان أن استخدام وسائل الحماية على الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر يُمثل خطوة أساسية، لكن الحفاظ على الخصوصية يتطلب أيضاً تجنب مشاركة الملفات والمعلومات الشخصية والحساسة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم إتاحة بيانات يمكن استغلالها في إعداد هجمات موجهة أو تنفيذ عمليات ابتزاز.

عقوبة الاحتيال الإلكتروني

لا يتعامل القانون الإماراتي مع الاحتيال الإلكتروني باعتباره مجرد خلاف مالي بين طرفين، بل يجرّمه باعتباره اعتداء على الأموال باستخدام وسائل تقنية المعلومات، ووفقاً للمرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، تعاقب المادة 40 كل من يستولي لنفسه أو لغيره، بغير حق، على مال منقول أو منفعة أو سند، باستخدام طريقة احتيالية أو اسم كاذب أو انتحال صفة غير صحيحة عبر الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، بالحبس مدة لا تقل عن سنة، والغرامة التي لا تقل عن 250 ألف درهم ولا تزيد على مليون درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وتختلف العقوبة بحسب طبيعة الفعل؛ إذ تتناول المادة 15 جرائم الاحتيال باستخدام البطاقات الائتمانية أو الإلكترونية أو وسائل الدفع الإلكتروني، وتقرر لها الحبس و/أو غرامة تراوح بين 200 ألف ومليوني درهم، وفقاً للحالات المحددة في النص.

ولا يُشترط أن يتخذ الاحتيال صورة اختراق حساب مصرفي؛ فقد يتم عبر رسائل وروابط مزيفة، أو انتحال صفة موظف بنك أو جهة رسمية، أو إنشاء حسابات وهمية لاستدراج الضحايا. وتظل العبرة بتوافر أركان الجريمة والأدلة التي تثبت الواقعة ودور كل متهم فيها، وليس بمجرد وقوع خسارة مالية.

الأكثر مشاركة