«إدمان التسوّق».. سلوك قهري تغذّيه مقارنات «السوشيال ميديا» ويخلّف أزمات نفسية ومالية
حذّر خبيران في علم النفس والصحة العامة من مخاطر تحول التسوق لدى بعض الأشخاص إلى سلوك قهري يصعب السيطرة عليه، مؤكدين أن الإدمان الشرائي قد يقود إلى أزمات نفسية ومالية واجتماعية حادة، وأن المصابين به يتشابهون مع مدمني المواد المخدرة من حيث فقدان القدرة على التحكم في تصرفاتهم، مشيرين إلى أن المقارنات الاجتماعية عبر منصات التواصل، وأساليب التربية التي تربط السعادة بالمشتريات والمكافآت المادية، من أبرز العوامل التي تغذي هذا السلوك.
من جانبه، أفاد المركز الوطني للتأهيل بأن بعض الأشخاص قد يتعرضون للإدمان على التسوق لأسباب مختلفة، مشيراً إلى أن الشراء القهري قد يرتبط بمحاولة تخفيف التوتر أو الملل أو المشاعر الصعبة، ما يستدعي استشارة المختصين إذا أصبح من الصعب السيطرة عليه أو تسبب في أضرار مالية أو نفسية.
وقالت أخصائية علم النفس الإكلينيكي، الدكتورة فاطمة الحامدي، إن غالبية الأفراد لديهم دوافع مختلفة للشراء، تختلف درجتها من شخص إلى آخر، إلا أن هناك حداً يتحول عنده هذا السلوك إلى «إدمان شرائي» يسبب لصاحبه تبعات نفسية ومادية واجتماعية خطيرة.
وأشارت إلى أن الكثيرين قد يمرون بهذا الشعور، لكنه يتحول لدى البعض إلى سلوك قهري لا يمكن كبح جماحه، ليصنف كاضطراب في السلوك الشرائي ناتج عن القلق والخوف، موضحة أن أي سلوك يتجاوز الحد المقبول ويخرج عن السيطرة يصبح اضطراباً يحتاج إلى علاج متكامل.
وأوضحت الحامدي أن الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب السلوكي القهري هم الذين يعانون في الأصل مشكلات نفسية ترتبط بضعف الشخصية، ما يجعلهم سريعي التأثر بأي سلعة تعجبهم، بغض النظر عما إذا كانوا في حاجة إليها أم لا، كما يتأثرون بما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ينبهرون بالمظاهر والحياة اليومية التي يعرضها الآخرون على منصاتهم الرقمية، ويتطلعون بشتى الطرق للوصول إلى هذا المستوى من المعيشة كنوع من التعويض النفسي.
وأضافت أن المقارنات الاجتماعية المستمرة عبر الإنترنت، كمن يرى أشخاصاً يشترون سيارات فارهة لزوجاتهم في أعياد ميلادهن، أو يسافرون بشكل دائم إلى الخارج، تدفع بعض الأشخاص للوقوع في فخ المظاهر الخادعة، ومحاولة تقليدها بشراء أشياء ومقتنيات لا يحتاجونها، ما يوصلهم في نهاية المطاف إلى حد الإدمان القهري ومواجهة أزمات مالية ونفسية حادة.
ونصحت الحامدي الأفراد الذين يلاحظون عدم قدرتهم على السيطرة على رغباتهم الشرائية، أو الذين تحول التسوق لديهم إلى وسيلة وحيدة للهروب من الضغوط، بضرورة التوجه إلى المختصين النفسيين المؤهلين واستشارتهم، لمساعدتهم على علاج هذا السلوك القهري، وبناء خطة علاجية مدروسة تمكنهم من استعادة التوازن المالي والنفسي قبل تفاقم العواقب.
من جانبه، قال أخصائي الصحة العامة وطب المجتمع، الدكتور سيف درويش، إن الإدمان الشرائي هو سلوك لا يقدر الشخص على إيقافه رغم تأثيره الضار عليه مادياً واجتماعياً، وهو يُصنّف طبياً كاضطراب في التحكم بالاندفاع.
وأشار إلى أن الشخص الذي يعاني هذا السلوك يتشابه مع مريض الإدمان على المواد المخدرة من حيث عدم قدرته على السيطرة على تصرفاته، ومع مرور الوقت تزداد لديه الرغبة القهرية في زيادة كمية المشتريات وحجمها، ما يؤدي إلى تفاقم مشكلته وتدهور وضعه بشكل مستمر.
ولفت درويش إلى أن هناك عاملين أساسيين يقفان وراء إصابة بعض الأشخاص دون غيرهم بهذا السلوك القهري، الأول نفسي والثاني اجتماعي، موضحاً أن أغلب الحالات التي تصاب بهذا السلوك تقف وراءها مشكلات اجتماعية وجذور ممتدة منذ الصغر وأيام الطفولة، نتيجة أساليب التربية الأسرية الخاطئة، التي تعتمد على ربط مفهوم السعادة والفرح بالشراء الفوري، أو مكافأة الطفل عند إنجاز مهام معينة بشراء الحلوى والمقتنيات المادية فقط، كبديل للاحتواء العاطفي.
وأشار إلى عوامل اجتماعية أخرى، مثل الانجراف الأعمى وراء تلبية الرغبات الاستهلاكية المتلاحقة بحثاً عن راحة نفسية مؤقتة، حيث يلجأ البعض إلى شراء أشياء لا يحتاجونها لتعويض الفراغ العاطفي، وفقدان الجوانب الروحانية والمجتمعية في حياتهم، وهو ما يوصلهم في نهاية المطاف إلى حافة الاضطراب السلوكي القهري.
ووجّه درويش نصيحة وقائية للأسر بضرورة إعادة النظر في أساليب التربية الحديثة، والابتعاد عن ربط السلوكيات الإيجابية للأطفال بالمكافآت المادية والاستهلاكية فقط، داعياً إلى تعزيز الجوانب الروحانية والمجتمعية، وشغل أوقات الفراغ بأنشطة تفاعلية تمنح الفرد شعوراً حقيقياً بالاستقرار.
وأكد أهمية المبادرة باستشارة الأخصائيين النفسيين بمجرد ملاحظة بوادر الاندفاع الشرائي، معتبراً أن التدخل المبكر يمنع تحول السلوك إلى اضطراب مزمن يشبه الإدمان المرضي.
وفي سياق متصل، أوضح المركز الوطني للتأهيل، في إطار إجاباته التوعوية عن أسئلة وردت إليه من قراء بشأن كيفية التخلص من إدمان الشراء وتأثيراته المادية والمعنوية، أن أسباب إدمان التسوق تختلف من شخص إلى آخر.
وبيّن أن الخطوات الأولى للتعامل مع هذا السلوك تتمثل في ملاحظة ما يحفّز الرغبة في الشراء، وتأجيل المشتريات غير الضرورية، إلى جانب وضع ميزانية واضحة وتقليل سهولة الشراء الفوري.
وشدد على أنه في حال أصبح الشراء صعب السيطرة عليه، أو تسبب في ضرر مالي أو نفسي، فإن استشارة مختص تساعد بشكل مباشر على فهم هذا السلوك وتطوير طرق أكثر صحة للتعامل معه.
«الوطني للتأهيل»:
• الشراء القهري قد يرتبط بمحاولة تخفيف التوتر أو الملل أو المشاعر الصعبة.