بحضور لطيفة بنت محمد.. مجلس السردية العالمية الجديدة يستعرض تحويل الثقة الدولية بدبي إلى قوة اقتصادية تعزز تنافسيتها

بحضور سموّ الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، ناقش مجلس "السردية العالمية الجديدة"، ضمن فعاليات "ملتقى محمد بن راشد للقادة"، سُبل تحويل الثقة التي رسختها دبي عالمياً إلى قيمة اقتصادية مستدامة تعزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات والشركات والمواهب، وتدعم تنافسيتها في الاقتصاد العالمي، في ظل تنامي دور الثقة كعامل حاسم في توجيه قرارات المستثمرين والشركات واختيار الوجهات وتشكيل حركة الأسواق.

كما حضرت المجلس نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام، المدير العام للمكتب الإعلامي لحكومة دبي، منى غانم المرّي، وعدد من قيادات دبي ومجموعة من الخبراء العالميين.

منى المري: دبي مدينة تفي بوعودها
وخلال كلمتها الافتتاحية، أكدت منى المرّي أن مفهوم السردية الحقيقية يتجاوز مجرد قصة نرويها أو صورة نصنعها ونقدمها إلى العالم، إلى تجربة يعيشها الإنسان بكل تفاصيلها ليرويها عنه الآخرون، مشيرة إلى أن دبي نجحت في بناء سردية ترتكز على أساس متين من الثقة والتي تمنح هذه السردية قوتها وفاعليتها وتأثيرها.. ثقة في مدينة تفي بوعودها وتدعم كل صاحب طموح لتحويله إلى قصة نجاح، والتي لم تكن يوماً نتيجةً لحملات دعائية ولا رسائل إعلامية، إنما كانت ثمرة تجربة وجد فيها المستثمر وصاحب الأعمال والمبدع والمبتكر وصاحب الفكر الخلّاق ما ينشده من دعم واهتمام.

وساقت منى المرّي مثالاً بواحدة من أصعب التجارب التي خاضتها دبي، والبشرية جمعاء، إبان جائحة كوفيد-19، حيث اضطرب العالم وأُغلقت مدن، وتوقفت حركة التجارة والسفر، ليسود آنذاك تساؤل واحد هو: ماذا سيحدث غداً؟ حينها لم تجب دبي بحملات دعائية، ولكنها أجابت بقرارات واضحة ومنظومة عمل متكاملة مدعومة ببنية تحتية على أعلى مستويات الجاهزية وفرق عمل جمعتها روح الفريق الواحد لحماية الإنسان وضمان استمرار الحياة، إذ كان هذا النهج من أهم الأسباب التي جعلت دبي من أسرع المدن تعافياً، لتستضيف بعد فترة قصيرة، وبينما كان العالم يعاني في أكثر مراحل تاريخه اضطراباً، أحد أكبر الفعاليات العالمية وهو "إكسبو 2020 دبي" لتستقبل على مدار ستة أشهر 24 مليون زائر.

وقالت: "لم نكن في حاجة لأن نقول للعالم إن دبي جاهزة... فالعالم جاء .. ورأى.. واختبر ذلك بنفسه.. وهذه بالنسبة لي السردية الأقوى.. فتجربة ما تقدمه المدينة وأن يكتشف العالم ذلك بنفسه له أثر أعمق بكثير عما تقوله المدينة عن نفسها".

وأكدت أن المواقف الاستثنائية تزيد من عزم دبي أن تكون دائماً أقوى لتواصل مسيرتها المُلهمة، واستشهدت ببعض الإحصاءات التي تبرهن هذا النهج، وقالت معاليها: إن دبي استقبلت في العام 2025، 19.59 مليون زائر دولي، محققة رقماً قياسياً جديداً، بينما استقطبت في العام ذاته 1,253 مشروعاً جديداً للاستثمار الأجنبي المباشر، لتحافظ على مركزها الأول عالمياً في استقطاب مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة للعام الخامس على التوالي، مشيرة إلى أن الأرقام تثير تساؤلاً مهماً وهو: لماذا يستمر العالم في اختيار دبي؟.

وأشارت منى المرّي إلى أن الإجابة على هذا التساؤل تكمن في أن المستثمر لا يستثمر في الأصول فقط.. وأن السائح لا يختار فندقاً فقط.. وأن الموهبة لا تختار وظيفة فقط.. فكل واحد منهم يضع جزءاً من مستقبله في دبي ضمن قرار مبني في جوهره على "الثقة" التي أكد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أن دولة الإمارات بنتها على مدار عقود وأن علينا جميعاً تعزيزها وحمايتها والبناء عليها.

وتطرقت منى المرّي إلى العديد من العوامل المؤثرة في السردية، وفي مقدمتها التقنيات الحديثة ومن أهمها الذكاء الاصطناعي، الذي غيّر من سرعة صناعة السردية وحجم انتشارها وقدرتها على التأثير في الثقة، وساقت مثالاً بدور تلك التقنيات خلال الأزمة الإقليمية والمواجهة مع إيران، والتي مهدت لانتشار كَمٍ ضخم من الأخبار المغلوطة والمعلومات المضللة، والتي تصدت لها دولة الإمارات بكل قوة وحزم.

وقالت: "إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على صناعة التضليل، فيجب أن يكون أيضاً جزءاً من قدرتنا على كشفه... وإذا كان قادراً على نشر سردية خاطئة خلال دقائق، فيجب أن يساعدنا على اكتشافها وفهمها والوصول إلى الحقيقة بصورة أسرع"، مشيرةً إلى أنه لا يمكن مواجهة أدوات المستقبل بالاعتماد على أدوات الماضي، مؤكدة أهمية الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي في رصد وفهم اتجاهات الرأي العام العالمي، وتوصيل المعلومة الصحيحة باللغة الصحيحة إلى الجمهور الصحيح في الوقت الصحيح.

ولفتت منى المري إلى تأسيس "لجنة تنظيم السرد الإعلامي في إمارة دبي"، بقرار من سموّ الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي، رئيس مجلس دبي للإعلام، لتباشر اللجنة برئاستها العمل على تأكيد رسوخ الركائز التي تقوم عليها سردية دبي، من خلال أعلى مستويات التنسيق على مستوى الإمارة، والعمل على تطويرها بأسلوب يواكب التطورات المحيطة وبنفس سرعتها، ويجعل من كل تجربة في دبي سبباً جديداً لزيادة رصيدها من الثقة القائمة على الشفافية وسرعة التحرك ومشاركة المعلومات.

واختتمت نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام المدير العام للمكتب الإعلامي لحكومة دبي كلمتها بدعوة وجهتها إلى كل من يشارك في صنع سردية دبي، قائلة: "فلنجعل أفعالنا تسبق كلماتنا... ولنجعل تجربتنا تسبق روايتنا... ولنجعل التكنولوجيا أداةً لحماية الحقيقة… لا للتشويش عليها.. لتكون الثقة دائماً… أقوى قصة ترويها دبي للعالم".

من جهته، استعرض رئيس مجلس إدارة "براند فينانس" الخبير العالمي ديفيد هيج، كيفية تحوّل السمعة من حضور ومكانة على الساحة العالمية إلى قوة مؤثرة في قرارات الاختيار، موضحاً دور القادة في بناء تجارب تعزز الثقة وتحولها إلى قيمة اقتصادية ومكانة راسخة على المدى الطويل.

وناقش خلال جلسة بعنوان "حوار السردية العالمية الجديدة.. كيف يحوّل القادة تجربة المدينة إلى ثقة عالمية؟"، مفهوم سمعة المدن بعيداً عن المفهوم التقليدي للعلامة أو الحملات الإعلامية، موضحاً أن الصورة التي تتشكل عن أي مدينة تتكون من مجمل ما يختبره الناس فيها من خدمات ومؤسسات ومبادرات ومشاريع وتجارب يومية.

وقال هيج: "سمعة المدينة هي حصيلة ما يختبره الناس فيها، فالخدمات والمؤسسات والمبادرات والتجارب اليومية تتكامل لتشكّل الانطباع العالمي، ومن هنا تأتي أهمية الاتساق بين الوعد الذي تقدمه المدينة والتجربة التي يعيشها الناس فيها، وبين الطموح الذي تعلنه والنتائج التي يلمسونها على أرض الواقع".

وسلّط هيج الضوء على تجربة دبي، وما تمتلكه من حضور عالمي راسخ، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مجرد الظهور العالمي إلى ترسيخ تجارب دقيقة ومتكاملة تعزز الثقة، وتدعم التنافسية، وتبني قيمة طويلة المدى.

وأوضح أن الخدمات والمشاريع والفعاليات والمبادرات هي عناصر مترابطة تسهم مجتمعة في صياغة السردية الأشمل للمدينة، لافتاً إلى أن ربط المبادرات المؤسسية بهذه السردية يعزز أثرها ويحول نتائجها إلى رصيد متراكم يدعم مكانة دبي العالمية.

وأكد أن حماية السمعة العالمية للمدن تتطلب من القادة النظر إلى مختلف التفاصيل التي يعيش من خلالها الناس تجربة المدينة باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة، مشيراً إلى أن الاتساق بين الطموح والتنفيذ يمثل عاملاً أساسياً في الحفاظ على الثقة وتعزيز القيمة العالمية.

وأضاف أن دور القادة لا يقتصر على صياغة الوعود أو تحديد الطموحات، وإنما يمتد إلى ضمان ترجمة هذه الوعود إلى تجارب ملموسة ومتسقة، بما يجعل كل خدمة أو مشروع أو مبادرة جزءاً من تجربة متكاملة تعزز الانطباع والثقة بالمدينة.

وفي جلسة بعنوان "السمعة كقوة جذب للمواهب والاستثمار والثقة"، انتقل ديفيد هيج من بحث سُبل بناء الثقة إلى استكشاف كيفية تحويلها إلى قوة مؤثرة في توجيه القرارات، موضحاً أن القيمة الحقيقية للسمعة العالمية لا تتوقف عند مستوى الوعي أو الانتشار، وإنما تظهر عندما تتحول إلى تفضيل.

وقال هيج:" إن المرحلة الأهم في بناء السمعة العالمية تتمثل في الانتقال من أن تكون المدينة أو المؤسسة معروفة إلى أن تصبح خياراً مفضلاً لدى الأشخاص والمؤسسات، موضحاً أن السمعة القوية يمكن أن تختصر التردد، وتزيد مستويات الثقة، وتعزز قدرة المدن والمؤسسات على جذب المواهب والاستثمارات والشراكات والاهتمام العالمي".

وأضاف: "القيمة الحقيقية للسمعة لا تكمن فقط في أن يعرف الناس المدينة أو المؤسسة، وإنما في أن يختاروها. وعندما تصبح السمعة عاملاً يقلل التردد ويعزز الثقة، فإنها تتحول إلى قوة مؤثرة في قرارات الاستثمار، واستقطاب المواهب، وجذب الزوار والشركاء، وتوسيع الحضور العالمي".

وأشار إلى أهمية التمييز بين المعرفة والثقة والتفضيل، موضحاً أن الوصول إلى مستوى عالٍ من الوعي بالمدينة يمثل خطوة أولى، لكن القيمة الأكبر تتحقق عندما يقترن هذا الوعي بثقة ناتجة عن تجربة حقيقية، ثم يتحول إلى تفضيل ينعكس على قرارات الأفراد والمؤسسات.

وأكد أن القيادة تلعب دوراً محورياً في صناعة هذا التفضيل، من خلال وضوح الهوية، واتساق التجربة، وجودة التنفيذ، والقدرة على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة.

وأكد على أن تحويل السمعة إلى قيمة مستدامة يتطلب من القادة النظر إليها باعتبارها أصلاً استراتيجياً، والعمل على تعزيزها من خلال هوية واضحة وتجربة متسقة وتنفيذ عالي الجودة، بما يرسخ مكانة المدينة ويعزز قدرتها على المنافسة وجذب الاهتمام والثقة عالمياً.

ويمثل مجلس "السردية العالمية الجديدة" أحد المجالس المتنوعة ضمن ملتقى محمد بن راشد للقادة، إلى جانب مجلس قيادة مدن المستقبل، ومجلس مستقبل الاقتصاد القادم، والتي تجمع القيادات وصناع القرار والخبراء لمناقشة التحولات والقضايا ذات الأولوية لمستقبل دبي، وتعزيز التعاون وتبادل الرؤى، واستشراف المسارات المستقبلية التي تدعم تنافسية الإمارة وريادتها العالمية.

 

 

الأكثر مشاركة