مقابل 10 آلاف درهم.. محتالون يستدعون «الطفل الخفي» من ماضي الضحية لتصويب «مساره الروحي»
كشفت اتصالات تلقتها «الإمارات اليوم»، عقب نشرها تحقيقاً بعنوان «محتالون يدّعون شفاء الأمراض وتجديد الطاقة»، عن محاولات ترويج لدورات احتيالية، تحت عناوين «التطور الروحي» و«تصويب المسار الروحي» و«الطفل الخفي».
ووفق تجارب رواها المتصلون للصحيفة، فقد انتقل هذا النوع من الممارسات من قاعات التدريب والمنصات الرقمية إلى فنادق راقية، ضمن عروض تشمل المبيت طوال فترة الدورة.
وقالوا إن كلفة بعض البرامج تتجاوز 10 آلاف درهم خلال خمسة أيام.
وكانت «الإمارات اليوم» نشرت أخيراً تحقيقاً عن ممارسات لأشخاص يروجون لأنفسهم عبر المنصات الرقمية، ويقدم بعضهم نفسه بوصفه «راقياً شرعياً»، مستغلين حاجة ضحاياهم إلى الاستقرار، أو العلاج، أو توسيع باب الرزق.
وفي المقابل، حذر متخصصون من مفاهيم خاطئة، منتشرة على «السوشيال ميديا» ومواقع التواصل الاجتماعي، مرتبطة بممارسات غير قانونية، وشددوا على وجود استشاريين أسريين مؤهلين، يمكن اللجوء إليهم لطلب المشورة.
وتفصيلاً، قالت موزة محمد إنها عاشت حياة زوجية مستقرة لأكثر من 10 سنوات، قبل أن تنخرط في دورات «طاقة الأنوثة والذكورة».
وروت أنها انتقلت من دورة إلى أخرى تحت مسميات مختلفة لقاء ما يزيد على 5000 درهم شهرياً.
وأضافت أن تأثير هذه الأفكار تجاوز علاقتها بزوجها، وامتد إلى علاقتها بوالديها، خصوصا الأم، إذ مرت بفترة «استدعاء الطفل الخفي المقيم في ماضيها»، وأعادت النظر في طريقة تربيتها، وأصبحت تحاسب والدتها على مواقف وتصرفات تعود إلى سنوات طفولتها، وما كانت ترى أنه ترك أثراً في مشاعرها وحياتها.
وأوضحت أنها عاشت فترة من الصراع النفسي والاجتماعي أملاً في «تنظيف المشاعر والصدمات الداخلية» من ترسبات الماضي، أما حياتها الزوجية فتعرضت لعقبات متتالية منذ أن بدأت ترى أن زوجها لا يشاركها المستوى نفسه من «الوعي»، وأن وجوده يعوق «مسار تطورها الروحي».
وبحسب ما قالته، فلم يعد الزوج بالنسبة إليها شريكاً تختلف معه في بعض تفاصيل الحياة، وإنما شخص يحول دون استمرارها في المسار الذي اختارته، فيما لم تقتصر إعادة تقييم علاقاتها على الزوج، بل شملت أقرب أفراد أسرتها.
وتحدثت عنود الرئيسي عن دورات يقدمها أشخاص في مجال «علوم الطاقة»، تتجاوز كلفة الاشتراك في بعضها 10 آلاف درهم، على الرغم من أن مدتها لا تزيد على خمسة أيام.
وقالت إن بعض البرامج تنظم في فنادق راقية، وتشمل المبيت طوال فترة الدورة، وتتضمن ممارسات غريبة، مثل إخراج أصوات بنبرات معينة، والصراخ، واتباع طرق تنفس غير معتادة.
وأشارت إلى أن ارتفاع كلفة الدورة لا يعني بالضرورة أن إنفاق المشترك يتوقف عندها، إذ قد ينتقل من برنامج إلى آخر، أو يلتحق بمستويات ودورات جديدة، لتتراكم المبالغ مع اختلاف عناوين البرامج.
وأضافت أن بعض الدورات تتضمن ممارسة «اليوغا»، إلا أنها ليست التمارين الرياضية المعروفة للجميع، بل تتداخل فيها ممارسات غير مألوفة، يزعم «المدرب» أنها تساعد على «تخفيف التوتر».
وقالت إن أكثر ما أثار استغرابها انتقال بعض الممارسات من الحديث عن «الطاقة» إلى معتقدات وهمية، مشيرة إلى «الاستعانة» بمخلوقات تخيلية لـ«تنظيف الصدر» من تأثيرات قديمة.
وأضافت أن الأمر قد يتحول لدى بعض الأشخاص إلى سلسلة من الدورات والجلسات، فلا تعود الكلفة مرتبطة ببرنامج تبلغ قيمته 7000 أو 10 آلاف درهم، وإنما باستمرار الاشتراك في برامج جديدة، وما يصاحبها من إقامة ومبيت، سعياً وراء ما يقدمه أصحابها تحت مسميات «الوعي» و«الطاقة» و«التطور الروحي».
وذكرت أنها تعرف نساء انخرطن في ممارسات ودورات امتدت لسنوات، وأن بعض الحالات انتهت بالطلاق وتشتت الأسرة، فيما وصفت ما تعرضن له بـ«غسل للدماغ».
وأشارت إلى أن المشكلة، بحسب تجربتها مع هذه الحالات، تبدأ تدريجياً، إذ يدخل الشخص إلى دورة أو جلسة بحثاً عن تغيير في حياته أو تطوير ذاته، ثم يستمر في المتابعة وتلقي أفكار جديدة حتى تصبح بعض المفاهيم التي يتلقاها جزءاً من طريقته في النظر إلى نفسه وأسرته وعلاقاته.
وروت متصلة للصحيفة أنها حضرت ورشة أسرية حول «بناء المنزل»، متوقعة أن تركز المحاضرة على الجوانب الهندسية والتصميم الداخلي واختيار الجهات التي تتولى البناء، لكنها فوجئت بانتقال الحديث إلى «الطاقة»، إذ تحدثت مقدمة الورشة عن الاتجاه الذي ينبغي أن يكون عليه باب المنزل حتى لا تدخل منه «طاقة سلبية».
وأضافت أنها استغربت إدخال هذه الأفكار في موضوع يفترض أن يكون مرتبطاً بالجوانب الهندسية، خصوصاً أنها حضرت الورشة بحثاً عن معلومات تساعدها على بناء منزلها.
وتحدث أشخاص عن انتشار دورات ومحتوى عبر المنصات التواصل الاجتماعي تتعلق بما يسمى «خرائط الطاقة».
وقالوا إن ظهور مقدم الدورة بصفته خبيراً أو مدرباً، إلى جانب حضوره المستمر على المنصات الرقمية، قد يمنح ما يقدمه ثقة لدى بعض المتابعين، خصوصاً عندما تختلط المفاهيم بعبارات عن تطوير الذات وتحسين الحياة.
بدورها، حذرت المحاضر والمدرب الدولي في القيادة والتوعية المجتمعية، عائشة الكندي، من خطورة الانجراف وراء ما يسمى «علوم الطاقة» ومنح مقدمي جلساتها مساحة للتدخل في تفاصيل الحياة الزوجية والأسرية، مشيرة إلى أن «بعض الأشخاص يلجؤون إلى هذه الجلسات وهم يمرون بخلافات أسرية أو تجارب مؤلمة، ويبحثون عن شخص يستمع إليهم ويفهم معاناتهم ويساعدهم على التخلص من مشاعر الألم، إلا أن هناك من يستغلون الحالة النفسية والعاطفية ويقدمون وعوداً وحلولاً غير قائمة على أسس علمية أو مهنية».
وقالت إن بعض الجلسات تروج تحت عناوين مثل «العلاقة المرضية» و«التخلص من الصدمات»، ما قد يدفع الشخص إلى تصديق أن المشكلة تكمن دائماً في الأشخاص المحيطين به، سواء كان الزوج أو الزوجة أو الأم أو الأب، ويقوده تدريجياً إلى تبني فكرة أن راحته لا تتحقق إلا بالابتعاد عن كل من يوصف بأنه «سام» أو «توكسيك»، من دون دراسة متوازنة لطبيعة المشكلة أو مسؤولية كل طرف فيها.
وأكدت تأثير امتلاك مقدمي هذا النوع من المحتوى أعداداً كبيرة من المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، ووجود تجارب وشهادات لأشخاص يتحدثون عن تخلصهم من الألم أو المشكلات أو العلاقات التي كانت تؤذيهم، في نفس المتابع الجديد، إذ «يمنحه ذلك شعوراً بأن هذه الممارسات مجرّبة وموثوقة».
وأشارت إلى أن بعض صناع المحتوى يخلطون ما يطرحونه بآيات قرآنية أو عبارات يقدمونها على أنها تدعم أفكارهم ومفاهيمهم، في حين أن تفسير هذه الآيات وسياقها قد يختلف عما يروجون له.
وأكدت أن هذه العناصر مجتمعة قد تدفع الشخص إلى الاطمئنان لمقدم الجلسة والبوح له بأسرار حياته الزوجية والأسرية وتفاصيل علاقاته، ثم تلقي نصائح وتوجيهات قد تؤثر سلباً في نظرته إلى الزوج أو الوالدين أو المحيطين به، من دون التأكد من أن من يقدمها يمتلك التأهيل العلمي أو المهني اللازم للإرشاد الأسري أو النفسي.
وقالت: «عندما يقدم شخص إرشادات تتعلق بالزواج أو الأسرة أو العلاقة بين الأبناء ووالديهم، يجب أن نسأل: هل يحمل مؤهلاً في الإرشاد أو الاستشارات الأسرية؟ وعلى أي أساس علمي يقدم هذه التوجيهات؟»، مؤكدة أن ذلك يتطلب تقييماً مهنياً محايداً لا توجيهات قد تؤدي إلى زيادة النزاع أو قطع صلة الرحم.
وأكدت أن «الخطر لا يقتصر على الزوجين، بل يمتد إلى الأبناء، إذ قد يكونون أكثر المتضررين من استمرار الخلافات داخل المنزل، وقد تنعكس آثارها عليهم في صورة خوف أو عصبية أو تراجع في التركيز والتحصيل الدراسي، وقد تظهر لديهم سلوكيات عدوانية تجاه أنفسهم أو أقرانهم».
وشددت على أهمية تعزيز الثقافة المتعلقة بمصادر الاستشارة الموثوقة حتى لا تترك الأسرة مجالاً لاستغلال أزماتها العاطفية والنفسية، مؤكدة أن «النصيحة الخاطئة قد ترتد على صاحبها وتفاقم المشكلة بدلاً من حلها».
المرجعية الاجتماعية
أكدت الباحثة في التراث الثقافي، بدرية الحوسني، أن الانفتاح الواسع على الثقافات المختلفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي جعل العالم أقرب إلى «المدينة الصغيرة»، وأسهم في انتقال أفكار وممارسات من بيئات وثقافات أخرى إلى تفاصيل الحياة اليومية، مشددة على أن هذا الانفتاح لا ينبغي أن يدفع الإنسان إلى الابتعاد عن هويته وقيمه المجتمعية، بل إلى العودة دائماً إلى أصوله والتمسك بما يحفظ تماسك الأسرة واستقرارها.
وقالت إن الأسرة في المجتمع الإماراتي، عند وقوع خلافات زوجية أو أسرية، كانت تلجأ في كثير من الأحيان إلى شخص كبير في السن أو معروف بالحكمة والخبرة داخل العائلة، يتدخل للإصلاح وتقريب وجهات النظر، مستنداً إلى معرفته بطبيعة الأسرة وأطراف الخلاف وظروفه، وليس إلى أحكام سريعة تدفع أحد الأطراف إلى القطيعة أو الانفصال.
وأضافت أن بعض الأفكار المتداولة اليوم قد تشجع الشخص على النظر إلى كل خلاف باعتباره علاقة يجب التخلص منها، في حين أن الحياة الأسرية بطبيعتها تمر باختلافات ومواقف تحتاج أحياناً إلى الحوار والصبر والإصلاح لا إلى اتخاذ قرارات مصيرية بناءً على مفاهيم مستوردة أو نصائح من أشخاص لا يعرفون تفاصيل الأسرة ولا خلفيات المشكلة.
وشددت على أهمية الاستفادة من الانفتاح الثقافي دون فقدان المرجعية الاجتماعية والقيم التي عرفت بها الأسرة الإماراتية، وفي مقدمتها الترابط، وصلة الرحم، واحترام الكبير، واللجوء إلى أهل الحكمة والخبرة عند وقوع المشكلات، مؤكدة أن الحفاظ على هذه القيم يشكل خط دفاع مهماً أمام أي أفكار قد تسهم في تفكيك العلاقات الأسرية بدلاً من إصلاحها.
موزة محمد:
• عشت فترة من الصراع النفسي والاجتماعي أملاً في «تنظيف المشاعر والصدمات الداخلية» من ترسبات الماضي.
عنود الرئيسي:
• المشترك ينتقل من برنامج إلى آخر، أو يلتحق بمستويات ودورات جديدة، لتتراكم المبالغ مع اختلاف عناوين البرامج.