الوالدة مريم بجانب زميلاتها يُحضّرن السحناة. تصوير: يماني العفاري

نكهات الأجداد تتجدد.. «السحناة» تدخل المعكرونة و«السيزر» والتبولة

خرجت «السحناة» في كلباء من صورتها التقليدية إلى أطباق لم يعتد الزوار رؤيتها فيها، فدخلت المعكرونة وسلطة «السيزر»، وظهرت في وصفة جديدة باسم «تبولة السحناة» ممزوجة بنبات الغافة، في أول مهرجان متخصص بالجاشع والسحناة، جمع بين وصفات الآباء والأجداد وتجارب حديثة أعادت تقديم الموروث البحري بصورة مختلفة.

وقدمت الشيف الإماراتية منى المنصوري معكرونة بالسحناة، إلى جانب سلطة «سيزر» استغنت فيها عن سمك الأنشوفة المستخدم عادة في إعدادها، واستبدلته بالسحناة التي اشترتها من إحدى الأسر الإماراتية المشاركة في المهرجان.

وقالت المنصوري إن الفكرة تقوم على إدخال منتج محلي متوارث إلى أطباق عالمية معروفة، مشيرة إلى أن السحناة منحت الأطباق نكهة مختلفة، وأثبتت أنها لا تقتصر على الاستخدامات التقليدية التي ارتبطت بها داخل البيوت.

وعلى بعد خطوات، قدم الوالد عبدالله سعيد الزعابي، من «مزارع عبدالله الزعابي وأولاده»، تجربة أخرى جمعت بين السحناة والغافة، موضحاً أن مشاركتهم تستعيد قصة قديمة للعلاقة بين النبات المحلي والمائدة الإماراتية.

وقال إنهم حضروا السحناة والغافة لتقديمهما معاً في طبق أطلقوا عليه «تبولة السحناة»، في محاولة لإعادة ربط مكونات البيئة المحلية بوصفات قابلة للتقديم اليوم بصورة مختلفة، إلى جانب إعداد «عصيدة» ضمن الأطباق المرتبطة بالموروث الغذائي.

وأضاف أن المشاركة لا تقوم فقط على تقديم الطعام، وإنما على سرد القصة خلف المكونات، وكيف ارتبطت النباتات التي عرفها الأهالي قديماً بطعامهم وحياتهم اليومية.

وفي الجهة الأخرى من المهرجان، شارك الأطفال كبار السن في تقطيع السحناة وتجهيزها، فيما تابعت أجيال مختلفة مراحل إعدادها، في مشهد أعاد إلى الواجهة طريقة كانت تقوم في الأصل على العمل الجماعي داخل الأسرة.

وقالت الوالدة مريم محمد الزعابي، المشاركة في «إعداد السحناة والجاشع»، إن هذا الموروث يمثل مصدر فخر، وإن النساء كنّ في الماضي الأيدي التي تتولى إعداد هذه الأطعمة داخل البيوت، ابتداءً من تنظيف السمك وقطع الرأس والتخلص من الأجزاء غير المستخدمة، وصولاً إلى التجفيف والدق والتجهيز.

وأوضحت أن «السحناة كانت تُعد بعمل جماعي»، إذ تجتمع النساء لإنجاز مراحلها المختلفة، بينما ترافق العمل أحياناً أغانٍ شعبية تضفي على المهمة طابعاً اجتماعياً، فلا يكون إعداد الطعام مجرد عمل منزلي، وإنما مناسبة تتشارك فيها النساء المعرفة والجهد.

وأضافت أن هذه الأطعمة كانت تسد حاجة الأسر وتمنحها ما يكفي من الطعام، مؤكدة أن استمرارها اليوم في المهرجانات والفعاليات يعيد جزءاً من حياة البيوت القديمة إلى الأجيال الجديدة.

ومن بين الحضور، استعاد المهتم بالتراث الوالد عبيد سالم التابوت جانباً من علاقة الأهالي بالبحر، موضحاً أن الصيد في السابق لم يكن هواية، وإنما كان مرتبطاً مباشرة بلقمة العيش.

وقال إن «الرزق كان من البحر، والخير كان كثيراً»، مشيراً إلى أن «الجاشع» و«السحناة» مازالا حاضرين حتى اليوم على الرغم من تغير نمط الحياة، فيما أصبح الصيد لدى كثيرين اليوم هواية بعد أن كان في الماضي مصدراً أساسياً للغذاء والدخل.

وأضاف أن الأسر كانت تستفيد مما يتوافر لديها مهما كان قليلاً، فإذا لم تكفِ كمية الجاشع الموجودة، خلطتها مع الأرز و«غلينجو» حتى تزيد الكمية وتكفي أفراد الأسرة، مؤكداً أن الناس كانوا يقبلون برزقهم ويستفيدون من خيرات البحر بحسب ما يتوافر لهم.

ويعكس ذلك أن الجاشع والسحناة لم يكونا مجرد صنفين غذائيين، وإنما جزء من نمط حياة يبدأ بالصيد، ثم التنظيف والتجفيف والحفظ، وينتهي بطعام تتقاسمه الأسرة، فيما تعيد التجارب الحديثة اليوم تقديم هذا الموروث داخل أطباق لم يكن مألوفاً استخدامه فيها من قبل.

ويشارك في مهرجان كلباء للجاشع والسحناة 85 أسرة منتجة، إلى جانب 10 جهات حكومية وعدد من الشركات المتخصصة في مستلزمات الصيد وتجهيز الأسماك، فيما تتنوع الفعاليات بين العروض الحية وورش العمل والأنشطة الموجهة للأطفال والعائلات.

كما يتيح المهرجان للزوار مشاهدة طرق إعداد الجاشع والسحناة، والتعرف إلى الأدوات التقليدية المستخدمة فيهما، إلى جانب تذوق وصفات تجمع بين الشكل القديم للموروث ومحاولات تقديمه بطريقة جديدة.

وتنظم المهرجان غرفة تجارة وصناعة الشارقة بالتعاون مع بلدية مدينة كلباء، ويستمر حتى 27 سبتمبر الجاري، مقدماً للمرة الأولى فعالية مستقلة تضع الجاشع والسحناة في قلب المشهد، ليس فقط بوصفهما جزءاً من ذاكرة الساحل الشرقي، وإنما باعتبارهما مكونين يمكن أن ينتقلا من موائد الأجداد إلى وصفات معاصرة.

عبيد سالم التابوت:

• الأسر كانت تستفيد مما يتوافر لديها.. مهما كان قليلاً.

منى المنصوري:

• السحناة منحت الأطباق العالمية نكهة مختلفة.

عبدالله سعيد الزعابي:

• نربط مكونات البيئة المحلية بوصفات تقدم بصورة جديدة.

مريم محمد الزعابي:

• السحناة كانت عملاً جماعياً تتشارك في إعداده النساء.

الأكثر مشاركة