رؤساء تحرير: الرقمنة «شرط بقاء» للصحافة العربية.. والمصداقية والكوادر تحسمان المستقبل
أكد رؤساء تحرير ومسؤولون في مؤسسات صحفية عربية أن التحول الرقمي لم يعد خياراً، بل شرطاً لبقاء الصحافة واستدامتها، محذرين من أن المؤسسات التي تواصل العمل بعقلية الورق، من دون إعادة هيكلة غرف الأخبار وتطوير الكوادر ونموذج الإيرادات، ستواجه خيارات صعبة مع تسارع انتقال الجمهور والإعلانات إلى المنصات الرقمية.
وشددوا، خلال جلسة «مستقبل الصحافة العربية كما يراه رؤساء التحرير»، على أن معركة المستقبل تتجاوز ثنائية «الورق والرقمي» إلى قدرة الصحافة على الجمع بين السرعة والمصداقية، واستثمار الذكاء الاصطناعي من دون الارتهان له، وإنتاج محتوى يستعيد ثقة الجمهور ويحقق عائداً مالياً.
وأدار الجلسة رئيس تحرير «الإمارات اليوم» إبراهيم شكرالله، بمشاركة رئيس تحرير «القبس» وليد النصف، ورئيس تحرير «الأهرام» ماجد منير، والرئيس التنفيذي لصحيفة «الخليج» رائد برقاوي، ورئيس تحرير «البيان» حامد بن كرم.
النصف: الورق خسر 46%
وقال وليد النصف إن الصحافة الورقية تمر بمرحلة شديدة الصعوبة، وإن تجربة «القبس» في التحول الرقمي، التي بدأت عام 2020، كشفت انتقال الجمهور إلى الإلكتروني بسرعة فاقت التوقعات.
وأوضح أن النسخة الورقية تراجعت 46%، مقابل نمو كبير للقراءة الرقمية واتساع انتشار الصحيفة من الكويت إلى الخليج والشرق الأوسط، مؤكداً أن «قوتنا الآن ومستقبلنا في التحول الإلكتروني».
وأشار إلى أن التحول شمل كذلك سوق الإعلان، إذ بات المعلن أكثر توجهاً إلى المنصات الرقمية للوصول إلى الشباب، متوقعاً استمرار نمو الإقبال الإلكتروني حتى 2030.
وحذر من أن «أي جريدة لا تمتلك رَديفاً إلكترونياً تواجه مشكلة كبيرة في استمراريتها»، مؤكداً أن فقدان الورق ميزة السرعة يفرض تغيير وظيفته من ملاحقة الخبر إلى تحليله والتحقق منه وتقديم قيمة لا يوفرها التدفق الرقمي السريع.
منير: الصحافة ليست ورقاً
ورفض ماجد منير اختزال مستقبل الصحافة في مصير النسخة المطبوعة، مؤكداً أن الصحافة أوسع من الوسيط الذي يحمل محتواها، وأن المطلوب هو تكامل الورقي والإلكتروني ومنصات التواصل ضمن استراتيجية تحريرية واحدة.
ووضع المصداقية في قلب معركة البقاء، مشيراً إلى أن الفارق بين المؤسسة المهنية ومصادر المعلومات المفتوحة يتمثل في مسؤولية الأولى عن كل ما تنشره، والتزامها بتصحيح الخطأ والمعلومة غير الدقيقة.
وأكد أن ضغط السرعة وشغف الجمهور بالحصول على المعلومة فوراً لا يبرران التضحية بالدقة، لأن تكرار الأخطاء يهدم ثقة المتلقي، فيما تتحول المصداقية إلى رأسمال للمؤسسة.
واستشهد بصمود «الأهرام» لنحو 150 عاماً، مؤكداً أن ذلك ما كان ليتحقق من دون سياسات تحريرية صارمة تقوم على احترام القارئ وتحري الدقة، سواء على الورق أو المنصات الرقمية.
برقاوي: الأزمة في «المطبخ»
وقال رائد برقاوي إن أزمة الصحافة العربية لا تكمن في نقص الأدوات بقدر ما ترتبط بمن يصنع الخبر ويستخدم التكنولوجيا داخل غرفة التحرير، مشدداً على أن زيادة المتابعين لا تكفي، وأن النجاح الحقيقي يقاس بعودة الجمهور وتفاعله وثقته بالمصدر.
واعتبر أن التحدي يتمثل في الجمع بين المصداقية والسرعة، لافتاً إلى أن الذكاء الاصطناعي منح المؤسسات قدرة أكبر على الإنجاز والوصول، لكنه كشف في الوقت نفسه ضعفاً في جاهزية بعض الكوادر.
وحذر من الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي بما يلغي بصمة الصحفي، مثلما حذر من مقاومة تعلمه، مؤكداً أن المطلوب توظيفه لتقوية الصحفي لا استبداله.
وقال إن القضية تبدأ من «المطبخ»؛ فإذا كانت غرفة الأخبار وكوادرها جيدة، جاء المنتج جيداً، مشيراً إلى أن التكنولوجيا يمكن شراؤها، بينما يظل نقص الكفاءات الإعلامية المؤهلة إماراتياً وعربياً التحدي الأصعب.
بن كرم: «عقلية الورق» تعطل التحول
من جانبه، وضع حامد بن كرم الاستدامة المالية وإعادة الهيكلة في صدارة تحديات الصحافة، مؤكداً أن المؤسسات ذات الهياكل البشرية الكبيرة ستواجه صعوبة في تحقيق الاستدامة إذا لم تعِد بناء نموذجها التشغيلي والإيرادي.
وقال إن الصحافة الخليجية والعربية تأخرت في اقتناص فرص التحول الرقمي، ما أتاح لمؤسسات وأفراد الاستحواذ على جانب من سوق الإعلان، مشدداً على ضرورة تغيير عقلية الصحفي ليصبح «صاحب أثر» على مختلف المنصات، لا صحفياً مرتبطاً بالورق.
وحذر من نقل محتوى الورق وعقليته إلى المنصات الرقمية، مؤكداً ضرورة استخدام بيانات القراءة والمشاهدة والتفاعل لفهم الجمهور وتطوير المحتوى بما يحافظ على السياسة التحريرية ويرفع الإيرادات.
وكشف أن «البيان» تجاوزت خلال الشهر الماضي مليار مشاهدة، بمتوسط قراءة دقيقتين و40 ثانية، ما يوفر مؤشرات يمكن البناء عليها في مخاطبة سوق الإعلان.
ولفت إلى اختلال في توزيع الموارد البشرية، إذ يشكل العاملون الموجهون إلى الإلكتروني أقل من 15% من القوة البشرية، فيما تتركز النسبة الأكبر في النسخة الورقية التي تراجعت قدرتها على تحقيق الإيرادات، داعياً إلى إعادة توجيه الكوادر نحو المنصات الأكثر تأثيراً وعائداً.
«إعادة تأسيس» لا مجرد تحول
وخلصت الجلسة إلى أن مستقبل الصحافة العربية يتطلب ما هو أبعد من إنشاء موقع إلكتروني أو حسابات على منصات التواصل؛ إذ تحتاج المؤسسات إلى إعادة تأسيس نموذجها بالكامل: غرفة أخبار رقمية، وكوادر قادرة على استخدام الذكاء الاصطناعي، ومحتوى يحافظ على المصداقية، وهيكل إداري يتبع الجمهور والإيرادات إلى حيث انتقلا.
واتفقت المداخلات على معادلة واحدة للبقاء: الرقمنة ضرورة، والمصداقية رأس المال، والكوادر نقطة الحسم، والاستدامة المالية اختبار المستقبل.