قرقاش: صادراتنا من الطاقة لن تكون رهينة ولا ينبغي لأي دولة أن تسيطر على هرمز
أكد المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، الدكتور أنور بن محمد قرقاش، في كلمة له خلال "منتدى هيلي" السنوي أن "صادراتنا من الطاقة لن تكون رهينة، ولن يكون نشاطنا التجاري والاقتصادي كذلك".
وقال: "من غير المقبول أن تصبح ناقلات النفط والسفن التجارية مهددة بشكل روتيني بالألغام والطائرات المسيرة أو الصواريخ، نحن جميعاً ندفع ثمناً باهظاً لتعطيل الشحن عبر مضيق هرمز، مع ما يترتب على ذلك من عواقب تطال الاقتصاد العالمي وتقوض القانون الدولي".
وشدد قرقاش على أنه لا ينبغي لأي دولة بمفردها أن تسيطر على مضيق هرمز، فهو ممر مائي دولي ذو أهمية عالمية، وليس امتيازاً استراتيجياً تمارسه أي دولة تملك وسائل تعطيله.
وتابع قائلاً: "قلنا وسنظل نقول إن استخدام ممر مائي دولي كأداة للإكراه أمر غير مقبول، واستهداف السفن التجارية عمداً أمر غير مقبول أيضاً ويجب أن تترتب عليه عواقب"، مؤكداً أن حرية الملاحة ليست تنازلاً يُمنح، ولا مبدأً يُعاد التفاوض عليه تحت الضغط، بل هي قائمة على القانون الدولي، وعلى هذا الأساس، يجب على المجتمع الدولي أن يكون مستعداً للدفاع عنها.
وجاءت تصريحات قرقاش خلال النسخة الثالثة من "منتدى هيلي" السنوي، التي انطلقت صباح اليوم الاثنين تحت شعار "الخليج عند مفترق طرق: الصراع والتداعيات وتصحيح المسار"، بمشاركة 55 متحدثاً و1000 مشارك من 35 دولة، من بينهم نخبة من كبار المسؤولين، وصنّاع القرار، والدبلوماسيين، والخبراء، والمفكرين، والأكاديميين، وقادة الأعمال، إلى جانب ممثلين عن المنظمات الدولية، ومراكز الفكر من دولة الإمارات والمنطقة والعالم.
ونوّه الدكتور أنور بن محمد قرقاش في بداية كلمته بالصمود الذي أظهرته دولة الامارات في مواجهة تحديات غير مسبوقة خلال الأشهر الستة الماضية، مشيراً إلى أن البيان الموجز الذي كانت تصدره وزارة الدفاع كل مساء، حول ما أطلقته إيران باتجاه الدولة وما اعترضته الدفاعات الجوية، كان أحد أكثر النصوص متابعة في البلاد على مدار أسابيع من هذا العام.
كما أشار إلى أن إيران أطلقت نحو 3,300 صاروخ ومسيرّة باتجاه الدولة، الغالبية العظمى من هذه الهجمات استهدفت بنى تحتية مدنية وتم اعتراضها، واصفاً هذه التجربة بأنها قصة نجاح عسكري.
وقال قرقاش: "إن القصة الأكبر هي قصة الصمود الوطني تحت الهجوم المستمر، لقد واجهنا تحدياً غير مسبوق بثقة وعزيمة، مستندين إلى قوة قيادتنا، واحترافية مؤسساتنا، ووحدة ودعم شعبنا".
وأضاف: "طوال تلك الفترة التزمت بلادنا بالوعد الذي قطعناه دائماً لمجتمعنا ومواطنينا والمقيمين والزوار على حد سواء، بتوفير الأمن والأمان لهم، كما واصلنا مسيرة التنمية بثقة وثبات في الوقت نفسه".
ولفت إلى أن طموحات الدولة وأهدافها بقيت على مسارها، حيث قال: "في النصف الأول من هذا العام، نمت تجارتنا الخارجية غير النفطية بنسبة 13% مقارنة بالعام الماضي، ورغم تأثر بعض القطاعات، إلا أن اقتصادنا لم يتعثر بل واصل النمو، والأهم أنه توسع في القطاعات التي يعتمد عليها مستقبلنا".
وقال قرقاش: "إن هذه حرب عملنا بجد لتجنبها، وحذّرنا باستمرار من عبثية هذا المسار وعواقبه بعيدة المدى، كنا ندرك أن صراعاً بهذا الحجم سيخلّف حتماً واقعاً صعباً، وتبعات تستمر طويلاً بعد توقف القتال نفسه".
وأضاف: "من المهم أن نتذكر أن تداعيات عام 2003 وما تلاها من تعقيدات لا تزال حاضرة بقوة في ذاكرتنا الجماعية، تلك التجربة علّمتنا درساً راسخاً، أن الحروب الكبرى نادراً ما تنتهي بتوقف القتال، بل تُحدث هزات ارتدادية سياسية وأمنية واستراتيجية قد ترسم ملامح المنطقة لسنوات، بل لعقود قادمة".
وأشار إلى أنه "بعد ستة أشهر من أزمة أرى أنها ستعيد تشكيل المشهد الاستراتيجي للمنطقة وتغير سياساتها، ما برز أمامنا هو منطقة أكثر تعقيداً وأكثر غموضاً بكثير من تلك التي عرفناها من قبل".
كما لفت إلى أنه "ما زلنا في مرحلة انتقالية ومتغيرة، وسنحتاج إلى مزيد من الوقت لفهم التبعات بشكل كامل، لكن لا شك أننا نتجه نحو خليج أكثر تعقيداً ومنطقة أكثر تحدياً".
وذكر قرقاش أن "الاستقلال الاستراتيجي ليس مجرد شعار، بل هو خيار سياسي عقلاني يستند إلى ما يحققه عملياً لأمننا ومصالحنا الوطنية، وبالنسبة لنا، يعني الاستقلال الاستراتيجي القدرة على إبقاء اقتصادنا نامياً، وشعبنا آمناً، وقراراتنا مستقلة".
وقال: "عندما تعرّض الخليج للهجوم الإيراني، تغيّر الحساب الاستراتيجي لدول المنطقة بشكل مفهوم، ليس فقط في كيفية تفكيرنا في مواجهة التهديدات، بل أيضاً في تحديد الأولويات التي يجب أن تتقدم الآن، لطالما كان الأمن البحري وأمن التجارة والطاقة في صلب أجندتنا، واليوم انتقلت إلى مقدمتها، واستجابتنا للدروس المبكرة لهذه الأزمة قد بدأت بالفعل".
وأشار إلى تطوير وتعزيز قدرات الموانئ على طول ساحل الدولة الشرقي، إلى جانب خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والممرات التجارية اللازمة لربط المسارات البديلة للشحن.
وأكد أنه "لن تكون صادراتنا من الطاقة رهينة، ولن يكون نشاطنا التجاري والاقتصادي كذلك"، منوهاً أن دولة الإمارات بُنيت على الفكر الاستشرافي والتنفيذ السريع، وفي مواجهة هذه الأزمة، سيتم تطبيق النهج ذاته، استباق الاحتمالات، والتصرف بحسم، وبناء المزيد من المرونة في اقتصاد الدولة وبنيتها التحتية، والأهم "أننا لا نبدأ من الصفر"، فالكثير من هذا التخطيط كان موجوداً بالفعل، وما فعلته الأزمة هو تسريع الجداول الزمنية القائمة وتعزيز إلحاحية التنفيذ.
ولفت إلى أن التعامل مع إيران يظل قضية محورية، ليس لدولة الإمارات فحسب، بل لجميع دول الخليج، مشيراً إلى أن "إيران تبقى جارتنا، وفي مرحلة ما سيتعين علينا إيجاد طريقة لاستعادة ما يمكن استعادته".
وقال قرقاش: "إن الجغرافيا لا تترك لنا بديلاً عن الحوار، لكن يجب أن نميز بوضوح بين إعادة بناء علاقة ضرورية وعملية مع إيران، وبين إعادة بناء الثقة التي تم كسرها، الأولى ضرورية، والثانية ستكون أصعب بكثير".
وأضاف: "يجب أن نتذكر ما حدث، إيران أطلقت آلاف الصواريخ والمسيرات على دولة الإمارات ودول أخرى في الخليج والمنطقة الأوسع، وهي دول لم تهاجمها، ولم يكن هذا قراراً اتُخذ في 24 أو 48 ساعة، ولم يكن رد فعل متهوراً، بل كان حرباً متعمدة، حرب خيار شُنت ضد جيرانها في انتهاك مباشر للقانون الدولي، وكانت أيضاً، في رأيي، فشلاً ذريعاً في الاستراتيجية وفن إدارة الدولة، ففي غضون أسابيع، دمرت إيران جسوراً مع جيرانها في الخليج استغرق بناؤها عقوداً".
وذكر أنه يمكن، بل ويجب في نهاية المطاف، استعادة علاقة عملية، أما إعادة بناء الثقة فهي مسألة أخرى، مشيراً إلى أن "افتراض حسن النية الذي قام عليه الكثير من انخراط الخليج مع إيران قد تم هدمه في غضون ساعات، وقد يستغرق بناؤه من جديد سنوات طويلة، وربما عقوداً".
وأكد أنه من المهم أيضاً أن النظر نظرة نقدية إلى الاستجابات العربية والإقليمية والدولية للأزمة، لافتاً إلى أن الرد كان غير فعال ومخيباً للآمال، سواء في منع الحرب، أو حماية تدفق الطاقة والتجارة البحرية، أو احتواء أزمة بدأت بحرب غزة ثم توسعت إلى أبعد من ذلك بكثير.
وقال قرقاش: "على الصعيد الفردي، أظهرنا قوة وعزماً في الرد على الهجمات الإيرانية، لكن ما نجح بفعالية كبيرة على المستوى الوطني لم يترجم بنفس الفعالية على المستوى الإقليمي".
وأضاف: "هذا لا يعني أنه لم يكن هناك تعاون هادف بين دول الخليج ودول المنطقة، كان هناك تعاون مهم، لكنني لا أعتقد أننا ارتقينا بشكل جماعي واستراتيجي إلى حجم التهديد، بالطريقة التي فعلها الخليج عقب غزو الكويت، أو عند مواجهة اضطرابات الربيع العربي".
وأكد أنه "لسنوات طويلة اتفقنا بشكل عام على طبيعة التحدي الذي تمثله إيران، وبالتالي، لم تكن المشكلة في عدم الفهم، ما قصرنا فيه في مواجهة هذا التحدي التاريخي هو ترجمة ذلك الفهم المشترك إلى استجابة موحدة واستراتيجية بما فيه الكفاية، ومن المهم أن ندرك أن الأزمة الحالية في الخليج تتكشف على خلفية نظام دولي أوسع هو نفسه في حالة تغيّر وتحول، سياسياً واقتصادياً وتكنولوجياً".
وذكر أن هذه الأزمة كشفت عن محدودية النظام الدولي نفسه، فقد واجهت الأمم المتحدة صعوبة في لعب دور فعال، سواء في منع التصعيد أو احتواء الصراع أو حماية بعض المبادئ الأساسية التي يفترض أن يقوم عليها النظام الدولي، مشيراً إلى أهمية هذا الأمر للمنطقة، نظراً لمواجهة أزمة إقليمية عميقة، في اللحظة التي تبدو فيها الآليات الدولية المصممة لإدارة مثل هذه الأزمات عاجزة بشكل متزايد.
وقال: "وفي قلب المواجهة الحالية يكمن وضع مضيق هرمز، علينا أن نطرح أسئلة صعبة: هل يمكن لإيران أن تخرج مما كان في جوهره هزيمة عسكرية بمكسب جيو-استراتيجي واقتصادي مهم؟ ولماذا بدا المجتمع الدولي متهاوناً إلى هذا الحد في حماية حرية الملاحة وأمن الطاقة؟ وإذا سُمح بتغيير وضع مضيق هرمز عن طريق الإكراه، فما هي السابقة التي يرسيها ذلك؟".
وأكد أنه "من غير المقبول بكل تأكيد أن تصبح ناقلات النفط والسفن التجارية مهددة بشكل روتيني بالألغام والطائرات المسيرة أو الصواريخ، نحن جميعاً ندفع ثمناً باهظاً لتعطيل الشحن عبر مضيق هرمز، مع ما يترتب على ذلك من عواقب تطال الاقتصاد العالمي وتقوّض القانون الدولي".
وأشار إلى أنه "إذا كانت هذه الأزمة قد حسمت جدلاً واحداً، فهو مركزية الخليج بالنسبة للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتوازن الاستراتيجي الأوسع، كما أثبتت الأشهر الستة الماضية ذلك في كل سوق تقريباً نتابعها".
يُذكر بأن المنتدى الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، ينطلق في إطار الاهتمام المشترك بدراسة التحولات الإقليمية والدولية الكبرى، التي تعيد رسم ملامح المشهد العالمي، واستشراف الخيارات الاستراتيجية التي ستشكل مستقبل منطقة الخليج.
ويشارك في المنتدى نخبة من المتحدثين، من بينهم المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، الدكتور أنور بن محمد قرقاش، والأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم محمد البديوي، ووزير التجارة الخارجية، الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي.