عصابات تداول وهمي تتخفى وراء واجهات احترافية للاستيلاء على أموال الضحايا

حذر قانونيون ومختصون من الانسياق وراء أحلام الثراء السريع التي تروج لها منصات التداول الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، لافتين إلى أن وراءها عصابات محترفة تستدرج الضحايا عبر شعارات الرفاهية والتحرر المالي لتستولي على أموالهم.

وعزا استشاري نفسي تكرار وقوع الضحايا في شباك مواقع التداول الوهمية، على الرغم من تكرار التحذيرات، إلى ثمانية عوامل نفسية، أبرزها الطمع المشروع في تحسين الوضع المالي، والخوف من فوات الفرصة، والثقة الزائدة.

وتفصيلاً، رصدت «الإمارات اليوم» انتشار إعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي، تروج لمنصات تداول تزعم أنها تحظى بالثقة، وتصف نفسها بأنها «بوابة إلى أسواق التداول العالمية» المعترف بها دولياً.

وتدّعي الإعلانات إتاحة تداول عقود الفروق على الذهب والنفط والسلع والعملات الأجنبية والأسهم والعملات الرقمية والمؤشرات، مع وعود بتوفير إمكان الوصول إلى ملايين عمليات التداول في الوقت الفعلي عبر منصة حائزة عشرات الجوائز.

وأكد المختصون أن وعود الثراء السريع فخ وليست فرصة، داعين إلى توخي الحذر عند الاستثمار، وعدم التعامل إلا مع شركات مرخصة داخل الدولة، وشركات موثوقة، مشددين على أن «الاستثمار الحقيقي والآمن يقوم على المعرفة، والدراسة المتأنية، وإدارة المخاطر، وليس على الوعود بتحقيق الثراء السريع أو الأرباح الخيالية والمضمونة».

كما دعوا إلى التحقق من حصول الجهة أو المنصة الاستثمارية على التراخيص اللازمة وخضوعها لرقابة الجهات المختصة، وتجنب التعامل مع أي جهة غير مرخصة.

ورصدت «الإمارات اليوم» قضايا رفعها ضحايا ضد محتالين، أوهموهم بتحقيق أرباح خيالية في وقت قصير عبر التداول في الأسهم والعملات المشفرة، إلا أنهم اكتشفوا - عقب تحويل الأموال - تعرضهم لعمليات احتيال.

وأكد أحد الضحايا، «أبوسهيل»، أن امرأة تواصلت معه عبر تطبيق «واتس أب» من خارج الدولة، وزعمت له أنها تعمل ضمن مجموعة وسطاء ومسهلي استثمار، وأنهم يقدمون فرصاً مالية في مجال الاستثمار عبر المنصات الرقمية.

وأضاف أنها ادعت أن بإمكانها تحقيق أرباح تراوح بين 90 و185 دولاراً أميركياً لكل مهمة أو نشاط، ما أغراه بالدخول في الاستثمار.

وقال: «تمت إضافتي إلى مجموعة على برنامج (تيليغرام)، تضم 119 عضواً، بقيادة الرئيسة التنفيذية للمجموعة، وانخرطت في مهام عدة تتضمن تحويل مبالغ مالية مقابل تحصيل أرباح، وقد بدأت بإيداع مبالغ مالية كاستثمار لي على المنصة، وحولت المبالغ إلى حسابات عدة تلقيتها منها، حتى بلغ إجماليها 85 ألفاً و711 درهماً، ثم اتضح لي أنني وقعت ضحية لعملية احتيال».

وأشار ضحية ثانية، «أبومحمد»، إلى تحويل 200 ألف درهم إلى حساب بنكي لأحد الأشخاص بعدما أقنعه بالاستثمار وتحقيق عائد ربحي دوري، لكن الأخير تنصل منه وأخبره بأنه تمويل استثماري عالي المخاطر جرى عبر وسيط، مشيراً إلى خسارة الأموال.

وأفاد ضحية ثالثة بأن امرأة خدعته واستولت على 70 ألف درهم منه، بعدما راسلته عبر «إنستغرام» و«واتس أب»، وأوهمته بأنها ستستثمر له المبلغ في التداول عبر منصات إلكترونية.

وقال الاستشاري النفسي، الدكتور مدحت الصباحي، إن الوقوع في شباك عصابات التداول والاستثمار الرقمي الوهمي لا يرتبط بالسذاجة أو ضعف الوعي بقدر ما يرتبط باستغلال هذه العصابات آليات نفسية معروفة تؤثر في معظم البشر، خصوصاً عندما تُستخدم بأساليب احترافية ومدروسة، ويقف وراء ذلك ثمانية أسباب تشمل: الطمع المشروع والرغبة في تحسين الوضع المالي، والخوف من فوات الفرصة، والثقة الزائدة، وتأثير المصداقية، والدليل الاجتماعي، والالتزام والتدرج، والتفاؤل المفرط، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والنفسية.

وأوضح أن كثيراً من الضحايا لا يسعون إلى الثراء السريع، وإنما يبحثون عن فرصة لتحسين أوضاعهم المالية أو تعويض خسائر سابقة، وهو ما يدفع المحتالين إلى استغلال هذا الدافع عبر تقديم وعود بعوائد مرتفعة مع مخاطر منخفضة، كما أن الخوف من فوات الفرصة، والتحيز لتصديق المعلومات التي تدعم الطموحات المالية، والثقة الزائدة في القدرة على اكتشاف الاحتيال، كلها عوامل تُضعف التفكير النقدي، وتزيد من قابلية الشخص للوقوع ضحية لعمليات الاحتيال.

وأشار إلى أن المحتالين يعززون مصداقيتهم باستخدام مواقع إلكترونية احترافية، وشهادات مزيفة، وأسماء خبراء، إضافة إلى نشر تعليقات وقصص نجاح وهمية لإيهام الضحايا بأن الاستثمار آمن وموثوق، كما يعتمدون على أسلوب التدرج، من خلال تشجيع الضحية على استثمار مبالغ صغيرة تحقق أرباحاً ظاهرية، قبل دفعه إلى ضخ مبالغ أكبر وصدمة أنه تعرض لخسارة، للاستفادة من رغبة الضحية في استرداد خسائره.

ولفت إلى أن بناء علاقات شخصية، وممارسة الضغط الزمني، واستغلال التفاؤل المفرط والضغوط الاقتصادية والنفسية، تمثل جميعها أدوات نفسية فعالة تستخدمها هذه العصابات لدفع الضحايا إلى اتخاذ قرارات مالية متسرعة دون التحقق الكافي أو استشارة المختصين.

وكشف خبير الأمن السيبراني، عبدالنور سامي، أن الأساليب التقنية التي تستخدمها منصات التداول الوهمية لخداع الضحايا وإقناعهم بمصداقيتها تقوم على الدعاية والإعلان بميزانيات هائلة، ليصلوا إلى الأشخاص المعنيين والمهتمين بالاستثمار أو العاطلين الذين يبحثون عن طرق للحصول على الأموال، إضافة إلى إعداد فيديوهات دعائية، والاستفادة من عمليات التزييف العميق في التلاعب بأصوات أشخاص معروفين، لهم سمعة جيدة في مجالهم، ليظن الناس أن الفيديو صدر عنهم فعلاً.

وقال: «تعمل هذه المنصات على إعداد مواقع إلكترونية وتطبيقات بشكل جذاب، وواجهات مستخدم غنية تضفي طابع الشرعية، في حين أنها مجرد أزرار وأرقام غير مبنية على أي أصول أو وقائع، إضافة إلى استخدام روبوتات الدردشة التي تتجاوب مع الأشخاص على مدار الساعة، ويعمل المحتالون في كثير من هذه الجهات الوهمية، بإطار منظم، حيث يتم توزيع المهام بأدوات تستخدم عادة في التسويق، سواء الهاتفي أو تطبيقات التواصل الاجتماعي».

وأشار إلى صعوبة إغلاق هذه المواقع، خصوصاً إذا كانت شركة مرخصة ونظامية وتحتال بطرق ملتوية، وتتعمد الاحتيال على من يقيمون خارج الدولة الموجودين فيها، حيث يتطلب إغلاقها تنسيقاً دولياً، إضافة إلى وجود تحديات في عمليات تتبع الأموال المحولة رقمياً، خصوصاً مع انتقال الحوالة من مكان إلى آخر، وهذه العصابات تدرك هذا جيداً، كما أن المحافظ الرقمية، يصعب تتبعها.

من جانبه، أكد المحامي سالم عبيد النقبي، أن الجهات أو الأفراد الذين يروجون لمنصات تداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي يترتب عليهم مسؤولية مدنية وجنائية متى ثبت علمهم بعدم مشروعية هذه المنصات، أو اشتراكهم في جذب الضحايا إليها. وقد تشمل المسؤولية اعتبارهم شركاء أو مساهمين في جريمة الاحتيال الإلكتروني، وإلزامهم بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالمتضررين، ومساءلتهم عن نشر بيانات أو إعلانات مضللة، إضافة إلى تعرضهم للعقوبات المقررة بموجب قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية وقوانين حماية المستهلك والإعلانات التجارية، مشيراً إلى أنه في حال ثبوت قيامهم بالترويج بحسن نية ودون علم بالطبيعة الاحتيالية للمنصة، فإن تقدير المسؤولية يخضع لظروف كل حالة وما يتوافر فيها من أدلة.

وقال النقبي: «يحق للمتضررين المطالبة بالتعويض عن الخسائر المالية المباشرة، والأرباح التي فاتتهم نتيجة الحرمان من أموالهم، والمصروفات التي تكبدوها في سبيل ملاحقة الجناة، والأضرار الأدبية والنفسية كالقلق والضغوط النفسية وفقدان الشعور بالأمان. ويخضع تقدير قيمة التعويض لسلطة المحكمة بناء على حجم الضرر والأدلة المقدمة مع إمكانية الجمع بين الدعوى الجزائية والمطالبة المدنية بالتعويض».

وأيده في الرأي، المحامي سالم سعيد الحيقي، مؤكداً أن المسؤولية القانونية تمتد إلى كل شخص أو جهة تروج لمنصات تداول غير مرخصة متى ثبت علمهم بطبيعة النشاط غير المشروع، أو علمهم بعدم مشروعيتها، أو تقصيره في التحقق من وضعها القانوني.

وموجب المادة (48) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية: يُعاقب بالحبس والغرامة التي لا تقل عن 20 ألف درهم ولا تزيد على 500 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من ارتكب عن طريق الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات أو موقع إلكتروني، الترويج لسلعة أو خدمة عن طريق إعلان مضلل أو أسلوب يتضمن بيانات غير صحيحة، أو الإعلان، أو الترويج، أو التوسط أو التعامل بأي صورة أو التشجيع على التعامل على عملة افتراضية أو عملة رقمية أو وحدة قيمة مخزنة أو أي وحدة مدفوعات غير معترف بها رسمياً في الدولة أو دون الحصول على ترخيص من الجهة المختصة. وقد يقترن الفعل بجرائم يُعاقب عليها في قوانين أخرى.

صفقات قوية

حذّرت دائرة القضاء في أبوظبي من الاشتراك في المجموعات الاستثمارية الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وشبكة الإنترنت، التي تشجع على التسجيل والحصول على مكافأة تصل إلى 100 دولار، لتبدأ بعدها في استدراج الضحايا إلى عمليات تداول بسيطة وتحقيق بعض الأرباح، لزيادة ثقتهم، ثم تشجعهم على الدخول في ما تدعي بأنه صفقات قوية، وتستولي على أرصدتهم، بل قد يفاجأ بعضهم بأنهم أصبحوا مدينين أيضاً.

وأشارت الدائرة في منشورات توعوية على حساباتها الرسمية، إلى أن «تكنيك» الاحتيال على الأشخاص عبر المجموعات الاستثمارية الوهمية في الأسهم والعملات المشفرة، يتضمن خطوات محددة، ومتكررة، يتبعها المحتالون لاستدراج ضحاياهم والاستيلاء على أموالهم.

وعزت وقوع المستثمرين في شباك الاحتيال إلى ثلاثة أمور: الرغبة في الثراء السريع، والانسياق وراء الوعود بأرباح خيالية، وقلة الوعي بأهمية البحث والتحري قبل الدخول في أي استثمارات عبر الإنترنت.

إجراءات وقائية

بيّنت دائرة القضاء في أبوظبي أن الأضرار المباشرة التي تلحق بضحية الاحتيال، تشمل: صعوبة ملاحقة الجناة قضائياً، خسارة الأموال والدخول في ضائقة مالية، وأن تكون الأرباح المُودعة محولة من قبل ضحايا آخرين، ما يُعرِّض المستثمر المخدوع للمساءلة القانونية، وتعرّض الضحايا للمساءلة القانونية عن مصادر الأموال، مشددة على أن مسؤولية الوقاية من عمليات الاحتيال تقع على عاتق المستثمرين أنفسهم، عبر اتخاذ إجراءات وقائية تشمل: الحذر من الانسياق وراء الوعود بأرباح خيالية، والابتعاد عن المعاملات المشكوك فيها، وإجراء بحث دقيق قبل الشروع في أي استثمار، والتحقق من حصول الشركات على التراخيص اللازمة من الجهات المختصة، والتعامل مع الفرص الاستثمارية التي تتوافر عنها معلومات موثوقة ودقيقة وشفافة بخصوص آلية استخدام الأموال والعوائد المتوقعة.

الأكثر مشاركة