متقاعدون يعيدون اكتشاف قدراتهم ويطلقون مسارات جديدة للعطاء

تجارب مختلفة تروي قصصاً حية عن إطلاق مشاريع حياتية ومجتمعية في مرحلة ما بعد التقاعد.. جميعها رفض أصحابها التعامل مع هذا القرار باعتباره نهاية للدور المهني والمجتمعي، الذي استنفدت سنواته، فبحث كل منهم عن مساحة جديدة للعطاء والإنتاج.

ومن هؤلاء خميس الكندي الذي لم يتوقف عن خدمة مجتمعه بعد خروجه من السلك الشرطي، بل أعاد تقديم نفسه إعلامياً من خلال حساب أصبح من أبرز النوافذ المجتمعية في الفجيرة، ومعلمة اللغة العربية عائشة الحمادي التي حولت خبرتها التربوية إلى دروس لتعليم الأطفال القراءة، ولبنى عبدالله التي اكتشفت شغفها بالرسم بعد 23 عاماً من العمل الحكومي.

وأكد مختصان أن الانتقال الناجح إلى مرحلة التقاعد لا يبدأ في آخر يوم من الخدمة، بل يتطلب استعداداً مبكراً وفهماً لما يعرف بـ«سيكولوجية التقاعد»، إلى جانب وضع خطط مالية واجتماعية تساعد المتقاعد على بناء دور جديد يستثمر من خلاله خبراته وقدراته.

وتفصيلاً، نجح المواطن خميس خلفان الكندي، من إمارة الفجيرة، في تغيير مسار حياته بعد التقاعد، إذ انتقل من العمل في السلك الشرطي إلى الإعلام المجتمعي، محولاً سنوات خبرته وقربه من الناس إلى حضور إعلامي يواكب تفاصيل الحياة اليومية في الإمارة.

وأسس الكندي، في أواخر عام 2018، حساب «الفجيرة مباشر»، الذي انطلق بجهد شخصي، قبل أن يتوسع تدريجياً ويتحول إلى نافذة محلية يتابع من خلالها أفراد المجتمع أخبار الإمارة وفعالياتها ومناسباتها.

ولم يجعل الكندي من الحساب منصة لنقل الأخبار فقط، بل مساحة قريبة من الناس، يشاركهم أفراحهم ومناسباتهم، ويعرّف بقصصهم ومبادراتهم، ويسلط الضوء على الفعاليات الإنسانية والمجتمعية والرياضية والثقافية في مختلف مناطق الإمارة.

كما أسهم «الفجيرة مباشر» في إبراز جهود الجهات الحكومية والخاصة، ونقل مبادراتها وخدماتها وإنجازاتها إلى الجمهور حتى أصبح من أبرز الحسابات التي يتابعها المجتمع المحلي، وحلقة وصل تعكس حركة الإمارة وما تشهده من فعاليات وأعمال ميدانية.

وبالإصرار والاستمرار، استطاع الكندي أن ينحت اسمه في المشهد الإعلامي المحلي، وينتقل من متقاعد أنهى سنوات خدمته في السلك الشرطي إلى إعلامي مجتمعي بارز في المنطقة، مقدماً نموذجاً لقدرة المتقاعد على بناء مسار مهني جديد، ومواصلة خدمة الناس بصورة مختلفة.

ومن فصل اللغة العربية إلى مجموعات تعليم الأطفال القراءة، واصلت المعلمة المتقاعدة عائشة الحمادي رسالتها التربوية بعد انتهاء خدمتها، محولة خبرتها الطويلة في التعليم إلى عمل جديد يعالج ضعف الطلبة، ويساعدهم على تطوير مهاراتهم اللغوية.

وقالت الحمادي إن تقديم الدروس الخاصة لم يكن ضمن خططها عند التقاعد، إلا أن الفكرة بدأت بصورة عفوية عندما لاحظت ضعف عدد من أبناء العائلة في اللغة العربية وبعض المواد الدراسية، بحكم دراستهم في مدارس خاصة.

وأضافت أنها تطوعت لتدريسهم خلال إجازات نهاية الأسبوع، مستفيدة من خبرتها في تبسيط المعلومات والتعامل مع مستويات الطلبة المختلفة، قبل أن تلاحظ تحسناً في مستواهم وإقبالاً من أطفال آخرين على الانضمام إلى الدروس.

وأوضحت أن التجربة بدأت ضمن نطاق عائلي محدود، لكنها توسعت مع زيادة أعداد الطلبة الراغبين في الاستفادة منها، ما دفعها إلى تنظيم مواعيد التدريس وفق آلية محددة، وتخصيص مكان مناسب لاستقبالهم ومتابعة احتياجاتهم التعليمية.

وأشارت إلى أنها واجهت فراغاً كبيراً خلال الفترة الأولى من تقاعدها، ولم تستطع الاعتياد على الجلوس من دون عمل أو إنتاج، بعد سنوات من الحضور اليومي في المدرسة والتفاعل المستمر مع الطلبة.

وأكدت أن الدروس الخاصة لم تكن بالنسبة إليها مجرد وسيلة لشغل وقت الفراغ، بل امتداد لمسيرتها التعليمية، إذ أتاحت لها مواصلة رسالتها بعد التقاعد.

أما لبنى عبدالله، فوجدت في التقاعد فرصة لاكتشاف اهتمامات لم تتح لها ضغوط العمل ممارستها بعد تقاعدها في عام 2020 إثر 23 عاماً في العمل لدى جهة حكومية.

وبدأت لبنى بعد التقاعد البحث عن اهتمامات جديدة، فالتحقت بورش لتعلم الرسم، ولاتزال تمارس هذه الهواية، موضحة أن التجربة لم تسهم في تطوير قدراتها الفنية فحسب، بل أتاحت لها أيضاً بناء علاقات اجتماعية جديدة.

كما التحقت بحلقة لتحفيظ القرآن الكريم، وتمكنت من حفظ ستة أجزاء، فيما تواصل تسعى إلى استكمال الحفظ.

واقترحت توفير فرص عمل مرنة للمتقاعدين، تشمل الوظائف الجزئية والعمل عن بُعد، من خلال منصات رسمية تشرف عليها الجهات المعنية، بما يتيح لهم استثمار خبراتهم، ويدعم استقرارهم المالي، ويحميهم من الوقوع ضحايا للإعلانات الوهمية المتعلقة بالوظائف. وعلى الرغم من أن سعيد إسماعيل لم يصل بعد إلى التقاعد، فإنه بدأ الاستعداد لهذه المرحلة قبل نحو عامين، بعدما أدرك أن ضمان الانتقال الآمن من الراتب الوظيفي إلى المعاش التقاعدي يحتاج إلى خطة طويلة المدى لا إلى قرارات تُتخذ في السنوات الأخيرة من الخدمة.

وقال إسماعيل (39 عاماً)، الذي أمضى 14 عاماً في وظيفة ميدانية، إنه يعمل على تنويع مصادر دخله حتى تكون مرحلة التقاعد مستقبلاً سهلة ومستقرة، ولا ينعكس تغير الدخل على احتياجات أسرته والتزاماتها الأساسية.

وأوضح أن الدافع الأكبر وراء تخطيطه المبكر يتمثل في ضمان توفير احتياجات طفليه، من أصحاب الهمم، خصوصاً الجلسات العلاجية والتقييمات المستمرة المرتبطة بحالتيهما.

من جانبه، أكد أستاذ علم الاجتماع الدكتور أحمد العموش أهمية فهم ما يُعرف بـ«سيكولوجية التقاعد» أو علم نفس التقاعد، التي تقوم على استيعاب طبيعة مرحلة ما بعد العمل، والاستعداد لما يصاحبها من تغيرات نفسية واجتماعية وصحية.

وأوضح أن الموظف يحتاج إلى إدراك أن مسيرته المهنية، مهما امتدت، ستصل في مرحلة ما إلى نهايتها، ومن ثم يتعين عليه وضع تصور واضح لحياته بعد الخروج من العمل.

وأشار إلى أن بعض الأشخاص يخططون لمستقبلهم منذ بداية حياتهم المهنية، ويحددون المدة المتوقعة لعملهم بـ20 أو 25 عاماً، وفق طبيعة جهة العمل ونظام التقاعد، بالتزامن مع تكوين مدخرات ووضع خطط للسفر أو تغيير مكان السكن أو ممارسة أنشطة جديدة.

وأضاف أن تعلق بعض الموظفين بالعمل يستمر حتى آخر يوم في الخدمة، وعندما يغادرونه بصورة مفاجئة قد يتعرضون لصدمة نفسية، نتيجة فقدان الروتين اليومي والدور المهني والعلاقات المرتبطة ببيئة العمل.

وأشار إلى أن عدم الاستعداد لهذه المرحلة قد يؤثر في حياة المتقاعد وصحته، ويزيد الضغوط النفسية لدى المصابين بأمراض مزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، خصوصاً عند غياب خطة واضحة تملأ الفراغ الذي تتركه الوظيفة.

وأوضح أن المحيط الاجتماعي قد يسهم أحياناً في تعزيز شعور المتقاعد بفقدان قيمته، عندما ينظر إليه على أنه لم يعد يؤدي دوراً بعد خروجه من العمل، فيما يربط بعض الأشخاص تقديرهم لذواتهم بالوظيفة أو المنصب الذي كانوا يشغلونه.

وأكد العموش أن قيمة الإنسان لا تنتهي بانتهاء وظيفته، وأن التقدير الذاتي يجب ألا يكون مرتبطاً بالمسمى المهني وحده، مشيراً إلى أهمية الدعم الذي تقدمه الأسرة والأصدقاء والجيران وجهة العمل في مساعدة المتقاعد على التكيف مع نمط حياته الجديد.

بدورها، قالت المحاضرة والمدربة الدولية في القيادة والتوعية المجتمعية عائشة الكندي إن الاستعداد للتقاعد يجب أن يبدأ خلال سنوات العمل من خلال بناء تصور متكامل للحياة المستقبلية، يشمل الجوانب الشخصية والاجتماعية والمالية، وتحديد الأنشطة أو المجالات التي يمكن للموظف الانتقال إليها بعد انتهاء خدمته.

ودعت إلى تنظيم ورش للموظفين أثناء الخدمة، لتعريفهم بطبيعة مرحلة التقاعد ومتطلباتها، وإعدادهم للانتقال إليها تدريجياً، لافتة إلى أن كثيراً من الأشخاص لا يبدأون التفكير في حياتهم بعد الوظيفة إلا عند اقتراب موعد التقاعد.

وأكدت أن فهم مرحلة ما بعد العمل لا يقل أهمية عن معرفة متطلبات الوظيفة نفسها، إذ يحتاج الموظف إلى الاستعداد النفسي والاجتماعي، وتحديد اهتماماته المستقبلية، وبناء شبكة من العلاقات والأنشطة التي لا تعتمد بصورة كاملة على بيئة العمل.

وحذرت الكندي من إغفال الجانب المالي، إذ ينتقل كثير من الموظفين من راتب وظيفي مرتفع إلى معاش تقاعدي أقل دون تعديل نمط إنفاقهم أو الاستعداد لهذا التغير، ما قد ينعكس على التزاماتهم الأسرية واستقرارهم النفسي.

ودعت الموظفين إلى وضع خطة زمنية ومستقبلية ومالية قبل انتهاء الخدمة بوقت كافٍ، تشمل إدارة المصروفات وتكوين المدخرات، إلى جانب تحديد الأنشطة أو الأعمال التي يرغبون في ممارستها، بما يضمن انتقالاً أكثر استقراراً إلى مرحلة التقاعد.

وأكدت أهمية انخراط المتقاعدين في العمل التطوعي والمبادرات المجتمعية، لما لذلك من أثر إيجابي في الحفاظ على صحتهم النفسية، وتعزيز شعورهم بالإنجاز والانتماء والقدرة على التأثير.

وأشارت إلى أن المؤسسات الخاصة والمستشفيات والجهات المجتمعية تستطيع الاستفادة من خبرات المتقاعدين، كل وفق تخصصه واهتماماته، مؤكدة أن العمل التطوعي يساعدهم على بناء روتين جديد، وتكوين علاقات اجتماعية متجددة، ومواصلة أداء دور فاعل في المجتمع.

الأكثر مشاركة