مطالب بحظر استخدام «السوشيال ميديا» للأطفال القصّر
طالب برلمانيون ومختصون بدراسة حظر أو تقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال، لافتين إلى تجارب دول عدة اتجهت إلى فرض قيود عمرية لحمايتهم، مؤكدين أهمية الاستفادة من البنية الرقمية المتطورة في الدولة لتطبيق آليات دفاعية للتحقق بدقة من الأعمار عبر الهوية الرقمية، وإلزام المنصات بحمايتهم، ومنع استخدام خوارزميات التوصية لاستهدافهم، وفرض عقوبات مالية رادعة على المنصات المتقاعسة.
وقالوا لـ«الإمارات اليوم» إن الأطفال يواجهون 10 مخاطر أمنية وصحية ونفسية عبر تلك المنصات، تشمل: التنمر الإلكتروني، والاستدراج والابتزاز الرقمي، وسرقة البيانات، والإدمان الرقمي، والقلق والاكتئاب واضطرابات النوم، وضعف التركيز والتحصيل الدراسي، والعزلة الاجتماعية، والتأثر بالمؤثرين، والمقارنات التي تؤثر في تقدير الذات والثقة بالنفس، والتعرض لمحتوى غير مناسب لأعمارهم.
وكشف استطلاع، أجرته «الإمارات اليوم» عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، بمشاركة 3763 شخصاً، تأييداً واسعاً لتقييد أو حظر امتلاك القاصرين حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أيد 2975 مشاركاً بنسبة 79.1% الحظر أو التقييد، فيما رأى 631 مشاركاً بنسبة 16.7% ضرورة السماح بالحسابات تحت إشراف الوالدين، مقابل 157 مشاركاً فقط بنسبة 4.2%، فضلوا عدم فرض أي قيود أو حظر لحسابات الأطفال، وسجل استطلاع «واتس أب» - الذي استمر لمدة 24 ساعة تحت عنوان «في ظل تزايد المخاطر الرقمية على الأطفال.. هل تؤيد حظر أو تقييد امتلاك القاصرين لحسابات على منصات التواصل الاجتماعي؟» - النسبة الكبرى من المشاركات، حيث شارك 3669 شخصاً، تفصلت آراؤهم بين 2900 شخص اختاروا «نعم» بنسبة 79.04%، و623 شخصاً اختاروا «نعم، لكن مع السماح بالحسابات الخاضعة لإشراف الوالدين» بنسبة 16.98%، في حين لم يتجاوز عدد من اختاروا «لا» 146 شخصاً بنسبة 3.98%، وفي المقابل، حظي الاستطلاع عبر منصة «إنستغرام» بمشاركة 94 شخصاً، حيث صوّت 75 مشاركاً لمصلحة خيار «نعم» بنسبة 79.8%، وصوّت ثمانية مشاركين لمصلحة خيار «نعم، مع السماح بالحسابات الخاضعة لإشراف الوالدين» بنسبة 8.5%، بينما اختار 11 مشاركاً خيار «لا» بنسبة بلغت 11.7%.
بدائل آمنة
وتفصيلاً، أكدت عضو المجلس الوطني الاتحادي، منى راشد طحنون، أنه في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، أصبح من الضروري إعادة النظر في العلاقة بين الأطفال ووسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً مع تزايد تأثيرها السلبي فيهم.
وقالت: «أرى أن الوقت الحالي أصبح مناسباً لفتح نقاش عام جاد، حول وضع ضوابط وتشريعات تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه المنصات، بما يحقق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية الأطفال من مخاطرها».
وأوضحت أن الهدف لا يتمثل في عزل الأطفال عن التكنولوجيا أو منعهم من الاستفادة من أدوات العصر الرقمي، وإنما في إيجاد إطار تنظيمي يضمن الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه المنصات، ويحمي الأطفال من المحتوى غير المناسب والتنمر الإلكتروني والاستغلال الرقمي والإدمان الذي قد يؤثر في نموهم النفسي والاجتماعي والتحصيلي.
وأشارت إلى أن مقترح تحديد سن أدنى لامتلاك الحسابات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك سن 16 عاماً الذي بدأت بعض الدول في اعتماده أو دراسته، يعد فكرة تستحق النقاش والبحث، مع ضرورة مراعاة خصوصية المجتمع الإماراتي واحتياجات الأطفال في مختلف المراحل العمرية، مشيرة إلى أن الأهم من تحديد السن بحد ذاته هو وجود آليات فعالة للتحقق من الأعمار وتوفير مستويات حماية تتناسب مع كل فئة عمرية.
وأكدت أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية مسؤولية مشتركة، على الأسرة وشركات ومنصات التواصل الاجتماعي، من خلال إلزامها بتطبيق إجراءات أكثر دقة للتحقق من أعمار المستخدمين، وتوفير بيئات رقمية آمنة للأطفال، وتعزيز أدوات الرقابة الأبوية والضوابط الوقائية.
وأشارت إلى أنها ستدرس التقدم بطلب سؤال برلماني لمناقشة قضية استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي، وبحث جدوى وضع ضوابط أو تحديد سن أدنى لامتلاك الحسابات، بما يحقق التوازن بين حماية النشء والاستفادة من الفرص التي توفرها التكنولوجيا الحديثة، انسجاماً مع نهج دولة الإمارات في بناء مجتمع آمن ومتماسك ومواكب لمتطلبات المستقبل.
تشريعات حديثة
وأكدت عضو المجلس الوطني الاتحادي، الدكتورة موزة محمد الشحي، أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية لم تعد خياراً، بل ضرورة وطنية تفرضها التحولات الرقمية المتسارعة، مشددة على أهمية إيجاد توازن مدروس بين تمكين الأطفال من الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة وحمايتهم من المخاطر المرتبطة بها، من خلال تشريعات حديثة وأدوات حماية فعالة وشراكة متكاملة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والمنصات الرقمية.
وقالت إن هناك تزايداً ملحوظاً في الملاحظات والمطالبات المجتمعية الواردة من أولياء الأمور والتربويين والمختصين بشأن التأثيرات السلبية لبعض استخدامات وسائل التواصل الاجتماعي في الأطفال، بما في ذلك التعرض للمحتوى غير المناسب، والتنمر الإلكتروني، وانتهاك الخصوصية، والإفراط في الاستخدام الذي قد ينعكس على التحصيل الدراسي والصحة النفسية والعلاقات الأسرية.
وأضافت أن التجارب الدولية التي اتجهت إلى فرض قيود عمرية أو حظر امتلاك الحسابات للأطفال تستحق الدراسة والاستفادة من نتائجها، خصوصاً في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها الأطفال في الفضاء الرقمي. وأوضحت أن حماية الطفل تمثل أولوية وطنية، مشيرة إلى أنه قد يكون من المناسب دراسة وضع ضوابط عمرية أكثر صرامة أو اشتراط موافقة ورقابة الوالدين للفئات العمرية الأصغر، إلى جانب تقييم جدوى تحديد سن أدنى موحد لامتلاك الحسابات، بما يحقق الحماية الفعالة دون حرمان الأطفال فرص التعلم والاستفادة من التقنيات الحديثة. ودعت أولياء الأمور إلى تعزيز الحوار مع أبنائهم ومتابعة استخدامهم للتقنيات الحديثة وتنمية وعيهم بالمخاطر الرقمية.
تحديات
وأكدت مؤسِّسة ورئيسة جمعية «المرأة سند للوطن» عضو مجلس أمناء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، الدكتورة أمينة الماجد، أن الاستخدام المبكر وغير المنضبط لوسائل التواصل بات يشكل أحد أبرز التحديات التربوية والاجتماعية التي تواجه الأسر، إذ إن بعض الأطفال أصبحوا أكثر ارتباطاً بالشاشات من ارتباطهم بالحوار الأسري، ما انعكس على جودة التواصل داخل الأسرة وأضعف مساحة التفاعل الوجداني بين أفرادها. وأعربت عن تأييدها لحظر امتلاك حسابات عبر منصات التواصل للأطفال القصر أو فرض قيود على امتلاك الحسابات في الأعمار الصغير، مؤكدة أن المجتمع الإماراتي مجتمع حريص على الأسرة والطفولة. واقترحت بدائل جاذبة للأطفال، تشمل «إلحاقهم بالأندية الرياضية والثقافية، وإشراكهم في برامج التطوع والأنشطة المجتمعية، والقراءة التفاعلية والمكتبات الذكية.
استغلال واضطرابات نفسية
وأكد الخبير في الأمن السيبراني، المهندس أحمد الزرعوني، أن الأطفال يُعدّون من أكثر الفئات عرضة للمخاطر الرقمية، مشيراً إلى أن هذه المخاطر لا تقتصر على التنمر الإلكتروني والإدمان الرقمي والتعرض للمحتوى غير الملائم، بل تمتد إلى الاحتيال الإلكتروني وسرقة البيانات والاستغلال لافتقادهم الوعي بأساليب الهندسة الاجتماعية. وقال إن تقييد وصول الأطفال يمثل خطوة وقائية مهمة لحمايتهم رقمياً ونفسياً، لافتاً إلى أن دولة الإمارات تمتلك بنية تحتية رقمية ومتقدمة تؤهلها لتطبيق نماذج توثيق صارمة ومتطورة تتفوق على العديد من التجارب العالمية، موضحاً أنه يمكن الاستفادة من منظومة الهوية الرقمية الوطنية للتحقق من العمر بدقة، مع الحفاظ على خصوصية المستخدمين، وعدم مشاركة بياناتهم التفصيلية.
وأكدت الأخصائية النفسية، حصة الرئيس، أن الأطفال قد يتعرضون لمخاطر عند استخدام المنصات دون رقابة، تشمل المحتوى غير المناسب للعمر، والتنمر الإلكتروني، والاستغلال أو الابتزاز الرقمي، فضلاً عن تكوين صورة غير واقعية عن الذات والحياة نتيجة المقارنات المستمرة، إلى جانب التأثيرات السلبية في التحصيل الدراسي والنوم والعلاقات الاجتماعية.
وأوضحت أن الدراسات النفسية أظهرت أن الاستخدام المبكر من الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي غير المنضبط أسهم في مشكلات نفسية وسلوكية عدة، شملت «زيادة مستويات» القلق والتوتر، وانخفاض تقدير الذات، واضطرابات النوم، وتراجع التركيز والانتباه، والتأثيرات الناتجة عن التنمر الإلكتروني التي تؤدي لمشاعر الحزن والانسحاب والعزلة الاجتماعية وأعراض الاكتئاب لدى الأطفال. وقالت إن الطفل في المراحل العمرية المبكرة يكون أكثر عرضة للتأثر بالمقارنات الاجتماعية والمحتوى غير المناسب، مؤكدة أن الإشراف الأسري يمثل خط الدفاع الأول في حماية الأطفال من المخاطر الرقمية.
خطوات تشريعية استباقية لحماية الأطفال «رقمياً» في الإمارات
أكّد المحامي الدكتور عبدالله آل ناصر أن دولة الإمارات اتخذت خطوات تشريعية متقدمة واستباقية لحماية الأطفال في البيئة الرقمية، من خلال إصدار القانون الاتحادي رقم 26 لسنة 2025 بشأن السلامة الرقمية للطفل، الذي دخل حيز التنفيذ مطلع العام الجاري، ويهدف إلى تعزيز السلامة الرقمية للأطفال والمحتوى الضار والممارسات المؤثرة سلباً في صحتهم الجسدية والنفسية والأخلاقية، وضمان حق الأطفال في الحصول على محتوى رقمي مناسب وآمن، وتشجيع الاستخدام المسؤول.
وقال إن القانون فرض التزامات واضحة على المنصات الرقمية، من بينها اعتماد آليات ومعايير وإجراءات فعّالة ومعقولة للتحقق من العمر، كما حظر القانون على المنصات الرقمية جمع أو معالجة أو مشاركة البيانات الشخصية للأطفال دون سن الـ13 إلا وفق ضوابط صارمة.
وأوضح أن القانون الحالي وضع أساساً تشريعياً متيناً، من خلال إلزام المنصات بالتحقق من العمر، وفرض الضوابط العمرية المناسبة، إلا أن التطور المتسارع للفضاء الرقمي قد يستدعي مستقبلاً دراسة تدابير تنظيمية إضافية أكثر تشدداً تجاه الفئات العمرية الصغيرة، بما يحقق التوازن بين حق الطفل في الاستفادة من التكنولوجيا وحقه في الحماية من المخاطر الرقمية.