«المعاملات المدنية الجديد».. قانون يعالج الازدواجية التشريعية ويرسخ حماية المتعاملين

أكد المستشار القانوني والمحامي، سالم سعيد الحيقي، أن قانون المعاملات المدنية رقم 25 لسنة 2025 - الذي بدأ سريانه اعتباراً من الأول من يونيو الجاري، بعد أكثر من أربعة عقود من تطبيق الإطار التشريعي السابق، الذي صدر في عام 1985 - يعالج الازدواجية القانونية ويوفر حماية أكبر للمتعاملين ويعزز استقرار المعاملات.

وقال الحيقي لـ«الإمارات اليوم» إن القانون الجديد يعزز ثمانية محاور تشريعية، تشمل: توحيد المرجعيات القانونية، وتطوير الأهلية وحماية الإرادة، وتحديث الأحكام التعاقدية، وحماية الملكية والحقوق العينية، وتطوير أحكام البيع والمعاملات العقارية، وتحديث الإطار القانوني للشركات، وتطوير عقود المقاولة والتوازن العقدي، إضافة إلى تحديث أحكام التأمين والكفالة.

وأضاف: «جاء هذا التحديث متسقاً مع التطور التشريعي في مضمونه العملي بعد تعدّد الأحكام ومسارات التطبيق في القانون السابق، ليحولها إلى مرجعية معاد تنظيمها في القانون الجديد، وليشكل مرحلة تشريعية جديدة في تنظيم العلاقات المدنية مع الإبقاء على الهيكل العام والتنظيم للقانون المدني في تقسيماته ومبادئه الأساسية، إلا أنه أعاد صياغة عدد من القواعد التي كانت قد استقرت في ظل القانون السابق وعالجها القانون الجديد تشريعياً، ووازن بين النص القانوني والتفسير القضائي».

التحول التشريعي

وأوضح أن القانون الجديد هو خطوة تشريعية ونقلة نوعية ضمن مسار مستمر لتحديث وتطوير التشريعات القانونية في نهج عملي يقوم على رؤية عصرية متوازنة تهدف لتطوير وتنظيم الأسس العامة للحقوق والالتزامات ووضوح القواعد القانونية، والتركز على تبسيط وتوحيد المرجعيات، وإزالة الازدواجية مع القوانين الخاصة، لتعزيز كفاءة التطبيق والآليات الإجرائية، ويسهم في بناء منظومة تشريعية أكثر انسجاماً مع سهولة تطبيقها لترسيخ منظومة قانونية متكاملة.

تحديث شامل

وأشار إلى أن القانون الجديد تناول طيفاً واسعاً من المسائل القانونية، ومنها الالتزامات التعاقدية، والحقوق العينية والأهلية القانونية والمسؤولية والتعويض والمسائل المرتبطة بالتركات، وتنظيم الأشخاص الاعتبارية، وسن الأهلية، واحتساب المواعيد الزمنية، ودور الشكلية والتسجيل في ترتيب الأثر القانوني، على نحو يؤثر مباشرة في توقيت نشوء الحقوق، وحدود الالتزامات، وطريقة بناء الخصومة القانونية، مع مراعاة اختصاصات السلطات المحلية في ما يتعلق بتنظيم بعض المسائل وإصدار التراخيص والإشراف على الأنشطة المرتبطة بأحكام القانون المدني، والتشريعات المحلية ذات الاختصاص التي تنظم موضوعات محددة، حيث أكد القانون سريان تلك التشريعات ضمن نطاق الاختصاص المحلي لكل إمارة، بما يضمن احترام سلطاتها التنظيمية، مع الحفاظ على وحدة الإطار التشريعي الاتحادي وعدم الإخلال بتماسكه، وضمان انسجام الأدوار بين المستويين الاتحادي والمحلي.

ولفت إلى أنه قد تم تنقيح مواد القانون لضمان عدم الازدواجية مع التشريعات الأخرى، حيث حذفت الأحكام المتعلقة بإثبات الحق لورود تنظيم مستقل لها في قانون الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية، وتم إلغاء الأحكام المتعلقة بالحجر على المدين المفلس لصدور المرسوم بقانون اتحادي بشأن الإعسار وقانون إعادة التنظيم المالي والإفلاس. واشتمل القانون الجديد على أحكام العقد القابل للإبطال محل أحكام كل من العقد الفاسد والموقوف.

وقال: «في إطار الحقوق المتفرعة عن حق الملكية، أعاد القانون تنظيم أحكام حق المتساطحة، مع إلزام الأطراف بتسجيل العقد لدى السلطة المختصة، وتقرير البطلان على عدم التسجيل، كما تم استحداث الالتزامات الواقعة على المساطح، ومنح الأطراف الحق في تحديد مدة المتساطحة، كما تضّمن القانون الجديد الحقوق المالية الموجودة داخل الدولة والعائدة للأجنبي الذي لا وارث له، لتكون وقفاً خيرياً، وخولت السلطة المختصة مهمة الإشراف على هذا الوقف بما يضمن صون الأموال وحسن إدارتها وتوجيهها للغايات المقررة، كما وضع القانون تنظيماً جديداً لأحكام الحوالة، واستحداث أحكام متعلقة بحوالة الحق، واستحداث أحكام بشأن حماية الحيازة منها دعوى وقف الأعمال الجديدة وهي وقائية تهدف إلى منع وقوع الاعتداء».

وأضاف: «تم تعزيز أهلية الأفراد، حيث تبنى القانون مفاهيم قانونية أوضح تتناسب مع واقع التعاملات الحديثة، وعزز أهلية الأفراد وحماية إرادتهم في التصرفات والعقود، بما يوازن بين تمكين الأفراد من إدارة شؤونهم، وضمان حمايتهم من الاستغلال أو الإضرار بمصالحهم».

وتابع: «من هذه المفاهيم التعديل الجوهري على سن الرشد، حيث تم تخفيض سن الرشد من 21 سنة قمرية إلى 18 سنة ميلادية، وهو سن بات معتمداً في غالبية الأنظمة القانونية المقارنة، ويهدف هذا التعديل إلى توحيد السن القانونية التي يُعتدّ عندها باكتمال الأهلية، مع عدد من التشريعات الأخرى، مثل قوانين الأحداث والعمل، كما يُسهم هذا التغيير في المواءمة بين المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية بحيث تُحدد أهلية الفرد القانونية استناداً إلى معيار موحد يُرسّخ وضوح المركز القانوني للشخص، ويُعزز الاتساق التشريعي في الدولة لوضوح التطبيق، كما تم تعديل سن القاصر الذي يجوز له طلب الإذن بإدارة أمواله من 18 سنة هجرية إلى 15 سنة ميلادية، وذلك بهدف ريادة الأعمال والتمكين من الانخراط المبكر في الأنشطة الاقتصادية ضمن إطار قانوني».

وبيّن الحيقي أن القانون استحدث المساعد القضائي الذي يتعلق بالمريض الذي يحتاج إلى المساعدة ويتعذر عليه التعبير عن إرادته، بمنح المحكمة صلاحية تعيين مساعد قضائي له وذلك ليعاونه في التصرفات التي تقتضي فيها مصلحته.

المعاملات التعاقدية

ولفت إلى أنه على صعيد المعاملات التعاقدية، استحدث القانون تنظيماً متطوراً لمرحلة المفاوضات السابقة للتعاقد، وهي أحكام المفاوضات قبل التعاقدية، وأوجب التزاماً بالإفصاح عن المعلومات الجوهرية، لضمان حقوق الأطراف في مرحلة ما قبل التعاقد وضمان اتخاذ قرارات تعاقدية واعية ومستنيرة، ليُعزز الثقة بين الأطراف، ويُسهم في الحد من النزاعات قبل نشوئها، كما تم استحداث الاتفاق الإطاري لغايات تنظيم التعاقدات المتكررة أو طويلة الأجل بطريقة منظمة، وتحديد البنود الأساسية للعقود والشروط المستقبلية بشكل مسبق، ما يوفر الوقت والجهد ويُقلل التكاليف ويضمن مرجعية قانونية موحدة للعقود اللاحقة.

وبخصوص أهلية التعاقد، أشار الحيقي إلى أنه تم تعديل التصرفات المالية للشخص الصغير المميز الدائرة بين النفع والضرر لتقع قابلة للإبطال لمصلحته، بدلاً من أن تكون موقوفة على إجازة الولي، مع منح وليه الحق في طلب إبطال التصرف خلال سنة من تاريخ علمه، وللصغير المميز طلب إبطال التصرف خلال سنة بعد بلوغه سن الرشد.

وقال: «كما أقر القانون إمكانية الجمع بين الدية أو الأرش وبين التعويض الإضافي، كلما ترتب على الوفاة أو الإصابة أضرار مادية أو أدبية لا تغطيها الدية أو الأرش ولم تكن كافية لجبر كامل الضرر الناتج عن الوفاة أو الإصابة، وذلك في معالجة تشريعية تواكب التحديات العملية التي تواجه القضاء، وتكرس مبدأ العدالة وجبر الضرر بصورة شاملة بما يراعي طبيعة الأذى اللاحق بالمضرور، وما قد يصاحبه من تبعات مالية أو نفسية».

وأضاف: «اشتمل القانون أيضاً على توسيع نطاق تطبيق الأحكام المنظمة للتنفيذ بطريق التعويض، بحيث لا يقتصر على حالة استحالة التنفيذ أو تأخير المدين في تنفيذ التزامه، بل يشمل أيضاً حالتي التنفيذ الجزئي أو التنفيذ المعيب، وتم توسيع نطاق سلطة المحكمة في أحكام التعويض الاتفاقي، حيث يحق للمحكمة أن تخفض من مقدار التعويض الاتفاقي إذا ثبت أنه مبالغ فيه أو إذا نُفذ الالتزام جزئياً، كما يجوز لها تخفيضه إذا ساهم الدائن بخطئه في إحداث الضرر أو زيادته، أو يحق لها عدم الحكم به إذا استغرق خطأ الدائن خطأ المدين، كما أقرّ النص الجديد حق الدائن في المطالبة بأكثر من التعويض المتفق عليه إذا ثبت أن المدين ارتكب غشاً أو خطأ جسيماً».

وتابع: «كما شمل القانون الجديد تحديثاً لأحكام عقد البيع وتم تعزيز الضمانات القانونية في المعاملات التعاقدية، حيث نظم البيع بالعينة والبيع بالنموذج بصورة أوضح، وقد وفّر حماية خاصة للفرد غير كامل الأهلية عند بيع العقار في حالات مثل الغبن، كما تم تطوير الأحكام المتعلقة بالعيوب الخفية، بما يُعزز استقرار المعاملات وحماية أطرافها».

وكشف عن تحديث القانون للأحكام المنظمة للعيب الخفي، بهدف التمييز بين العيب الذي يوجب الضمان والعيب الذي لا يستوجبه، وتم توسيع نطاق الخيارات المتاحة لكلا الطرفين (المشتري والبائع) على أنه إذا ظهر في المبيع عيب خفيّ، كان المشتري مخيّراً إن شاء ردّه، وإن شاء قبله ومطالبة البائع بما أنقصه العيب من الثمن، وللبائع أن يوفي ذلك بإحضار بديل مماثل للمبيع غير معيب بخلاف السابق، حيث كان المشتري مخيراً فقط بين رد المبيع أو قبوله بالثمن المسمى وليس له إمساكه والمطالبة بما أنقصه العيب من الثمن، كما تم زيادة مدة عدم سماع دعوى ضمان العيب لمرور الزمن من ستة أشهر إلى سنة من اليوم التالي على تسلم المبيع.

مرض الموت

ولفت إلى أن أحكام البيع في مرض الموت شهدت أيضاً تحديثاً وذلك بحذف مدة السنة التي كان يُشترط الرجوع إليها لغايات تقييم التصرف، مع الإبقاء على الضوابط التي تضمن حماية الورثة والمتضررين وفقاً لأحكام مرض الموت، وجاء هذا التحديث استناداً إلى أن تقدير مرض الموت يختلف بطبيعته من حالة إلى أخرى.

وشدد على أن القانون الجديد شهد تطويراً لأحكام تنظيم الشركات وتحديث إطارها القانوني بما يحقق الانسجام بين قانون المعاملات المدنية وقانون المعاملات التجارية وقانون الشركات التجارية، ويوفر مرونة أكبر في ممارسة مختلف الأنشطة الاقتصادية وتفعيل دورها في التنمية المستدامة. وأعاد القانون تنظيم أحكام عقد الشركة من خلال وضع إطار واضح يُميز بين الشركة المدنية والتجارية، وتضمن القانون ما يجيز تأسيس الشركة بالإرادة المنفردة لشخص، كما تضمن القانون تنظيماً محدثاً لانقضاء الشركة في حال انسحاب أحد الشركاء، وأعاد تنظيم الأحكام المتعلقة بتصفية الشركة.

وسلط الحيقي الضوء على دعم القانون للكيانات الاقتصادية وتنوعها، عبر استحداث إطار قانوني للشركات غير الربحية والتي يعاد استثمار صافي أرباحها في تحقيق الأغراض التي أُسست من أجلها، لضمان توجيه العوائد المالية لخدمة أهداف الشركة وليس لتوزيعها على الشركاء (كأصل عام)، كما استحدث القانون تنظيماً جديداً للشركات المهنية.

ولفت إلى أن القانون الجديد حدث أحكام عقد المقاولة وتطوير قواعد المسؤولية والتوازن العقدي وإنهاء العقود، حيث توسع القانون بتنظيم الأحكام المتعلقة بمسؤولية المقاول عند تقديم صاحب العمل لمواد العمل ليحدد معيار العناية بعناية الشخص المعتاد، وإلزام المقاول برد ما تبقى منها ويقصر ضمانه على التلف أو الفقد أو التعييب إذا كان ذلك بسبب يرجع إليه، مع استحداث أحكام جديدة تلزمه برد قيمة المواد غير الصالحة للتنفيذ بسبب إهمال المقاول والتعويض عند الاقتضاء.

الأكثر مشاركة