مختصون: «الانفصال العاطفي».. تبعات نفسية وقانونية تفتك بتماسك الأسرة

يعاني بعض الأزواج ألم ما يُسمى بـ«الطلاق العاطفي»، الذي يحدث نتيجة تراكمات صغيرة لم يتم التعامل معها بوعي، في ظل غياب الحوار الفعّال بين الزوجين، والانسحاب التدريجي من العلاقة، بينما أكد مختصون لـ«الإمارات اليوم» أن حالات طلاق فعلي عدة تسبقها سنوات من الانفصال العاطفي، الذي يفتك بتماسك الأسرة شيئاً فشيئاً، ويُخلّف تبعات نفسية على أفرادها، وأشاروا إلى أن الانفصال العاطفي يُمثّل سبباً قوياً للطلاق للضرر، إذا تسبب في «موت غير معلن للزواج»، كما يُعدّ من أبرز الأسباب الكامنة وراء حالات الطلاق، لاسيما الطلاق المبكّر، وفقاً لدراسات وإحصاءات في دولة الإمارات، أكدت أن حالات طلاق عدة تأتي بعد سنوات من «موت غير معلن للزواج»، نتيجة تراكم الجفاء، وضعف التواصل، والانسحاب العاطفي التدريجي بين الزوجين، بينما يُعدّ الرجال الأكثر عرضة للانفصال العاطفي بسبب تغيّر «نمط العطاء» داخل العلاقة.

أروقة المحاكم

وأكد المحامي عبدالله علي بن حاتم أن الانفصال العاطفي، أو ما يُعرف بـ«الطلاق الصامت/العاطفي»، أصبح من الأسباب الرئيسة والمتزايدة بشكل ملحوظ في النزاعات الأسرية وحالات الطلاق الفعلي أمام المحاكم.

وقال: «إن المحاكم تشهد قفزات في قضايا الطلاق، مثل قضايا الخلع والشقاق، بسبب الإرهاق النفسي والمادي الناتج عن العيش المنفصل عاطفياً، ما يؤكد أن غياب الأمان العاطفي أصبح محركاً قوياً للنزاعات الأسرية»، وكشف نتائج وإحصاءات مبنية على تقارير ودراسات حتى نهاية 2025 وبداية عام 2026، تشير إلى أن الانفصال العاطفي يُعدّ من أبرز الأسباب الكامنة وراء حالات الطلاق، لاسيما الطلاق المبكر.

وأوضح أن دراسة ميدانية أُجريت على 1742 مطلقة، أظهرت أن 46% من المطلقات دون سن الـ30 أرجعن الطلاق إلى «فقدان الحب»، وعدم التوافق العاطفي، بينما أظهرت دراسات أخرى أن 50% من أسباب الطلاق تعزى إلى سوء العِشرة بين الزوجين، وضعف التواصل، وتضارب الشخصيات.

وحول الانفصال العاطفي في السنوات الأولى من الزواج، أشار إلى أن أكثر من نصف حالات الطلاق تحدث خلال السنوات الأربع الأولى من الزواج، بسبب ضعف مهارات التواصل، وغياب الوقت النوعي المشترك، وصدمة الواقع أو ما يُعرف بـ«الانهيار العاطفي السريع».

وذكر أن إحصاءات وزارة العدل لعام 2025 سجلت في بعض الإمارات حالات طلاق خلال فترة وجيزة جداً (تقل عن شهر)، بسبب غياب النضج العاطفي، والتوقعات غير الواقعية.

وأوضح أن الطلاق لم يعد مقتصراً على العنف المادي أو الخيانة الصريحة، بل أصبح «جفاف المشاعر» والعيش تحت سقف واحد بلا مودة أو تواصل، دافعاً قوياً للزوجين لطلب الانفصال القانوني، خصوصاً النساء.

ولفت إلى أن الانفصال العاطفي، أو ما يُعرف بالجفاء وهجر المشاعر والإهمال العاطفي، أصبح سبباً رئيساً لطلب الطلاق بشرط إثبات الضرر النفسي أو الجسدي الناتج عنه، بما يجعل استمرار الحياة الزوجية مستحيلاً.

وأشار إلى أن القضاء يُقيّم وجود «الانفصال العاطفي»، أو ما يُعرف بـ«الطلاق الصامت/النفسي»، عند النظر في دعاوى الطلاق، خصوصاً في قضايا «الطلاق للضرر والشقاق»، باعتباره عنصراً جوهرياً يثبت استحالة استمرار العِشرة الزوجية بالمعروف، وقال: «رغم عدم وجود مصطلح قانوني صريح باسم (الطلاق العاطفي)، فإن المحاكم تتعامل مع نتائجه بوصفها ضرراً نفسياً ومعنوياً».

وأضاف: «إن المحاكم أو جهات الإصلاح تستند إلى وقائع ومؤشرات للاستدلال على تحقق الانفصال العاطفي بين الزوجين، من بينها الهجر والانقطاع في العلاقة الزوجية، مثل ترك أحد الزوجين المنزل لفترات طويلة من دون مبرر، والنوم المنفصل بصورة دائمة، والامتناع المستمر عن المعاشرة الزوجية، وانعدام مظاهر القرب أو الاهتمام المتبادل، كما تستند إلى غياب التواصل الإنساني الطبيعي إلا في الأمور الضرورية، وتجاهل الطرف الآخر عمداً، والبرود الكامل في التعامل، وغياب الدعم النفسي أو المشاركة الوجدانية، كما يتم النظر إلى مظاهر تحوّل العلاقة إلى علاقة شكلية فقط من أجل الأبناء أو الاعتبارات الاجتماعية، بحيث يعيش كل طرف كأنه مستقل عن الآخر، مع إدارة شؤون المنزل بطريقة آلية تخلو من المودة أو التعاون الحقيقي إلى جانب استمرار النزاعات اليومية أو الجفاء لفترات طويلة رغم تدخل الأهل أو المستشارين الأسريين ولكن من دون نتيجة».

وأردف: «إن استمرار هذا السلوك وانتظامه يعزّز قناعة المحكمة بوجود انفصال فعلي، وليس مجرد خلاف عابر، كما يتم الاستدلال على الانفصال العاطفي من خلال نتائجه، مثل الاكتئاب أو القلق، والشعور بالعزلة داخل الحياة الزوجية، والتوتر الدائم داخل المنزل، وتأثير ذلك في الأبناء والاستقرار الأسري».

وقال: «إن القرائن والأدلة تشمل الرسائل أو المحادثات التي تُظهر الجفاء أو القطيعة، وشهادات المقربين أو الوسطاء، وتقارير الاستشارات الأسرية، وإثبات الإقامة المنفصلة أو الانفصال الفعلي داخل المنزل، مع إمكانية الأخذ بتقارير نفسية أو طبية إذا كان الضرر بالغاً في بعض المحاكم».

وأضاف: «يتمتع القاضي في دولة الإمارات بسلطة تقديرية واسعة في تقييم هذه المسائل، لذلك لا يوجد معيار ثابت، بل تُفحص كل قضية بحسب تفاصيلها، ودرجة الضرر المثبت فيها».

تراكمات صغيرة

من جانبها، أشارت المدربة الدولية وكوتش العلاقات والصحة النفسية وجودة الحياة، الدكتورة أمل باصهيب، إلى أن الانفصال العاطفي لا يحدث فجأة، بل يأتي نتيجة تراكمات صغيرة لم يتم التعامل معها بوعي، ويبدأ في الأغلب بغياب الحوار الحقيقي، أو كثرة الانشغال، أو التقليل من المشاعر، أو النقد المستمر، وسيطرة وسائل التواصل والأجهزة على نمط الحياة، إلى أن تتحول العلاقة إلى مجرد مسؤوليات يومية بلا دفء.

وأضافت: «نلاحظ في بعض الأسر أحياناً أن ضغط الحياة والعمل والانشغال بالأجهزة والتدخلات الخارجية هي عوامل تسرّع هذا الفتور، والبعض يظن أن توفير الاحتياجات المادية وحده يكفي، بينما الحقيقة أن الإنسان يحتاج أيضاً إلى اهتمام واحتواء وتقدير».

ولفتت إلى أن الاحترام والرغبة الصادقة من الطرفين للإصلاح يمنحان فرصة للعودة، لكن العودة لا تكون بالكلام فقط، بل بتغيير حقيقي في طريقة التعامل والحوار والاهتمام، وأضافت: «علاقات كثيرة لا ينقصها الحب بقدر ما ينقصها الوعي بطريقة التعبير عنه، وأحياناً مجرد جلسة صادقة أو استشارة أسرية مبكرة تنقذ بيتاً كاملاً من الانهيار الصامت».

الرجال أكثر ميلاً للانفصال

وقالت المتخصصة في القيادة الذكية التربوية والذكاء العاطفي، الدكتورة مايا الهواري: «إن الانفصال العاطفي في الأغلب يبدأ من الرجل، إذ يكون هو الطرف الأكثر ميلاً للانسحاب العاطفي، سواء كان ذلك في صورة صمت عقابي أو عصبية وانفعال».

وأضافت: «الرجل بطبيعته يعتمد على المرأة في العطاء، وعندما يخف هذا العطاء أو يتغير عن مستواه المعتاد، أو يتحول إلى نكد أو شك أو لوم مستمر، يبدأ الرجل بالانسحاب عاطفياً».

وأشارت إلى أن كثيرين يلجأون إلى الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل مشكلاتهم الزوجية، إلا أنه، رغم أهميته، فإنه لا يستطيع استيعاب المشكلة بجميع جوانبها، ولا تقديم حلول تنطلق من الخبرة أو من التعاليم الإسلامية والقِيَم والعادات والتقاليد.

وقالت إن حالات عدة تصل إلى الاستشارات الزوجية بعد الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الحصول على الأجوبة، مستشهدة بحالة زوجة شكت في زوجها بعد أن زودت إحدى منصات الذكاء الاصطناعي بصورة لبقعة على ملابسه، فأكدت لها المنصة شكوكها وربطت الأثر بالخيانة، بينما تبيّن لاحقاً أنها مجرد بقعة دم بسيطة.

وشددت على أهمية اللجوء إلى مختص في الاستشارات الزوجية عند الحاجة إلى ذلك، تجنباً لدمار الأسرة، مؤكدة أهمية التغاضي عن بعض الأخطاء، والحرص على التجديد في العلاقة، لتجنب الملل والرتابة التي قد تؤثر في الحياة الزوجية.

وقالت: «الانفصال العاطفي يؤثر سلباً في الحالة النفسية لأفراد الأسرة، خصوصاً في الأبناء، لأنهم يشعرون بالمشكلات التي تحدث بين والديهم ويدركون تفاصيل ما يجري حولهم».

وأضافت أنه عندما يصبح الطفل أكثر وعياً بمفهوم الطلاق، فإنه يبدأ بالخوف من حدوثه بين والديه مع أي مشكلة أو مشاحنة، مؤكدة أهمية ملاحظة التأثيرات النفسية للمشكلات الزوجية في الأبناء، والانتباه لما يُغرس في عقولهم وقلوبهم منذ الصغر.

الأكثر مشاركة