مواطنون شكوا «التعنت» رغم إلغاء بند فروق الأسعار
قانونيون ينصحون مُلّاك ومقاولين بـ «الحل الودي» للتغلب على تقلبات السوق وإنشاء منزل العُمر
مع ارتفاع أسعار الحديد والإسمنت وغيرهما من مواد البناء، وكذلك السولار، لم تعد إشكاليات بناء منازل المواطنين مرتبطة بتقلبات السوق فقط، بل امتدت إلى العقود نفسها التي يجد بعض الملاك أنفسهم عالقين داخل بنودها بعد بدء التنفيذ، في وقت يؤكد قانونيون أن نزاعات حالية عدة لم تعد تدور فقط حول «الزيادة في الأسعار»، وإنما حول كيفية صياغة العقود، وحدود مسؤولية كل طرف، وما إذا كان المقاول يحق له قانوناً المطالبة بزيادات إضافية رغم توقيع عقد بسعر ثابت.
وخلال متابعة لـ«الإمارات اليوم» حول النزاعات بين المُلاك والمقاولين، كشف مواطنون تعرّضهم لمشكلات بدأت بطلب زيادات مالية مفاجئة، أو توقف العمل في مشروعاتهم، رغم حذف بند فروق الأسعار من العقود، بينما حذر قانونيون من أن بعض الملاك يوقّعون عقوداً لا يدركون تفاصيلها الفنية أو القانونية بالكامل، في حين يلجأ بعض المقاولين إلى تقديم أسعار منخفضة للفوز بالمشروعات، قبل العودة لاحقاً للمطالبة بزيادات تحت ضغط ارتفاع التكاليف أو الظروف الطارئة.
وأكد خبراء أن قانون المعاملات المدنية يضع إطاراً واضحاً لهذه العلاقة، إذ يُلزم المقاول في العقود ذات السعر المقطوع بتحمّل التقلبات المعتادة في الأسعار، لكنه في المقابل يمنح القضاء سلطة التدخل لإعادة التوازن الاقتصادي للعقد إذا طرأت ظروف استثنائية عامة تجعل تنفيذ الالتزام مرهقاً، ويُهدّد المقاول بخسارة فادحة.
وشددوا على أن الحل لا يكمن في إلغاء بند فروق الأسعار بالكامل، وإنما في تنظيمه وضبطه بعقود واضحة ومتوازنة تحمي الطرفين وتحد من النزاعات، مرجحين الحلول الودية وتقاسم الأعباء المادية لتجاوز إشكاليات توقف البناء.
وقال المستشار القانوني والمحامي، الدكتور يوسف الشريف، إن سوق الإنشاءات شهدت موجات متتالية من ارتفاع أسعار مواد البناء الأساسية، مثل الحديد والإسمنت والأخشاب، إلى جانب تكاليف العمالة، الأمر الذي وضع عدداً كبيراً من المواطنين والمستثمرين والمقاولين في مأزق حقيقي، بعدما تعثّرت مشروعات سكنية عدة وتوقف بعض المقاولين عن العمل، بحجة أن الاستمرار في التنفيذ بالأسعار القديمة يعني تكبد خسائر جسيمة قد تصل إلى حد الإفلاس.
وأضاف أن الأوضاع الحالية أوجدت حالة من التوتر بين رغبة المالك في استكمال مشروعه وفق السعر المتفق عليه، ومطالبة المقاول بإعادة النظر في قيمة العقد بعد ارتفاع التكاليف بصورة غير متوقعة، لافتاً إلى أن هذه النزاعات تثير تساؤلات قانونية متكررة حول مدى أحقية المقاول في المطالبة بزيادات إضافية، وحدود تطبيق بنود فروق الأسعار، سواء في عقود المقاولات المحلية أو العقود الدولية، مثل عقود «الفيديك».
وأشار الشريف إلى أن الجانب الأخلاقي يجب ألا يغيب عن هذه العلاقة، موضحاً أن الظروف الاقتصادية الحالية تتطلب تعاوناً حقيقياً بين طرفَي التعاقد، وليس استغلالاً للأوضاع الحالية أو فرض أعباء غير مبررة على أحد الطرفين، مؤكداً أن اللجوء إلى الحلول الودية وتقاسم جزء من الأعباء قد يكون في بعض الحالات أفضل من الدخول في نزاعات قضائية طويلة تؤدي إلى تعطيل المشروعات واستنزاف الوقت والمال.
وأوضح أن قانون المعاملات المدنية الإماراتي، إلى جانب العقود النموذجية العالمية، نظم هذه المسألة من خلال ما يُعرف ببند تعديل الأسعار، وهو بند يسمح بإعادة احتساب قيمة العقد إذا تجاوزت الزيادة في الأسعار نسباً معينة يتم الاتفاق عليها مسبقاً، وربطها بمؤشرات رسمية، مشيراً إلى أن بعض العقود تخلو من هذا البند تماماً، خصوصاً عندما يقبل المقاول بذلك للفوز بالمشروع أو بسبب ضعف خبرته، أو عدم تقديره للمخاطر المستقبلية.
وأكد الشريف أن المقاول يُعدّ قانوناً «الطرف المهني الخبير»، وبالتالي فإن موافقته على عقد يخلو من بند فروق الأسعار تعني في الأصل تحمّله المخاطر التجارية المعتادة، ولا يحق له التوقف عن العمل أو المطالبة بزيادة لمجرد حدوث ارتفاعات طبيعية في الأسعار، لأن ذلك قد يُعدّ إخلالاً تعاقدياً يترتب عليه فسخ العقد أو التعويض أو غرامات التأخير، لكنه أشار في الوقت ذاته، إلى أن القضاء قد يتدخل استثنائياً إذا ثبت أن الارتفاعات كانت غير مسبوقة وغير متوقعة وتتجاوز حدود المخاطر التجارية المعتادة، موضحاً أن نظرية «الظروف الطارئة» تمنح القاضي أو المحكّم سلطة إعادة التوازن المالي للعقد، إذا أصبح تنفيذ الالتزام مرهقاً بصورة تُهدّد المقاول بخسارة فادحة.
وشدد الشريف على أن حماية الطرفين لا تتحقق بإلغاء بند فروق الأسعار، وإنما بتنظيمه بصورة دقيقة داخل العقد، من خلال تحديد نسبة واضحة للزيادة التي يمكن إعادة احتساب الأسعار بعدها، وربط ذلك بنشرات رسمية، إلى جانب النص على شراء المواد الأساسية مبكراً، وتخزينها فور توقيع العقد لتثبيت أسعارها، وربط الدفعات بنسبة الإنجاز الفعلية حتى لا يحصل المقاول على مبالغ تتجاوز الأعمال المنفّذة على أرض الواقع.
من جانبه، قال المستشار والمحكم القانوني، محمد نجيب، إن الخلافات الحالية تعود في جزء كبير منها إلى طبيعة العقود المبرمة بين الطرفين، موضحاً أن هناك فرقاً بين العقود المفتوحة والعقود ذات السعر المقطوع، إذ يتحمل المقاول في العقود الأخيرة غالباً أي زيادات اعتيادية في أسعار المواد أو تكاليف التنفيذ، طالما لم ينص العقد على خلاف ذلك.
وأوضح أن بعض العقود تتضمن جداول كميات ومواصفات تفصيلية تحدّد الكميات المطلوبة من الحديد والإسمنت وسائر المواد، بحيث يتم الاتفاق على كلفة إجمالية واضحة، وفي هذه الحالة لا يكون المالك مسؤولاً عادة عن أي زيادة ناتجة عن سوء تقدير المقاول للكميات أو الأسعار.
وأشار نجيب إلى أن الظروف الحالية تختلف في بعض الحالات عن الزيادات الطبيعية المعتادة، لاسيما عندما يتعلق الأمر بمواد يتم استيرادها من الخارج، وتأثرت باضطرابات الشحن أو الأحداث العالمية، مؤكداً أن هناك فارقاً بين المواد المتوافرة محلياً والمواد التي تعتمد على الاستيراد الخارجي، إذ قد تشكل الأخيرة ظرفاً طارئاً خارجاً عن إرادة المقاول إذا ثبت التزامه بالتوريد في المواعيد المحددة.
وسرد مثالاً لقضية تعاقد فيها مالك مع مقاول على توريد أعمال «ألمنيوم» من إسبانيا، بناء على رغبة المالك نفسه، وتم دفع ثمنها بالفعل، إلا أن تأخر التركيب لاحقاً أدى إلى نزاع، موضحاً أن مثل هذه الحالات تخضع لتفاصيل دقيقة، تتعلق بمدى التزام كل طرف ببنود العقد والمواعيد المحددة.
وأضاف أن بعض المُلاك يُفضّلون عملياً الحلول الودية حتى في الحالات التي لا يُلزمهم فيها العقد بتحمل أي زيادات، وذلك لتجنّب توقف المشروع أو الدخول في نزاع قضائي طويل، لافتاً إلى أن تغيير المقاول أثناء التنفيذ قد يفرض على المالك كلفة أكبر، بسبب الأسعار الجديدة وتأخر الإنجاز.
وأوضح أن هناك حالات واقعية فضّل فيها المُلاك تحمل جزء من الزيادة للحفاظ على استمرارية العمل، مشيراً إلى حالة أخيرة ارتفعت فيها كلفة الوقود (السولار) بشكل كبير يصل إلى الضعف أثناء تنفيذ مشروع، ما دفع المقاول للمطالبة بمبلغ إضافي، ورغم أن العقد لم يُلزم المالك بذلك، فقد وافق على تحمل نصف الزيادة حتى لا يتوقف المشروع.
وأكد نجيب أن الارتفاعات الكبيرة جداً في أسعار بعض المواد، مثل الحديد، قد تدفع المقاول إلى اللجوء للقضاء، استناداً إلى نظرية «الإرهاق» أو الظروف الطارئة، وفي هذه الحالة قد تتدخل المحكمة لإعادة التوازن المالي للعقد، بحيث لا يحقق المقاول ربحاً إضافياً، لكنه أيضاً لا يتحمل خسارة استثنائية تهدد استمراره.
بدوره، قال المحامي، محمد عبدالله الرضا، إن قانون المعاملات المدنية الإماراتي وضع قاعدة واضحة في هذا النوع من العقود، إذ تنص المادة (887)، على أنه إذا تم الاتفاق على عقد المقاولة مقابل أجر إجمالي مقطوع، فلا يجوز للمقاول المطالبة بأي زيادة نتيجة ارتفاع أسعار المواد أو أجور العمال أو غيرها من التكاليف، باعتبار أن المقاول قِبَل التعاقد على أساس سعر محدد ونهائي، ويتحمل التقلبات المعتادة في السوق.
وأضاف أن المشرع الإماراتي عاد واستثنى الحالات غير المتوقعة عبر المادة (249) المتعلقة بنظرية الظروف الطارئة التي تمنح القضاء حق التدخل إذا طرأت حوادث استثنائية عامة، لم يكن بالإمكان توقّعها وقت التعاقد، وأصبح تنفيذ الالتزام مرهقاً بما يُهدّد المدين بخسارة فادحة.
وأشار الرضا إلى أن بعض عقود المقاولات تتضمن بالفعل بنوداً خاصة بمعالجة فروق الأسعار، وتنظيم آلية إعادة احتساب قيمة العقد عند حدوث ارتفاعات استثنائية، سواء عبر ربطها بمؤشرات رسمية أو تحديد نسب معينة للزيادة، موضحاً أن غياب هذا البند لا يمنع المقاول بالضرورة من اللجوء إلى القضاء إذا توافرت شروط الظروف الطارئة.
وأكد أن الوعي القانوني عند توقيع عقود المقاولات ضرورة أساسية في ظل المتغيرات الاقتصادية الحالية، مشيراً إلى أن حسن صياغة العقد لم يعد مجرد إجراء شكلي، بل يُمثّل ضمانة حقيقية لتحقيق التوازن بين الحقوق والالتزامات، والحد من النزاعات المستقبلية.
فروق الأسعار
قال مواطن لـ«الإمارات اليوم» إنه فوجئ بتوقف العمل في مشروع منزله بعد أشهر من التنفيذ، رغم توقيع عقد يتضمن حذف بند فروق الأسعار، موضحاً أن المقاول عاد لاحقاً للمطالبة بمبالغ إضافية بحجة ارتفاع أسعار المواد، قبل أن يُوقف الأعمال ويضعه أمام خيارين، إما تحمل الزيادة أو البحث عن مقاول جديد بكلفة أعلى.
وأضاف أن كثيراً من المُلاك لا يمتلكون الخبرة الفنية الكافية لفهم تفاصيل العقود أو جداول الكميات، وهو ما يجعلهم عرضة للمفاجآت خلال التنفيذ، لافتاً إلى أن بعض المقاولين يُقدّمون أسعاراً منخفضة في البداية لجذب المالك، ثم تظهر لاحقاً فروق كبيرة في أعمال التكييف أو التشطيبات، أو كميات الحديد والخرسانة المطلوبة.
وقال مواطن آخر إنه اضطر إلى تحمل جزء من الزيادات رغم قناعته بأن العقد لا يُلزمه بذلك، خوفاً من بقاء مشروعه متوقفاً لأشهر، مشيراً إلى أن تغيير المقاول بعد بدء التنفيذ قد يكلف المالك مبالغ أكبر من قيمة الزيادة نفسها، فضلاً عن التأخير الطويل في الإنجاز.
وأشار مواطن ثالث إلى أن المشكلة لا تتعلق بارتفاع أسعار المواد فقط، وإنما أيضاً بغياب الوعي الكافي لدى بعض الملاك ببنود العقود الفنية والقانونية، مؤكداً أن كثيرين يركزون على السعر النهائي للمشروع، من دون التدقيق في تفاصيل المواصفات أو آلية احتساب الكميات أو شروط تعديل الأسعار، قبل أن يكتشفوا لاحقاً أن بعض البنود قد تمنح المقاول مساحة واسعة للمطالبة بزيادات إضافية، أو تمديد فترات التنفيذ.
• قرار «وقف المشروع» قد يدفع المالك إلى تسويات تتجاوز كُلفتُها قيمةَ الزيادة نفسها.
• القانون يفرض إجراءات متوازنة في الظروف الطارئة لضمان حقوق طرفي العلاقة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news