قيمتها القانونية خاضعة لتقدير الجهات المختصة وفق معايير الإثبات

«داش كام» تسجّل مواقف طريفة وجرائم.. والنشر يُعرّض السائق للمساءلة

صورة

شهدت وسائل التواصل الاجتماعي، أخيراً، تداول مقاطع لافتة التقطتها كاميرات مثبتة داخل مركبات من الأمام أو الخلف، أو بزوايا واسعة، يظهر في أحدها شخص يحاول سرقة مركبة متوقفة.

ويُظهر كثير من اللقطات تفاصيل المركبات التي تسير خلفها، والأشخاص الموجودين في داخلها، من دون أن يُدرك هؤلاء أن ثمة من يرصدهم.

وأكد قانونيون لـ«الإمارات اليوم» أن نشر مثل هذه المقاطع، على الرغم من طابعها التوثيقي أو التحذيري، يضع صاحب الكاميرا محل مساءلة قانونية إذا لم يُراع الحصول على موافقة الأشخاص الظاهرين فيها، لما قد يُشكّله ذلك من انتهاك لخصوصيتهم.

وتفصيلاً، تشهد كاميرات المركبات المخصصة للتسجيل انتشاراً واسعاً بوصفها أداة لتوثيق الحوادث والمخالفات المرورية، كما ترصد في أحيان كثيرة مواقف يومية عفوية، مثل لقطات «مضحكة» لسلوكيات بعض السائقين، أو مواقف طريفة يتعرّض لها أشخاص على الطريق، أو حتى وقائع مفاجئة كحوادث بسيطة أو محاولات سرقة، إلا أنها قد تتحول إلى مصدر مساءلة قانونية، لاسيما عند نشر هذه المقاطع عبر منصات التواصل الاجتماعي، من دون الالتزام بالضوابط المرتبطة بحماية الخصوصية.

ولا يُعدّ تركيب كاميرات «داش كام»، أو غيرها من الكاميرات التي تُوثّق داخل المركبة، مخالفة قانونية، بل ينظر إليه كأداة مساندة في توثيق الوقائع المرورية، مثل تسجيل لحظة وقوع حادث، أو توثيق اصطدام مفاجئ من الخلف، أو حتى حالات فرار بعد الحادث.

ويمكن الاستناد إلى هذه التسجيلات في الاعتراض على المخالفات أو الفصل في النزاعات، شريطة أن تكون اللقطات واضحة وغير مجتزأة، وتعكس الواقعة بشكل كامل.

وتقبل التسجيلات كأدلة لدى جهات التحقيق وشركات التأمين بعد التحقق من سلامتها التقنية، وعدم العبث بها، ما يُسهم في تسريع الإجراءات وتحديد المسؤوليات بدقة، إلا أن قيمتها القانونية تبقى خاضعة لتقدير الجهات المختصة، وفق معايير الإثبات.

وفي المقابل، يبرز جانب قانوني مهم يتعلق باستخدام هذه المقاطع خارج إطارها المشروع، إذ قد يؤدي نشرها - حتى لو كانت توثق «مواقف مضحكة» أو حوادث أو وقائع سرقة - إلى مساءلة قانونية في حال تضمنت تصوير أشخاص أو مركبات يمكن التعرّف إليها، من دون موافقة.

وتؤكد المستشارة القانونية والمحامية، أساور المنصوري، أن الاعتقاد بأن التصوير في الأماكن العامة يُبيح النشر من دون قيود، يمثّل فهماً غير دقيق للقانون، موضحة أن الخصوصية لا ترتبط فقط بالمكان، بل بالشخص ذاته، وحقه في عدم تصويره أو نشر صورته من دون رضاه.

وأضافت أن كثيراً من المقاطع المتداولة عبر كاميرات المركبات يتضمن تفاصيل كافية لتحديد هوية الأفراد، مثل ملامح الوجه أو أرقام المركبات، وهو ما يضع ناشرها تحت طائلة المساءلة، حتى لو لم يقصد الإضرار.

بدوره، أشار المستشار القانوني، راشد الحفيتي، إلى أن تداول المقاطع المصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سواء بدافع الترفيه أو التوعية، قد يندرج ضمن جرائم النشر الإلكتروني إذا تضمن كشفاً لهوية أشخاص أو إساءة لهم أو مساساً بسمعتهم، موضحاً أن كثيراً من المستخدمين لا يدركون أن نشر مقطع واحد قد يُعرّضهم لعقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

ولفت إلى أن الإطار القانوني في الدولة يؤكد أن التعدي على خصوصية الغير جريمة يعاقب عليها، إذ نصت المادة 44 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، على معاقبة كل من يستخدم وسائل تقنية المعلومات بقصد الاعتداء على خصوصية شخص أو حرمة حياته الخاصة أو العائلية، من دون رضاه، بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر والغرامة التي لا تقل عن 150 ألف درهم، ولا تزيد على 500 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وشرح أن صور الاعتداء، وفق النص، تشمل استراق السمع أو تسجيل أو نقل أو بث أو إفشاء المحادثات أو المواد الصوتية أو المرئية، إضافة إلى التقاط صور الغير في أي مكان عام أو خاص، أو إعدادها أو نقلها أو نشرها أو الاحتفاظ بها، وكذلك نشر معلومات أو صور حتى لو كانت صحيحة، متى كان ذلك بقصد الإضرار.

بدوره، أفاد المستشار القانوني، محمد العوامي، بأن تسجيلات كاميرات المركبات تُعدّ من الأدلة المساندة التي يمكن الاستفادة منها في النزاعات المرورية، إلا أن التعامل معها يتطلب قدراً من الحذر، لافتاً إلى أن «أي تعديل أو اجتزاء أو نشر خارج السياق القانوني قد يُفقدها حجيتها، بل قد يحولها إلى مخالفة قائمة بذاتها»، مؤكداً أن «الجهة المختصة وحدها المخولة بتقييم التسجيلات واعتمادها، وليس الأفراد عبر النشر أو التداول».

وأضاف: «يأتي ذلك في سياق ما استقر عليه القضاء من أن الخصوصية مصونة في الأماكن العامة والخاصة، على حد سواء، وأن تصوير الأشخاص من دون رضاهم، أو نشر صورهم، قد يشكل جريمة حتى إن تم في مكان مفتوح، متى كان القصد موجّهاً إلى الشخص ذاته وليس إلى المشهد العام».

وقال إن تصوير الأفراد أو تسجيلهم أو نشر صورهم من دون إذن، انتهاك للخصوصية وفق المادة 378 من قانون العقوبات، التي تُجرّم الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، بينما تشدد العقوبة إذا تم النشر عبر الوسائط الرقمية.

وبيّـن أن «تسليم التسجيلات إلى الجهات المختصة هو المسار القانوني الصحيح عند توثيق أي واقعة، سواء كانت حادثاً أو مخالفة أو جريمة، بدلاً من نشرها أو تداولها، بما يضمن الاستفادة منها كدليل قانوني، ويحفظ حقوق الأفراد».

ورأى أن الاستخدام المشروع لكاميرات المركبات يظل مرتبطاً بدعم السلامة المرورية وتعزيز العدالة، مع ضرورة توجيه الكاميرا لتصوير الطريق فقط، وتجنّب تصوير الأشخاص بشكل مباشر، تحقيقاً للتوازن بين الاستفادة من التقنية والالتزام بالقانون، متابعاً أنه «يبقى الفارق بين تسجيل يُنصف صاحبه، ومخالفة قد تُلاحقه قضائياً مرتبطاً بقرار بسيط هو الاحتفاظ بالمقطع كدليل، أو نشره من دون إدراك تبعاته القانونية».

• الاعتقاد بأن التصوير في الأماكن العامة يُبيح النشر من دون قيود، يُمثّل فهماً غير دقيق للقانون.

أساور المنصوري:

راشد الحفيتي:

محمد العوامي:

تويتر