مختصان: انتشار تطبيقات الدردشة «يكشف» العلاقات الزوجية رقمياً

الفحص القضائي شرط لسريان الطلاق عبر «وسائل التواصل»

صورة

في ظل الانتشار الواسع لاستخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «واتس أب» و«إنستغرام» و«سناب شات»، أصبحت الرسائل الإلكترونية حاضرة بقوة في ساحات القضاء، سواء في القضايا الجزائية أو المدنية، بل أصبحت محور النزاع الرئيس في بعض القضايا، ومع ذلك لا تتعامل المحاكم معها على إطلاقها، بل تُخضعها لمعايير دقيقة قبل اعتمادها دليلاً.

وبفعل انتشار التطبيقات الكثيف في يومياتنا، تحولت الخلافات الزوجية في بعض الحالات من كلمات تُقال إلى رسائل تُكتب، أو تُسجل صوتياً، وقد تتطور إلى «رسالة طلاق»، لتصبح دليلاً قانونياً على انتهاء العلاقة الزوجية، إلا أن طبيعة هذه المنصات التي قد تُحذف فيها الرسائل أو تختفي تلقائياً، إلى جانب احتمال عدم ثبوت أن صاحب الهاتف هو من أرسلها، تجعل هذه الرسائل غير كافية وحدها لإنهاء العلاقة الزوجية أمام القضاء، دون إخضاعها لفحص دقيق.

وأكد مختصان، قانوني وتقني، لـ«الإمارات اليوم»، أن المحادثات الرقمية بمختلف أشكالها، برزت كأحد أبرز عناصر الإثبات في قضايا الأحوال الشخصية، في ظل انتقال جزء كبير من التفاعل بين الأزواج إلى الهواتف والتطبيقات، حيث لم تعد الخلافات تُحكى أو تُنسى، بل تُكتب وتوثّق لحظة بلحظة، وتحفظ في ذاكرة الأجهزة والتطبيقات، لتتحول لاحقاً إلى مواد قد تُقدّم أمام القضاء.

ولم يقتصر الأمر على الرسائل النصية، بل امتد للتسجيلات الصوتية، والمقاطع المصورة، والمحادثات المختفية أو المؤقتة، ما جعل العلاقة الزوجية في بعض الحالات مكشوفة رقمياً، والرسائل قابلة للاسترجاع أو حتى إعادة التركيب.

وأضافا أن هذا الواقع يفرض تحديات قانونية في ظل ما تُتيحه التطبيقات من خصائص، وهو ما يستدعي فحصها، قبل تقدير قيمتها الإثباتية.

وتفصيلاً، أكدت المحامية والمستشارة القانونية، فاطمة آل علي، أنه في ظل الانتشار الواسع لاستخدام تطبيقات التواصل، وعلى رأسها «واتس أب» و«إنستغرام» و«سناب شات»، أصبحت الرسائل الإلكترونية حاضرة بقوة في ساحات القضاء، سواء في القضايا الجزائية أو المدنية، بل أصبحت في بعض القضايا محور النزاع الرئيس، إلا أن المحاكم لا تتعامل معها على إطلاقها، بل تُخضعها لمعايير دقيقة قبل اعتمادها كدليل.

وأوضحت أن قبول أي رسالة إلكترونية يسبقه فحص دقيق، يشمل التأكد من سلامتها الفنية وخلوّها من التلاعب أو الاجتزاء، ووجود أصل لها يمكن الرجوع إليه، وليس مجرد صورة شاشة قابلة للتعديل، إلى جانب التحقق من مشروعية الحصول عليها، وثبوت نسبتها إلى الشخص المعني، لافتة إلى أن هذه الضوابط تُعدّ الأساس الذي تُبنى عليه حجية الدليل الرقمي أمام القضاء.

وأضافت آل علي أن المحكمة لا تنظر إلى الرسالة بشكل منفصل أو مجتزأ، بل تضعها ضمن سياق متكامل يشمل تسلسل المحادثة وتوقيتها وردود الطرف الآخر، والرسائل اللاحقة المرتبطة بالموضوع، فضلاً عن أي شهادات أو مستندات داعمة، مؤكدة أن هذه العناصر مجتمعة قد تشكل قرائن قوية قادرة على حسم النزاع في بعض الحالات.

وبيّنت أن السياق العام للمحادثة قد يكشف مضمون الرسالة حتى في حال حذفها، خصوصاً مع وجود رسائل لاحقة تشير إليها أو تتفاعل معها، ما يمنح المحكمة القدرة على تكوين صورة أقرب إلى الواقع، على الرغم من غياب النص الأصلي.

وأشارت إلى أن حذف الرسائل أو إنكارها لا يُسقط حجيتها متى أمكن إثباتها فنياً أو بقرائن متساندة، مؤكدة أن «العبرة بثبوت الواقعة لا ببقاء وسيلة التعبير عنها»، وهو ما يفتح المجال أمام القضاء للاعتماد على منظومة متكاملة من الأدلة، وليس على عنصر واحد فقط.

ولفتت آل علي إلى أنه من بين الشروط الجوهرية أيضاً، ضرورة ثبوت نسبة الرسالة إلى صاحبها، موضحة أن مجرد وجود محادثة على الهاتف لا يعني بالضرورة أن مالك الجهاز هو من أرسلها، في ظل إمكانية استخدام الحساب من قبل أكثر من شخص، أو تُعرّضه للاختراق أو الانتحال، أو حتى إرسال الرسائل في ظروف لا تعكس إرادة حقيقية.

وأضافت أن أي دليل تم الحصول عليه بطريقة غير مشروعة، كالتجسس أو الاختراق أو التسجيل دون إذن، يُستبعد من الأساس، مهما كان مضمونه، لافتة إلى أن مشروعية الحصول على الدليل تُعدّ شرطاً جوهرياً لا يمكن تجاوزه.

وفي بُعد تقني موازٍ، أكد خبير البيانات، محمد الشحي، أن كثيراً من التصورات الشائعة حول الأدلة الرقمية في النزاعات الأسرية لا تعكس الصورة الكاملة، لافتاً إلى أن الدليل الرقمي في مفهومه الحقيقي لا يقتصر على «لقطة شاشة» لمحادثة، بل يشمل منظومة بيانات متكاملة، تبدأ من الجهاز نفسه، مروراً بالتطبيق، وصولاً إلى النسخ السحابية وسجلات مزودي الخدمة.

وأوضح أن ما يُعرض أمام المحكمة قد يكون، في حالات متقدمة، جهازاً كاملاً أو نسخة رقمية منه، أو سجلات اتصال ورسائل، أو بيانات موقع، أو بيانات وصفية تتضمن توقيت الإرسال، والمنطقة الزمنية، ومعرفات الحساب والجهاز، وسجلات الدخول، وعناوين بروتوكول الإنترنت، مشيراً إلى أن هذه العناصر مجتمعة هي التي تنقل الدليل من مجرد «صورة» إلى «واقعة قابلة للتحقق».

وأضاف أن القيمة الإثباتية للدليل الرقمي ترتبط بدرجة قربه من المصدر الأصلي، موضحاً أنه كلما اقتربت المحكمة أو الخبير من المصدر الحقيقي للبيانات، وجرى توثيق طريقة استخراجها والتحقق من سلامتها، ارتفعت قوتها القانونية، في حين أن لقطات الشاشة أو الصور المعاد توجيهها أو المحتوى المطبوع دون سياق تقني وزمني واضح، تبقى في الغالب قرائن مساعدة لا تكفي وحدها للحسم.

وأشار إلى أن النزاعات الأسرية الرقمية تدور تقنياً حول ستة محاور رئيسة، تشمل أصالة الدليل، وهوية المستخدم الفعلي للحساب، وسلامة عملية الاستخراج، ومدى اكتمال السجل الرقمي، ومشروعية الوصول إلى البيانات، إضافة إلى تفسير السياق الزمني للمحادثة، مؤكداً أن أي خلل في أحد هذه العناصر قد يُضعف الدليل أو يُفقده قيمته بالكامل.

ولفت الشحي إلى أن طبيعة بعض التطبيقات تزيد تعقيد المشهد، موضحاً أن «سناب شات» يعتمد على الحذف التلقائي للرسائل بعد فتحها، في حين أن «واتس أب» يستخدم التشفير التام بين الطرفين ولا يحتفظ عادة بالمحتوى بعد التسليم، ما يجعل الاعتماد على مزود الخدمة للحصول على الرسائل لاحقاً أمراً محدود الجدوى، مقارنة بالاعتماد على الجهاز نفسه، أو النسخ الاحتياطية التي يحتفظ بها المستخدم.

وأكد أن هذا الواقع يجعل «توقيت التعامل مع الدليل» عاملاً حاسماً، إذ إن التأخر في حفظ البيانات أو استخراجها قد يؤدي إلى فقدانها نهائياً، سواء بسبب الحذف التلقائي أو الكتابة فوق البيانات المحذوفة، أو تغيّر حالة السجلات.

وشدد على أن صور الشاشة، على الرغم من انتشار استخدامها، تعدّ من أضعف أشكال الأدلة الرقمية، لأنها لا تتضمن بالضرورة بيانات فنية كافية للتحقق من صحتها، وقد تكون عرضة للتعديل أو الاجتزاء أو فقدان السياق، مشيراً إلى أنها قد تكون مفيدة كقرينة أولية، لكنها تحتاج دائماً إلى ما يدعمها من مصدر أصلي أو تقرير فني.

وأوضح أن البيانات الوصفية تُمثّل في كثير من الأحيان العنصر الحاسم في تقييم الدليل، لأنها تتيح ربط الرسالة بزمن محدد وجهاز محدد وحساب معين، ما يساعد المحكمة على الانتقال من محتوى ظاهر إلى واقعة قابلة للإثبات.

وأضاف أن التعامل غير السليم مع الأجهزة قد يضر بالقضية أكثر مما يُفيدها، لافتاً إلى أن فتح الهاتف وتصفح الرسائل، أو إدخال شريحة جديدة، أو تحديث النظام، أو إعادة ضبط الجهاز، قد تؤدي إلى تغيير البيانات أو فقدانها أو التأثير في حالتها التقنية، وهو ما قد يُستخدم لاحقاً للطعن في الدليل.

وأكد أن «أول خطوة صحيحة في مثل هذه القضايا ليست البحث داخل الهاتف، بل الحفاظ على الدليل كما هو دون أي تدخل قد يغيره»، مشيراً إلى أن الأخطاء التقنية البسيطة في البداية قد تفقد الدليل قيمته بالكامل أمام القضاء.

وبيّن أن كثيراً من القضايا الأسرية لا تُحسم بدليل واحد، بل بمنظومة متكاملة من الأدلة، تشمل الرسائل والمرفقات وسجلات الاتصال والبيانات التقنية، إلى جانب الشهادات والوقائع المرتبطة بها، ما يجعل الرسالة الرقمية جزءاً من سياق أوسع، لا يمكن قراءتها بمعزل عنه.

وأكد أن هذا الواقع يفرض وعياً أكبر لدى الأفراد، بأن الرسائل الرقمية، على الرغم من سهولة إنشائها أو حذفها أو تعديلها، قد تتحول إلى عنصر حاسم في النزاعات، لكنها في المقابل لا يُعتدّ بها قانونياً إلا إذا استوفت شروطاً تقنية وقانونية دقيقة، تضمن سلامتها ومصداقيتها وثبوت نسبتها، بما ينسجم مع توجه القضاء في التعامل المتوازن مع الأدلة الرقمية.

وذكر أن سلامة الدليل الفني تُعدّ ركناً أساسياً، إذ يجب أن يكون محفوظاً دون تعديل أو تحريف منذ لحظة استخراجه، مع إمكانية فحصه من قبل جهة تقنية مختصة، مثل الجهات الجنائية الرقمية، للتحقق من صحته وسلامة مساره، وهو ما يُعرف بسلسلة الحيازة.

وأضاف أن المحكمة تتبنّى نهجاً متوازناً يواكب التطور التقني المتسارع الذي سهّل إنشاء المحتوى الرقمي وتعديله أو حذفه أو حتى انتحاله، وفي الوقت ذاته يضع ضوابط صارمة تضمن عدم بناء أحكام مصيرية على أدلة غير مكتملة أو مشكوك في صحتها، خصوصاً في القضايا التي تمسّ استقرار الأسرة وحقوق أطرافها، مؤكدة أن هذا التوجّه يُعزّز الثقة بالأدلة الرقمية دون الإخلال بالضمانات القانونية.


تقييم رسائل «واتس أب»

نقضت محكمة التمييز في إحدى محاكم الدولة، أخيراً، حكماً لمحكمة الاستئناف في دعوى أحوال شخصية بين زوجين، بعدما تبين لها عدم تقييم رسائل «واتس أب» التي قدّمتها الزوجة لإثبات وقوع الطلاق، ما اعتبرته قصوراً في تقدير الأدلة.

وأحالت المحكمة القضية إلى الاستئناف، مع التوجيه بمراجعة الأدلة الإلكترونية، والتأكد من مدى استيفائها الشروط القانونية اللازمة للاعتداد بها.

وأكدت المحكمة أن الرسائل الرقمية، بما فيها «واتس أب»، قد تحمل قيمة إثباتية في قضايا الأحوال الشخصية، إلا أن قبولها يظل مرهوناً بإخضاعها لفحص دقيق، يشمل التحقق من صحتها، والتأكد من هوية مُرسلها، ومدى توافقها مع معايير الإثبات قبل اعتمادها دليلاً.

السياق العام للمحادثة قد يكشف مضمون الرسالة حتى في حال حذفها، خصوصاً مع وجود رسائل لاحقة تشير إليها أو تتفاعل معها.

أي دليل يتم الحصول عليه بطريقة غير مشروعة، كالتجسس أو الاختراق أو التسجيل، يُستبعد من الأساس، مهما كان مضمونه.

تويتر