مختصون: تُجسّد الفرح المشترك.. والتوزيع يبدأ من المساجد
«العيدية».. موروث اجتماعي يُحفّز «الدوبامين» ويُعزّز الروابط الأسرية
يحمل العيد معه كل عام أجواء الفرح والبهجة، حيث تتجدّد مظاهر الاحتفال والتلاقي بين أفراد الأسرة الممتدة، والجيران والأصدقاء. ومن أبرز هذه المظاهر تقليد «العيدية» التي ترتبط في أذهان الكثيرين بذكريات الطفولة وأيام العيد المملوءة بالفرحة والبهجة، إذ ينتظرها الصغار بشوق كبير منذ الصباح الباكر في أول أيام العيد، كما ينظر إليها الكبار على أنها عادة حسنة تعبّـر عن المحبة والتقدير بين أفراد الأسرة.
وأكد آباء وأمهات: بلال البلوشي ومحمد عادل وشيرين ناصر ونور الحمادي، لـ«الإمارات اليوم»، حرصهم على إسعاد أطفالهم وإضفاء البهجة على أيام العيد، وترك ذكريات لا تُنسى لديهم، من خلال إعداد توزيعات وتغليفات خصوصاً في العيد، وتقديم العيدية في أظرف مبتكرة ومتنوعة، منها شكل المخور للفتيات والكندورة للأولاد، إلى جانب أشكال أخرى متعددة، يحتفظ بها الأطفال ويجمعون فيها أموالهم على مدار العام، ما يُضفي على العيد طابعاً شخصياً مميّزاً لكل طفل، مشيرين إلى أن تقليد منح الأطفال العيدية يبدأ مباشرة بعد صلاة العيد.
وأشاروا إلى اهتمامهم بالحصول على نقود جديدة قبل العيد لتوزيع العيديات منها، إذ ترتبط الأوراق النقدية اللامعة بذكرى فرحة العيد لديهم، حيث كانوا ينتظرونها بشغف، باعتبار أن فرحة العيد لا تكتمل دونها.
وأكد عمر السعدي وحميد الظاهري ومحمد الكثيري وخالد منصور، حرصهم على تقديم العيدية لأمهاتهم وزوجاتهم أيضاً، وعدم قصرها على الأطفال، لإيمانهم بأن العيدية للكبار تعبر عن المحبة والتقدير، وأن منحها يُعزّز روح الاحترام والمودة داخل الأسرة.
وأوضح استشاري الطب النفسي، الدكتور مدحت الصباحي، أن العيدية تتجاوز مفهومها التقليدي في أنها مجرد مبلغ مالي يُقدَّم للأطفال من الآباء والأمهات وأفراد العائلة أو من الزوج إلى زوجته، وتحمل بُعداً معنوياً يُعزّز أجواء البهجة والمودة بين أفراد الأسرة.
وعزا حرص أفراد المجتمع على تقديم العيدية من النقود الجديدة التي لم تُستخدم من قبل إلى طبيعة المجتمع وسعيه الدائم إلى تقديم الأفضل، حيث اعتاد المجتمع على الضيافة والكرم بأشكاله المتعددة، وقد تشكّل هذا السلوك تدريجياً ليصبح جزءاً لا يتجزأ من ثقافته، حتى تجسدت مظاهره في العيدية والسعي إلى إظهار جماليات تقديمها.
وأكد الصباحي أن للعيدية تأثيراً نفسياً واجتماعياً عميقاً، لارتباطها بمشاعر الفرح والاهتمام والتقدير، وبناء ذكريات إيجابية لمرحلة الطفولة .
وأكد استشاري الطب النفسي، الدكتور نوفل إياد، أن العيدية تحمل في طياتها معاني الحب والاهتمام وتُعطي إحساساً للأطفال والكبار بوجود اختلاف بين أيام العيد وبقية أيام السنة، خصوصاً أن نقود العيدية تتميز بأنها جديدة ولم تستخدم من قبل، وهو ما يشجع كثيرين على الاحتفاظ بجزء منها، لتظل ذكراها ملازمة لهم أطول وقت ممكن.
وقال نوفل: «العيدية تُعزّز الترابط بين أفراد العائلة. ومع تبادل العيديات تنتشر الابتسامات وتتجدد أواصر القربى، فيتحول العيد إلى مناسبة يغمرها الدفء الاجتماعي والفرح المشترك»، مشيراً إلى أن «سعادة العيدية لا تقتصر على من يحصل عليها، بل تشمل مانحها أيضاً، فإعطاء العيدية يمنح الشخص إحساساً بالكرم والقدرة على إسعاد الآخرين، ويشعر بأنه يشارك في تقليد اجتماعي يُعزّز التقارب والمحبة، إضافة إلى تحفيز المشاعر الإيجابية، حيث ترفع خصال العطاء مستويات هرمونات السعادة، مثل الأوكسيتوسين المرتبط بالتواصل الإنساني».
بدوره، أشار أستاذ الثقافة والمجتمع في عدد من الجامعات الإماراتية، الدكتور سيف راشد الجابري، إلى أن العيدية تعتبر عادة اجتماعية متجذرة في الثقافة العربية، يقوم خلالها الكبار من الآباء والأمهات والأقارب بتقديم مبالغ مالية أو هدايا وحلوى للأطفال عند قدومهم للتهنئة بالعيد، ويحرص الكثير من الأهالي على تجهيز العيديات قبل حلول العيد بأيام، ضمن مستلزمات العيد الأخرى، حيث يتم سحب مبالغ نقدية من فئات مختلفة وتوزيعها بالتساوي داخل أظرف مزخرفة بعبارات التهنئة. ولا يقتصر تقديم العيدية على الأطفال، بل يشمل الوالدين والزوجات وبعض الأقارب، كتعبير عن التقدير والمودة وإدخال الفرح إلى القلوب.
وقال: «العيدية رمز للمحبة وروح المشاركة التي تميز أيام العيد، كما أنها تُسهم في تعزيز العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة وبين الجيران وأبناء الحي، إذ تترافق مع زيارات المعايدة وتبادل التهاني»، مشيراً إلى أن العيدية تُمثّل جزءاً أصيلاً من فرحة العيد، وترتبط بالموروث الاجتماعي والثقافي.
تاريخ العيدية
أكدت معلمة مادة التاريخ، عزة عبدالله، أن كلمة عيدية مشتقة من كلمة عيد التي تعني «العطاء والمنح»، واستخدمها الناس للإشارة إلى المال والهدايا التي تُقدّم خلال أيام العيد، مشيرة إلى أن العيدية ظهرت في العصر الفاطمي أواخر القرن الرابع الهجري (الـ10 الميلادي)، حين كانت توزع النقود والثياب على عامة الشعب، كما تم تقديمها للأمراء على هيئة دنانير ذهبية وهدايا للأطفال.
وقالت: «عرفت العيدية عبر العصور بمسميات مختلفة، ففي العصر المملوكي عرفت باسم (الجامكية)، وكانت مخصصة لشراء الملابس الجديدة، كما أطلق عليها تسميات أخرى، منها الرسوم والتوسعة والحوامة والقرقيعان والفرحية، كما أن بعض حكام الدولة الفاطمية استخدموا العيدية أيضاً كوسيلة لزيادة رواتب المواطنين خلال الأعياد، ما يعكس أهميتها الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الإسلامية».
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news