يؤدي إلى تراجع الرغبة في الإنجاب أو تأجيله نتيجة ضغوط الحياة

طول ساعات عمل المرأة يؤثر سلباً في معدلات الخصوبة

صورة

رصد تقرير برلماني صادر عن لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والسكان والموارد البشرية، بالمجلس الوطني الاتحادي، تحديات ناتجة عن عدم وجود نصوص قانونية صريحة تُلزم بتقليص ساعات عمل الأمهات المواطنات، لدعمهن وتعزز التلاحم الأسري وجودة الحياة، إضافة إلى عدم وجود معايير ملزمة وموحدة لتصنيف الوظائف القابلة للعمل عن بُعد، ما أبقى قرارات الإتاحة خاضعة لاجتهاد كل جهة اتحادية، مشيراً إلى أن تقارير منظمة العمل الدولية تظهر أن مواءمة الإجازات مع ترتيبات العمل المرن تسهم في رفع معدلات بقاء الأمهات في العمل، وتدعم قرارات تكوين الأسرة واستقرارها على المدى البعيد.

وأظهر التقرير، الذي حصلت «الإمارات اليوم» على نسخة منه، أن التحديات الناتجة عن عدم قدرة بعض الأسر على التوفيق بين مسؤولياتها الأسرية ومتطلبات العمل نتيجة لطول ساعات العمل، تشمل: تراجع دور الوالدين في تربية الأبناء، والإخلال بالاحتياجات الزوجية، وتزايد الاعتماد على العمالة المساعدة، والتأثير سلباً في معدلات الخصوبة والإنجاب، والتأثير في الصحة والرفاه الأسري، إضافة إلى التأثير في سوق العمل والإنتاجية.

وتفصيلاً، أظهر التقرير أن الدولة وضعت العديد من السياسات والمبادرات لمواجهة التحديات المرتبطة بانشغال المرأة بحياتها المهنية وتأثير ذلك في الأسرة، على الرغم من وجود العديد من السياسات والمبادرات التي تهدف إلى دعم الأم العاملة في دولة الإمارات، إلا أن هناك عدداً من التحديات التي لاتزال تواجهها في تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والحياة الأسرية، ومن أبرزها: ساعات عمل المرأة ومرونة العمل، ودعم التوازن بين الحياة الأسرية والعمل، على الرغم من التنظيم المتوازن للمرسوم بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2021 بشأن تنظيم علاقات العمل ولائحته التنفيذية لحقوق المرأة العاملة في القطاع الخاص، حيث يضمن المساواة وعدم التمييز في بيئة العمل، ويوفر مزايا داعمة، مثل إجازة الوضع وفترات الرضاعة، كما يتيح أنماط عمل مرنة (العمل عن بُعد، وتقاسم الوظيفة) تساعد على التوفيق بين متطلبات الأسرة والعمل، مع تحديد ساعات عمل تراعي الجوانب الإنسانية والإنتاجية.

وبيّن التقرير أن المرسوم بقانون اتحادي رقم 49 لسنة 2022 بشأن الموارد البشرية في الحكومة الاتحادية ولائحته التنفيذية يمتاز بمرونته في تنظيم أنماط العمل، عبر اعتماد الدوام الجزئي والمرن والهجين لدعم التوازن بين العمل والأسرة، ويوفر لمجلس الوزراء صلاحية تعديل ساعات العمل بما يتيح إصدار قرارات تنظيمية تراعي احتياجات الأمهات العاملات وتعزز جودة الحياة الأسرية، إلا أنه تبين للجنة عدم وجود نصوص صريحة في المرسومين بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2021 بشأن تنظيم علاقات العمل، ورقم 49 لسنة 2022 بشأن الموارد البشرية في الحكومة الاتحادية، تُلزم بتقليص ساعات عمل الأمهات المواطنات، وتعزز التلاحم الأسري وجودة الحياة، انسجاماً مع توجيهات القيادة الرشيدة.

وأشار التقرير إلى أنه تبين للجنة أن عدم قدرة بعض الأسر على التوفيق بين مسؤوليتها الأسرية ومتطلبات العمل، نتيجة لطول ساعات العمل، يؤدي إلى تراجع دور الوالدين في تربية الأبناء ومتابعتهم علمياً، والإخلال بالاحتياجات الزوجية، ما ينعكس سلباً على استقرار الأسرة، ويعيق تحقيق مستهدفات الدولة في سياستها الوطنية للأسرة ورؤاها المستقبلية، حيث تشير الدراسات العالمية إلى أن ساعات العمل المفرطة ترتبط بارتفاع حدة تضارب الدور بين العمل والأسرة، وبتدهور الصحة النفسية للموظف «كلما زادت ساعات العمل الأسبوعية، ازدادت معدلات الإرهاق والتوتر واضطرابات النوم، وارتفعت صعوبة تمكن الأم أو الأب من أداء الواجبات الأسرية والتربوية بشكل سليم».

ولفت التقرير إلى تزايد اعتماد بعض الأسر على عمال الخدمة المساعدة في إدارة شؤون المنزل وتربية الأبناء، وهو ما يشكل في بعض الحالات مصدر خطر حقيقي على سلامة الأطفال وتكوينهم السليم وارتباطهم بالوالدين، إلى جانب غياب التنشئة الدينية والوطنية والاجتماعية السليمة، ما يهدد بتراجع دور الأسرة في بناء شخصية الأبناء وتعزيز انتمائهم القيمي والمجتمعي، لتظهر نتائج خطرة تمس هوية الطفل ومستقبله، إذ تسجل الإحصاءات - من خلال دراسة مشكلات الأم العاملة في رعاية أطفالها، «الصادرة عن دائرة الخدمات الاجتماعية لحكومة الشارقة» - أن نحو نصف الأطفال يواجهون مشكلات واضحة في النمو اللغوي (49.8%)، بينما يشعر 40% منهم بغياب الحنان الأسري، ويكتسب نحو ثلثهم عادات لا تشبه عادات المجتمع (31.4%)، كما يتعرض 31% منهم للعنف على يد المربية، ويواجه 29.5% خللاً في معتقداتهم وعباداتهم، كما يعاني 25.1% منهم أشكالاً من الإساءة، ما يؤكد أن آثار غياب الأم تتجاوز التحديات اللحظية لتفرض مخاطر متراكمة على صحة ونمو المجتمع بكل أبعاده.

وبيّن التقرير أن عدم قدرة بعض الأســر على التوفيق بين مســؤوليات الأســـرة ومتطلبات العمل بسبب طول سـاعات العمل، يؤثر سلباً في معدلات الخصوبة والإنجاب في الدولة، إذ يؤدي إلى تراجع رغبة الأزواج في الإنجاب أو تأجيله نتيجة لضغوط الحياة اليومية، وصعوبة توفير بيئة أسرية مستقرة، ما يهدد التوازن الديموغرافي، ما قد يعيق تحقيق مستهدفات الدولة السكانية والاجتماعية على المدى الطويل.

وأشارت البيانات الصادرة عن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء إلى أن معدل الخصوبة الكلي للمواطنين في الدولة سجل انخفاضاً ملحوظاً خلال الأعوام من 2021 إلى 2023، حيث بلغ 2.9 طفل لكل امرأة عام 2023، وبلغ 3.1 أطفال لكل امرأة في 2022، في حين بلغ 3.2 أطفال لكل امرأة في عام 2021.

وحذّر التقرير من أن التحديات تتضمن التأثير في الصحة والرفاه الأسري، إذ تواجه النساء العاملات مستويات مرتفعة من الإجهاد النفسي واضطرابات النوم والقلق، ما يؤثر سلباً في الصحة الجسدية والعقلية، ويدفع بعضهن إلى تقليص طموحاتهن أو رفض فرص الترقية، كما ينعكس هذا الضغط على التماسك الأسري وجودة الحياة بشكل عام، إضافة إلى التأثير في سوق العمل والإنتاجية، لأن غياب بيئة العمل الداعمة للأم العاملة يؤدي إلى ارتفاع معدلات الغياب والاستقالات، ويترتب عليه فقدان الكفاءات النسائية الوطنية التي استثمرت الدولة في تعليمها وتأهيلها، كما أن الضغوط النفسية الناتجة عن ضعف التوازن بين العمل والحياة الأسرية تنعكس مباشرة على انخفاض الإنتاجية وجودة الأداء الوظيفي.

و خلال مناقشة موضوع حماية الأسرة ومفهومها وكيانه، بالجلسة قبل الأخيرة للمجلس الوطني الاتحادي، أكدت النائب الثاني لرئيس المجلس الوطني الاتحادي رئيسة لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والسكان والموارد البشرية، مريم ماجد بن ثنية، أهمية وجود الأم بجانب أطفالها في المراحل الأولى من حياتهم، خصوصاً الأطفال من أصحاب الهمم، والأطفال دون سن العاشرة، وكذلك المرأة التي تتولى رعاية والديها في بيتها، وقد طالب المجلس الوطني الاتحادي بأن تمنح أولوية العمل المرن والعمل عن بُعد لهذه الفئات، وأيضاً الحالات الإنسانية الخاصة، مشيرة إلى أن «التوازن بين عمل المرأة وبيتها مطلب مهم، وهذا واضح من السياسة التي تنتهجها وزارة الأسرة منذ إنشائها، فالأم العاملة كادر مهم في مسيرة تنمية دولة الإمارات، ونؤكد أهمية استمرار دورها في العمل الوطني التنموي، سواء في مقر عملها أو عن بُعد، فالعمل عن بُعد لا يقل أهمية عن العمل في المقر».

فيما ذكرت وزيرة الأسرة، سناء بنت محمد سهيل، خلال مناقشة الموضوع ذاته بالمجلس، أن الدراسات تشير إلى أن سياسات العمل لها تأثير مباشر في قرارات تكوين الأسرة ونموها، وتقوم الوزارة حالياً بالاطلاع على السياسات والبرامج المعتمدة محلياً وإقليمياً ودولياً بهدف وضع الحلول المناسبة، وتحقيق التوازن بين العمل والأسرة، بالتعاون مع الشركاء في الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية.

وقالت الوزيرة: «نؤكد أن هذا الموضوع يقع ضمن أولويات وزارة الأسرة، وفي نوفمبر 2025 تم اعتماد الأجندة الوطنية لنمو الأسرة التي كانت فيها محاور رئيسة سيتم العمل بها في (عام الأسرة) والأعوام المقبلة، وأحد هذه المحاور هو محور التوازن بين العمل والمهام الأسرية، وتم إدراج مبادرة ضمن هذا المحور، وهو موضوع أمهات أصحاب الهمم والأطفال ما دون الثامنة».

وتابعت: «نؤكد أن السنوات المبكرة هي سنوات مهمة تتطلب وجود مقدمي الرعاية وأولياء الأمور بجانب الأطفال، وحالياً نعمل على مناقشة هذه السياسات داخلياً تمهيداً لاعتمادها، وهناك مبادرة برنامج علامة الجودة لبيئة عمل داعمة للوالدين، وهو مطبق على مستوى القطاع الخاص، ولدينا رؤية بأن يشمل البرنامج المؤسسات الحكومية أيضاً لكونه حالياً مبادرة تطوعية».

توصيات برلمانية

أوصى المجلس الوطني الاتحادي، خلال مناقشة تقرير حماية الأسرة ومفهوم كيانها، بالموازنة بين مشاركة الأم الإماراتية في سوق العمل ودورها الأسري، من خلال إصدار قرار تنظيمي للجهات الاتحادية يحدد تصنيفاً وطنياً محدداً للوظائف من حيث قابليتها للعمل المرن والعمل عن بُعد، كما يحدد آجالاً زمانية محددة للبت في الطلبات، وتطبيق العمل المرن عن بُعد في القطاعين الحكومي والخاص على نحو ملزم، خصوصاً للفئات ذات الأولوية (الأمهات لأطفال دون 12 سنة، ورعاية كبار السن وأصحاب الهمم)، وتعديل إجازة الوضع في القطاع الحكومي إلى 98 يوماً حداً أدنى مدفوعة الأجر لتتناسب مع الممارسات العالمية، على أن يسمح بتقسيم إجازة الوضع بعد الولادة، خصوصاً في الحالات التي يكون للمرأة فيها أولاد خدج، وتفعيل القرار الوزاري الخاص بإنشاء الحضانات رقم 19 / 2006 في المؤسسات التي لم تلتزم به، إضافة إلى مساواة المرأة العاملة في القطاع الخاص بالقطاع الحكومي من خلال إطلاق برنامج وطني يمنح حوافز (إعفاءات ضريبية، وأولوية في المشتريات الحكومية، وتخفيض رسوم، وتكريم مؤسسي) للمؤسسات التي تعتمد سياسات داعمة للأسرة.

• 40 % من الأطفال يشعرون بغياب الحنان الأسري.

• «الوطني»: غياب معايير ملزمة وموحدة لتصنيف الوظائف القابلة للعمل عن بُعد، أبقى قرارات الإتاحة خاضعة لاجتهاد جهات العمل.

تويتر