شاهد حي على عمق العلاقات الإماراتية الكويتية

سوق مرشد في دبي.. قصة أخوّة راسخة وشراكة تاريخية

في قلب منطقة ديرة العريقة، يقف سوق مرشد شاهداً حياً على مرحلة مبكرة من تاريخ دبي التجاري، ومرآةً لعلاقات أخوية متجذرة جمعت دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت الشقيقة قبل قيام الاتحاد، ففي تلك المرحلة، أسهمت المبادرات الفردية للتجار الكويتيين، وفي مقدمتهم رجل الأعمال مرشد العصيمي، في تنشيط الحركة التجارية وترسيخ جسور التعاون بين البلدين، ليغدو السوق نموذجاً مبكراً للتداخل الاقتصادي والاجتماعي بين الشعبين الشقيقين.

وتعود قصة تأسيس السوق إلى الفترة ما بين عامَي 1944 و1949، حين قدم رجل الأعمال الكويتي مرشد العصيمي إلى دبي وبدأ نشاطه التجاري، واضعاً بذلك حجر الأساس لواحد من أقدم الأسواق التجارية في الإمارة، وقد أُطلق على السوق اسم «سوق مرشد» تقديراً لإسهاماته الريادية.

وفي مراحله الأولى، شكّل سوق مرشد مركزاً رئيسياً لتجارة الجملة والصادرات والواردات، حيث نشطت فيه الحركة التجارية قبل ظهور المراكز التجارية الحديثة، وأسهم في تلبية احتياجات السوق المحلية وربط دبي بمسارات التجارة الإقليمية.

ويتميّز السوق بموقعه الاستراتيجي في قلب منطقة ديرة التاريخية، بالقرب من معالم تجارية بارزة مثل سوق الذهب، وسوق نايف، إلى جانب متحف المرأة الإماراتية، ما يعزز من مكانته كوجهة تجارية وسياحية في آنٍ واحد، كما يضم السوق تنوعاً واسعاً من المنتجات، تشمل العطور، والأقمشة، والتوابل، والحُلي، والتحف، والإلكترونيات، وغيرها الكثير.

ومن أبرز ما يميز سوق مرشد في دبي أيضاً أسعاره التنافسية التي تجذب المتسوقين والتجار على حد سواء، إضافة إلى الأجواء التراثية التي تعكس الثقافة الإماراتية والعربية، وسهولة الوصول إليه عبر المواصلات العامة.

ولا يزال سوق مرشد يحظى بشعبية كبيرة، مستقطباً الزوار والسياح من مختلف أنحاء العالم، في ظل جهود متواصلة لتطوير المنطقة التراثية في ديرة من خلال مشاريع تعزز بيئة المشاة وتحافظ على الطابع التاريخي، وترسخ حضورها كوجهة سياحية بارزة.

أما مرشد العصيمي، فقد وُلد في عشرينيات القرن الماضي، وغادر الكويت عام 1944 متجهاً إلى دبي بحثاً عن فرص الرزق والعمل، ليصبح لاحقاً واحداً من أبرز التجار المعروفين في الإمارة، حيث بدأ نشاطه في تجارة الأخشاب، قبل أن يوسّع أعماله لتشمل العقار والتجارة والترفيه، وافتتح أول دار سينما في ديرة عام 1956.

ولم يقتصر دور العصيمي على المجال التجاري، بل كان له إسهام بارز في المجال التعليمي والإداري، إذ لعب دوراً مهماً في عمل "مكتب الكويت في دبي" قبل افتتاحه الرسمي عام 1963، كما أسهم في دعم بدايات التعليم النظامي في دبي، حتى لُقّب بـ«أبو المعلمين» تقديراً لدوره الإنساني مع المعلمين.

وقد أشار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في كتابه "قصتي.. 50 قصة في خمسين عاماً"، إلى رجل الأعمال الكويتي مرشد العصيمي في فصل «غزو الشقيق»، ضمن عرضه لأمثلة التعاون بين البلدين في مرحلة ما قبل اتحاد الإمارات.

ويقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في كتابه: "الكويت لم تكن بالنسبة لنا في الإمارات وفي دبي دولة أخرى. الكويت كانت في الحقيقة جزءاً من حياتنا. كانت جزءاً من حياة أغلب مواطنينا؛ من طفولتهم، من دراستهم في مدارسها، من علاجهم في عياداتها، حتى من حياتهم الاقتصادية".

ويضيف سموه: "لا يعرف الكثيرون أن سوق مرشد، أحد أكثر الأسواق الشعبية شهرة في دبي سُمّي على اسم رجل أعمال كويتي فاضل هو مرشد العصيمي، وأن التعليم النظامي دخل دبي عن طريق مدرسين من الكويت".

وهكذا، لا يمثل سوق مرشد مجرد سوق شعبي في دبي، بل يحكي قصة أخوّة راسخة، وشراكة تاريخية، وتكامل إنساني واقتصادي امتد لعقود، وجسّدته شخصيات صنعت فرقاً، وأسهمت في بناء جسور متينة بين الإمارات والكويت، لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

 

 

 

تويتر