«أموال الزوجة» مصدر خلافات لغياب التفاهم والاتفاق على الإنفاق

رجال يستغلون زوجاتهم مالياً.. ونساء يرفضن الإسهام في نفقات الـمنزل

صورة

نظرت محاكم بالدولة دعاوى عدة مرتبطة باستغلال أزواج لدخول زوجاتهم أو استيلائهم على أموالهن دون وجه حق، منها دعوى أقامتها امرأة أخيراً تتهم فيها زوجها بالاستيلاء على مركبتها الجديدة، وتطالبه برد قيمتها قرابة 200 ألف درهم، وأخرى ادعت أن زوجها استولى من محفظة نقودها على 24 ألف درهم خلال زواجهما، ورد 13 ألفاً فقط، وبادرت إلى مقاضاته لهذا السبب.

كما أقامت امرأة دعوى قضائية ضد طليقها تطالبه بأن يؤدي لها 275 ألف درهم قيمة نصيبها في حساب بنكي مشترك بينهما، فتحاه خلال فترة زواجهما، وقضت المحكمة بأحقيتها في ذلك.

وأثارت هذه المنازعات وغيرها تساؤلات بشأن الشكل الأنسب للعلاقات المالية بين الأزواج، وهل من حق الزوج التغول على دخل زوجته، أو إلزامها بالإسهام من راتبها في نفقات المنزل، ومدى استعداد النساء لذلك.

وتفاوتت ردود عينة من الزوجات التقتهن «الإمارات اليوم» فمنهن من رفضن قطعياً الإسهام في أي من نفقات المنزل، معتبرات أنهن يوفرن على الزوج نفقاتهن الشخصية التي يتكفلن بها من رواتبهن، ومجموعة أخرى من النساء رأين أن بالإمكان الإسهام في المصروفات الأساسية مثل تعليم الأبناء لو عجز الزوج عن ذلك، وزوجات أخريات أكدن أن الإسهام واجب في ظل وجود شراكة بين الطرفين ومسؤولية يجب أن يتحملاها معاً.وكما اختلفت ردود النساء، تفاوتت كذلك إجابات الرجال من العينة العشوائية، فهناك من أكد بشكل قاطع أنه قد يقترض من غرباء إذا اقتضى الأمر ذلك، ولن يطلب من زوجته المساعدة، فيما أفاد آخرون بأنها ملزمة بالإسهام في نفقات المنزل في ظل انشغالها عن أسرتها بالعمل، بينما يرى فريق ثالث أنه قرار شخصي للزوجة، فإذا أرادت الإسهام فهذا كرم منها، وإذا لم ترغب في ذلك فهو حقها.

وتناول رئيس محكمة الأحوال الشخصية في دبي، القاضي خالد الحوسني، المسألة بكثير من الوضوح، فأكد أن الرجل مسؤول عن الإنفاق بحكم الشرع والقانون، لكن يجب أن يبنى هذا الأمر على توافق من البداية قبل إتمام الزواج، وبما يحقق مصلحة الأسرة، مشيراً إلى أنه مع خروج المرأة للعمل، لكن مع مراعاة مصلحة الأسرة في ذلك.

وكشف أنه بناء على واقع دعاوى الأحوال الشخصية ذات الصلة، فإن الخلافات الناتجة عن هذه المسألة تختلف من حالة لأخرى، فهناك رجال يستولون على رواتب زوجاتهم ودخولهن بحجة القوامة، وهناك آخرون يعتبرون أن أي درهم تنفقه الزوجة قيد في رقابهم، مؤكداً أن العلاقة المرتبطة بالمسائل المادية ودخل الزوجة يجب أن تبنى على قيم الفضل والمودة والرضا وليس المصلحة أو الاستغلال.

وتفصيلاً، رصدت «الإمارات اليوم» دعاوى قضائية تتهم فيها نساء أزواجهن السابقين باستغلالهن مادياً خلال الزواج واستيلائهم على أموالهن أو رواتبهن، في سلوك يمثل أحد الأسباب المتكررة للخلافات الزوجية بحسب واقع هذه الدعاوى.

وشملت الدعاوى، قضية طالبت فيها امرأة طليقها بأن يؤدي لها 350 ألف درهم مع الفائدة القانونية، بعد اكتشافها أنه سحب هذا المبلغ من حسابهما المشترك دون علمها، وحكمت المحكمة لمصلحتها في النهاية وقضت بأن يؤدي لها مبلغ 274 ألفاً و669 درهماً، بعد أن أثبتت استغلاله لها مادياً.

ووصل الخلاف في دعوى أخرى إلى اتهام أكثر تعقيداً، وهو استيلاء رجل على مبلغ مالي من محفظة زوجته، وهو 24 ألف درهم ورده 13 ألف درهم فقط بحسب أقوال الزوجة.

ووجهت له المحكمة اليمين الحاسمة، فحلف أنه لم يستول على المبلغ، أو يعدها برد المتبقي منه، وأن ذمته غير مدينة لها، فقضت المحكمة برفض الدعوى.

وفي دعوى ثالثة أشارت الزوجة إلى استغلالها من قبل زوجها باستيلائه على مركبتها الجديدة ورفض إعادتها لها، وطالبته بـ190 ألف درهم قيمة المبلغ المترصد في ذمته من ثمن المركبة، لكنها لم تقدم المستندات الكافية لإثبات الدعوى.

وأثارت هذه الدعاوى وغيرها، تساؤلاً حول الحدود الفاصلة بين أموال أو دخل الزوجة، وسلطة الزوج عليها، أو استيلائه على هذا الدخل أو جزء منه، وكذلك مدى إمكانية إسهام المرأة في نفقات المنزل.

وقال رئيس محكمة الأحوال الشخصية في دبي، القاضي خالد الحوسني، لـ«الإمارات اليوم» إن المسائل المادية من الأمور المهمة التي يجب حسمها من البداية تفادياً لوقوع أي خلافات مستقبلية، وتحديداً في ما يتعلق بعمل المرأة، إذ يجب أن يكون الطرفان على وفاق كامل بذلك.

وأضاف أنه شخصياً يساند عمل المرأة ويطبق التجربة، في ظل التزامها الكامل بواجباتها الزوجية والأسرية، لأن هذه هي المهمة المقدسة الأولى، إذ تتحمل المرأة أدواراً داخل المنزل لا يمكن أن يلعبها الرجل أو أي طرف آخر، ولاشك أنه من غير المنطقي أن تشغل أم وظيفة تستدعي سفرها شهرين أو ثلاثة بعيداً عن أطفالها وزوجها، مؤكداً أن المنزل عبارة عن منظومة تقوم على واجبات وحقوق لكل طرف، فإذا اختل أحد أركانها فشلت هذه المنظومة.

وأكد أنه بحسب الشرع والقانون تقع مسؤولية الإنفاق على الرجل، لكن هذا لا يمنع أن تسهم الزوجة في نفقات المنزل بنسب معقولة إذا ارتضت ذلك، مشيراً إلى أن العلاقة بين الطرفين يجب أن تستند إلى الآية الكريمة «ولا تنسوا الفضل بينكم» وليس إلى المصلحة أو الاستغلال.

وشدد على ضرورة أن يستوعب الرجال جيداً أن الأصل هو تحملهم مسؤولية المنزل مادياً، وأن إسهام الزوجة لا يمكن أن يعني بأي حال من الأحوال أن يستولي على أموالها ويستخدمها في أعماله الخاصة مثل التجارة أو غيرها على أساس «القوامة».

وأوضح أن المرأة بحكم العشرة تعرف جيداً إذا كان الرجل لئيماً أو كريماً، فهناك زوج - بكل أسف - كلما أعطته المرأة يزداد لؤماً، وهناك نموج مختلف، يعتبر أن أي درهم تنفقه زوجته في المنزل قيد في رقبته. ولفت إلى أن هناك في المقابل وبحكم خبرته في هذا المجال، امرأة إذا خرجت إلى العمل وبدأت تستقل مادياً تنقلب على زوجها ومنزلها وتعتبرهما عملاً هامشياً، مؤكداً أن نجاح المرأة في عملها وفشلها في بيتها يطلق عليه «النجاح الفاشل» لأن الدور الأساسي المنوط بها هو بناء أسرة ناجحة مستقرة تكون بمثابة عمود الخيمة بها.

وقال الحوسني «إن من الضروري وجود تفاهم ومساحة من الود والعدل في ما يتعلق بالواجبات المادية، فالبيت في نهاية الأمر شركة بين طرفين، يجب ألا يستغل أحدهما الآخر بأي شكل من الأشكال.

إلى ذلك، تفاوتت ردود نساء عاملات حول موقفهن من الإسهام في نفقات المنزل، أو مساعدة الزوج في تلبية احتياجات الأسرة وانقسمت إلى ثلاث إجابات رئيسة، فحسمت «عائشة.أ» موقفها، بقولها: «من المستحيل أن أسهم في نفقات المنزل أو أعطي زوجي درهماً من راتبي»، يكفي أنني أتحمل مسؤولية نفسي، ولا أطلب منه الإنفاق على احتياجاتي الأساسية مثل الملابس أو المقتنيات الأخرى، إلا إذا جلب لي شيئاً على سبيل الهدية.

وأضافت أن الإسهام في نفقات المنزل سوف يدفع الزوج إلى التواكل، وربما يعتاد ذلك، مشيرة إلى أنه مسؤول في نهاية الأمر عن الإنفاق، وبيننا شبه اتفاق ضمني على ذلك قبل الزواج، مشيرة إلى أنها تعتبر أن علاقاتها المادية مع زوجها على أفضل ما يكون، وبينهما مساحة من التفاهم.

بينما ذكرت «فاطمة.م»: «يمكن أن أسهم في الاحتياجات الأساسية فقط لو عجز زوجي عن الوفاء بها جميعاً مثل تعليم الأبناء»، لكن ليس في ما عدا ذلك، عازية ذلك إلى أنها تحرص على إلحاق أبنائها بأفضل المدارس، ولا شك أن هذا قد يمثل عبئاً على الزوج، لذا لا تجد غضاضة في ذلك فعملها وعمل زوجها في نهاية الأمر لمصلحة أبنائهما.

واختلفت «إيمان.أ» معهما قائلة: «سوف أشاركه بالتساوي نفقات المنزل، لأنها مسؤولية مشتركة، ونزولي إلى العمل يحتم علي ذلك»، لافتة إلى أنها متسقة مع نفسها وتدرك جيداً أن نزولها إلى العمل سيؤثر بشكل حتى لو كان بسيطاً على واجباتها في المنزل الذي يحرص زوجها على مشاركتها معها، لذا ليس من العدل أن ترفض الإسهام في نفقات المنزل، فهذه أبسط قواعد المساواة التي يجب أن تلتزم بها المرأة العاملة.

وتفاوتت آراء الرجال كذلك، فيجزم سعيد علي أنه لا يمد يده إلى درهم واحد من نقود زوجته، رغم أنها تحاول أحياناً المبادرة بالدفع حين يخرجان سوياً أو أثناء سفرهما، مشيراً إلى أنه يسمح لها بذلك في حدود ضيقة حتى تشعر بقيمة ما تكسبه، لكنه في واقع الأمر يقترض أحياناً من أصدقائه ولا يلجأ إليها طلباً للمال.

من جهته، قال «عمرو. م» إنه يتحمل نفقات المنزل قدر استطاعته، لكن هناك مساحة من الود والمسؤولية المشتركة مع زوجته، التي تبادر بسد النقص إذا استلزم الأمر ذلك، أو على الأقل الوفاء بالالتزامات الفرعية تجاه الأبناء، مشيراً إلى أن الواقع يفرض عمل الزوجة في الوقت الراهن، وإسهامها وقت الضرورة في نفقات المنزل، لكن يجب ألا يستغل الزوج ذلك تقديراً لذاته على الأقل. واختلف بسام علي مع الفريقين السابقين، مشيراً إلى أن نزول المرأة إلى العمل يقتضي تخليها عن أدوار ستفرض بالضرورة نفقات إضافية، مثل وجود مربية للأطفال، أو شراء طعام من الخارج بمعدل أكبر، لذا من الطبيعي أن تسهم في نفقات المنزل، وهذا لا يخل بقيمة الرجل، لأنها في النهاية مسؤولية مشتركة ويجب أن يتحملها الطرفان.

شراكة بين الأزواج الأجانب.. حساسية بين العرب

قال مدير إدارة الأحوال الشخصية في محكمة الأحوال الشخصية في دبي حمد محمد الجناحي إن من الضروري مناقشة هذا الأمر بقدر من الشفافية حسب الواقع الذي ترصده المحكمة، مشيراً إلى أن الشرع واضح بشأن عدم جواز أن يأخذ الزوج راتب زوجته، إلا إذا قرر المشاركة عن طيب خاطر، لافتاً إلى أن من حق الزوجة أن تلجأ إلى المحكمة إذا لم ينفق عليها زوجها، لكن لا يمكن أن يأتي الزوج للسبب ذاته، حتى لو كانت زوجته تعمل وهو غير ذلك.

وأضاف أنه من البداية يجب أن يكون هناك اتفاق واضح بهذا الشأن، وليس تأجيله لما بعد الزواج، فمن غير المنطقي أن يأتي رجل إلى المحكمة بعد 10 سنوات متهماً زوجته بالتقصير في حقه وشؤون أولاده، لانشغالها في العمل، كما يجب أن يتفقا على تدبير أمر المنزل معاً.

وأشار إلى أن الجاليات الأجنبية ربما تكون أكثر تفاهماً في هذا الصدد، فالزوجان يتشاركان المسؤولية المادية كاملة، سواء إيجار المنزل، أو نفقات الأطفال وغيرها من المسؤوليات المادية، لذا تكون خلافاتهما أقل حدة عند الانفصال، لأنهما شريكان حقيقيان من البداية، ولا يتخلى أي منهما عن واجبه بعد طلاقهما. وتابع أن الأجانب يتعاملون بشيء من الموضوعية، فإذا اقترض الرجل أموالاً من زوجته، تترصد في ذمته، ويردها دون حساسيات أو شعور بالإهانة، فيما يختلف الأمر مع الجنسيات العربية، إذ يكون أكثر حساسية ويصل إلى المحاكم أحياناً.

■ بالشرع والقانون.. مسؤولية الإنفاق على الرجل ولا يمنع أن تسهم الزوجة فيه إذا ارتضت ذلك.

■ رجال يستولون على رواتب زوجاتهم ودخولهن بحجة القوامة، وآخرون يعتبرون أي درهم تنفقه الزوجة قيداً في رقابهم.

■ نساء يختلفن حول مسؤوليتهن عن الإسهام.. ورجال يحرّمون أموال الزوجة على أنفسهم.

طباعة