تبناها مجلس حكماء المسلمين.. 5 توصيات إعلامية لمواجهة «خطاب الكراهية» في العالم العربي

أنهى المؤتمر الإعلامي الثاني لمجلس حكماء المسلمين، أعماله مساء اليوم في العاصمة الأردنية عمّان، بتبنّي 5 توصيات، شملت، «تفعيل مدوّنة العشرين باعتبارها مرجعاً مؤثراً في سلوكيات العمل الإعلامي، التأكيد على وسائل الإعلام بالدفع نحو المصالحات وتقريب وجهات النظر بين الشعوب العربية وتكريس خطاب التضامن والتكافل مدخلاً لحل الخلافات، إيلاء اهتمام إعلامي أكبر بالقضايا الإنسانية، ولاسيما في فترة الجوائح والأوبئة والنزاعات، والتركيز على مشاكل الشعوب وقضايا اللاجئين والمساعدات الإنسانية».


كما تضمنت التوصيات «تشجيع وسائل الإعلام المختلفة على إحياء يوم الأخوّة الإنسانية المقرر من الأمم المتحدة في الرابع من فبراير من كل عام، وكذلك أسبوع الوئام بين الأديان المقرر في الأسبوع الأول من فبراير من كل عام، وأخيراً تأسيس ائتلاف إعلامي عربي يعمل على تفعيل مدوّنة العشرين لمبادئ العمل الإعلامي والاستفادة منها».
وشهد اليوم الختامي للمؤتمر، الذي عقد برعاية صاحب السمو الملكي الأمير غازي بن محمد، عضو مجلس حكماء المسلمين، كبير مستشاري جلالة الملك عبد الله بن الحسين، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، وبالشراكة مع المركز الكاثوليكي للإعلام، تحت عنوان "إعلاميون ضد الكراهية"، ثلاث جلسات نقاشية، الأولى تناولت آليات وسبل "احتواء وباء كورونا واحتواء خطاب الكراهية في الإعلام العربي"، والتي أكد خلالها الكاتب والمفكر الإماراتي، د. يوسف الحسن، أن جائحة "كورونا" والكراهية، كلاهما يمثلان فيروساً شديد العدوى، لافتاً إلى أن الجائحة التي يعيشها العالم حالياً شكّلت تحدياً كبيراً أمام مختلف الشعوب والدول حول كيفية احتوائها وقائياً وعلاجياً.


وقال  الحسن، خلال الجلسة التي أدارتها الإعلامية الجزائرية سهام عبد القادر،: "الإعلام كان له تأثير كبير وقت الجائحة بنجاحه في إيصال المعلومات والتوجيهات والرسائل الصحية والوقائية والمجتمعية للناس، وبالرغم من عدم وجود أية دراسة عربية في رصد دور الإعلام العربي في مواجهة الجائحة، إلّا أنني من خلال متابعتي لهذا الأمر أستطيع القول بأن الخطاب الإعلامي نجح في إبراز جهود كافة الفرق التي واجهت الفيروس، لكن ومع ذلك أظهرت الجائحة قصوراً إعلامياً واضحاً يتعلق بغياب نظام الإنذار الإعلامي للتحذير من مخاطر الجوائح وتبعات ظهور أمراض حيوانية المنشأ، وكذلك ضعف الخطاب الإعلامي في رصد وتقديم صورة حقيقية عن معاناة الناس من آثار العزلة الاحترازية والتي كانت لها تأثيرات نفسية وسلوكية كبيرة على غالبية البشر".


وأضاف: "مثلما أجبرتنا جائحة كورونا على العزلة، فإن الكراهية كذلك تدعو إلى عزلة يتوقف خلالها الإنسان عن التواصل مع الغير وتقوده إلى الخوف من الآخر، لكن الإعلام تعلّم خلال مواجهته الجائحة درساً شديد الأهمية مفاده ضرورة الاهتمام بما يتعلق بحق الإنسان في الحياة، وأهمية التضامن والتعايش الإنساني، وهي أمور تتنافى مع الكراهية التي تلفظ التعايش".
وأشار الحسن إلى أنه لا يمكن قصر تعريف التسامح على العفو، لكنه في الأساس يقوم على احترام الآخر وقبول الاختلاف، وهي أسس قنّنتها دولة الإمارات وأسست لها منذ قيام الاتحاد وحتى جعلت منها حقيبة وزارية ذات مهام مجتمعية ومسؤولية سياسية، موكداً آن الكثير من الدول لازالت تعاني إشكالية افتقاد المعرفة بالآخر لقبول التعايش معه.


وتحدّث المفكّر الإماراتي عن عدداً من العوامل التي من شأنها تغذية خطاب الكراهية، أهمها بروز خطاب التضليل الإعلامي، والذي نشأ من رحم نظم طائفية تستنزف وعي الناس بالأكاذيب والفبركة لمحو الذاكرة، مشدداً على ضرورة نزع التضليل من اللغة الإعلامية واستبداله بخطاب فلسفة التسامح الحقوقي والأخلاقي والسياسي مع الآخر.


وفي مداخلته أشار رئيس تحرير صحيفة وقناة التيار السودانية، عثمان ميرغني، إلى وجود طريقين لمعالجة خطاب الكراهية، الأول يتمثل في التصدي لها من خلال التشريعات عبر فرض العقوبات المغلظة بحق معتنقى ومروجي هذا الخطاب، بينما الثاني هو الاحتواء من خلال وضع مواثيق الشرف الإعلامي، التي تساهم في رفع الوعي بأنماط الكراهية، وتٌعلّي أسوار "العيب الإعلامي"، ما يؤدي إلى توسيع قاعدة احتواء الكراهية.


 وأكد ميرغني أنه يجب كذلك العمل على رفع الوعي بأنماط خطاب الكراهية، الذي ينقسم إلى نوعين، حسب تصنيفه، الأول "كراهية مستترة" تقدم في شكل كلام عن الجنسية أو العرق أو الدين أو اللون أو اللغة أو الجندر، بينما يتمثل الثاني فيما يعرف بـ"الكراهية المقدسة" التي تعتمد على مشكلة تأويل النصوص الدينية، داعياً إلى ضرورة التزام المؤسسات الإعلامية بتعلية "أسوار العيب الإعلامي" من خلال امتلاك شجاعة الاعتذار عن خطاب الكراهية.
وقال: "يجب أيضاً توسيع قاعدة احتواء خطاب الكراهية، من خلال تخصيص منح وجوائز إعلامية ضد الكراهية، وإضافة خطاب الكراهية إلى المقررات الدراسية، وتخصيص أسبوع مناهضة خطاب الكراهية."
من جانبه أكد الإعلامي المصري وعضو مجلس النواب، مصطفى بكري، أن دولة الإمارات خطت خطوات سبّاقة ومهمة لتعزيز قيّم التسامح و التعايش مع الآخر، وكذلك الوضع في دول مثل مصر والمملكة الأردنية، مشيراً إلى أن هذه الخطوات تعكس تاريخ التسامح في العالم العربي منذ فجر الإسلام.
ورفض بكري تحميل العالم العربي أو الأمة الإسلامية مسؤولية تنامي خطابات الكراهية أو العنصرية في العالم، قائلاً: "قيمنا الدينية تنبذ الكراهية، وبالنظر إلى أكبر الجرائم الإنسانية والمجازر التاريخية التي شهدها العالم ستجد أن المسلمين والعرب لم يكونوا طرفاً فيها".


وأضاف بكري: "الحقيقة تقول أن العالم الغربي هو من حرض على نشأة  التيار السياسي الإسلامي، وهو المسؤول عمّا حدث مع الشعب العراقي وما يمارس من عنصرية ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، ومن ثم فإن الغرب والولايات المتحدة أصحاب المسؤولية الحقيقية عن عن العنف والتطرف ودعم تيار الإسلام السياسي، بينما نحن أمة نشأت على الحب واحترام الإنسان الذي كرّمه الله دون نظر لمعتقده ولونه.


وثمن بكري دور دولة الإمارات العربية المتحدة في تعزيز منظومة التسامح والتعايش، وإنشاء الوزارات والمؤسسات الداعمة لذلك، وكذلك ما تقدمه المملكة الأردنية الهاشمية ومصر من رسائل واضحة عن التسامح، قائلاً: "لسنا مسؤولين عن فعل أفراد او فئات بعينها، ويجب علينا إعادة النظر في مسألة جلد الذات واتهامنا بالمسؤولية عن تصاعد خطاب الكراهية، فنحن بريئون منه تماماً وإعلامنا برئ من خطاب الكراهية.
فيما أكدت الناشطة الأردنية في مجال حوار الأديان وشؤون المرأة، تهاني حلمي، أن فيروس كورونا ساعد كثيراً في بداية تفشيه والعزلة التي فرضها على شعوب العالم، ساهم كثيراً في تصاعد العنصرية وبث خطاب الكراهية بحق الفئات المهمشة، لكن وسائل الإعلام سرعان ما تداركت الخطيئة، فاعتنقت الخطابات التوعوية والخدمية والإنسانية، ما ساعد على تغيير أفكار واتجاهات الناس، وهي أمور يجب إعادة استغلالها لمواجهة خطابات الكراهية مع الآخر.
وناقشت الجلسة الخامسة "التشريعات القانونية والمواثيق الإعلامية وأثرها في مواجهة خطاب الكراهية"، حيث أكد خلالها رئيس شبكة "إرم نيوز"، تاج الدين عبدالحق، أن الخطاب الإعلامي التقليدي يواجه العديد من التحديات، أهمها أنه مجرد صدى للمشكلات الاقتصادية والسياسية، لكن مع ذلك فإن تحميل الإعلام مسؤولية تنامي خطاب الكراهية أمر غير منطقي، لاسيما وأن المؤسسات الإعلامية تعمل وفق أطر وضوابط لتنظيم العمل الإعلامي.


وقال عبد الحق: "ما حدث هو دخول وسائل التواصل الاجتماعي في المشهد الإعلامي، والاضطرار إلى التعامل معها"، مشدداً على أن الإعلام التقليدي لا يمكنه مواجهة الانفلات على وسائل التواصل الاجتماعي واستخدامها الإثارة لجذب الجمهور وغير ذلك، ولا يجب السكوت عن استمرار وتزايد هذه التجاوزات بحجة حرية التعبير.


وأشارت الإعلامية اللبنانية، لور سليمان، إلى أن ضرورة مواجهة خطاب الكراهية عبر سن التشريعات والقوانين التي تفرضها الدولة وتطبقها، ن الاكتفاء بمواثيق الإعلام لن يحقق شيئاً كونها لا تطبق.
وقالت: "العمل الإعلامي حالياً يسير وفق قناعات أخلاقية تضبط محوره، ولذلك فإن خطاب الكراهية يختلف من شخص لآخر، ففي لبنان مثلاً توجد ١٨ طائفة تتعايش مع بعضها البعض، ولكن باتت هناك لغة سياسية تعمل على التحريض على الكراهية بمعنى أن الساسة هم من يتسببون في ذلك".


فيما حمّلت الإعلامية التونسية، هاجر التليلي ، المؤسسات الإعلامية المسؤولية عندما تحض علي الكراهية من خلال استضافة شخصيات تستخدم خطاب الكراهية.
بينما أكد الإعلامي المغربي، سعيد الريحاني، أن دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية الهاشمية تبنتا قوانين وتشريعات تحد من خطاب الكراهية التي تضر بالدول والمجتمع، معتبراً آن هذه الخطابات لا تعد سلوكاً شخصياً وإنما ممارسة يجب مواجهتها بسن قوانين تواجه هذا الخطاب.


وقال الريحاني: "إن المعركة تبدأ من الأسرة والمدرسة ورجال الدين لمواجهة خطاب الكراهية، ومن بعدهم وسائل الإعلام التي أسهم الكثير منها في تفكيك أوطان لخدمة تيارات متطرفة، فباتت هناك مؤسسات تستثمر في خطاب الكراهية وتبثه بشكل يومي"، مشيداً بتوقيع وثيقة الإخوة الإنسانية باعتبارها حجر أساس يمكن بناء الثقة بين الحضارات عليه.

طباعة