العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    خبراء: تطوير العلاقات مع الصين يعزّز مكانة الإمارات على خارطة التنمية والتكنولوجيا والسياحة العالمية

    "المسافة لا تفصل الأصدقاء الحقيقيين، وآلاف الأميال لا تمنع تقارب القلوب".. مثل صيني برهنت أبوظبي وبكين على حقيقته، من خلال تنامي العلاقات الإماراتية – الصينية المشتركة بوتيرة متسارعة، نظراً لعمق جذورها، والرغبة في تلبية المصالح المشتركة لكلا الشعبين، وحرص قيادتي الدولتين على الوصول بالعلاقات الثنائية إلى مرحلة التكامل الاستراتيجي الشامل.

    وبحسب خبراء وأكاديميين فإن تطوير العلاقات بين البلدين يشهد مرحلة غير مسبوقة وتتسم بخصوصية فريدة، من خلال استعادة مشروع "الحزام والطريق" الذي طرحه الرئيس الصيني شي جين بينج عام 2013، والهادف إلى بناء شبكة للتجارة والبنية الأساسية، تربط قارة آسيا مع قارتي أوروبا وإفريقيا، تحت مسمى "طريق الحرير"، مؤكدين أن دولة الإمارات تعوّل كثيراً على المبادرة الصينية لتعزيز مكانتها على الخريطة الاقتصادية العالمية، حيث إن موانئ دبي العالمية تمتلك حوالي 20 محطة تشمل 6 في جنوب آسيا، و4 في الصين، ودول أخرى مثل تايلاند وفيتنام وكوريا الجنوبية وإندونيسيا، بالإضافة إلى الاستثمارات الإماراتية في منطقة قناة السويس بجمهورية مصر العربية.

    وبدأت العلاقات الراسخة بين دولة الإمارات وجهورية الصين، رسمياً في الثالث من ديسمبر 1971 (بعد يوم واحد فقط من قيام دولة الإمارات)، حينما بعث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، برقية إلى رئيس مجلس الدولة الصيني آنذاك، شو إن لاي، يبلغه فيها بقيام الدولة، وردّ "شو إن لاي" ببرقية تهنئة، أكد فيها اعتراف الصين بدولة الإمارات، إيذاناً ببدء علاقة بين البلدين اتسمت بالتطور المستمر.

    فيما بدأت العلاقات الدبلوماسية بين أبوظبي وبكين في الأول من نوفمبر 1984، عندما قام وزير الخارجية الصيني آنذاك وو جوكيان بزيارة رسمية إلى العاصمة الإماراتية، وفي العام 1985، افتتحت الصين سفارة لها في أبوظبي، وبعد نحو عامين، افتتحت الإمارات سفارتها في بكين ، وفي عام 1988، افتتحت الصين قنصلية لها في دبي، وافتتحت الإمارات 3 قنصليات عامة في الصين، الأولى في هونغ كونغ في العام 2000، والثانية في شنغهاي عام 2009 ، وأخرى في غوانغجو عام 2016

    وساهمت الزيارات المتبادلة المستمرة التي قام بها مسؤولو وقادة البلدين في دفع العلاقات الدبلوماسية الصينية الإماراتية إلى الأمام، منذ بدايتها، وكانت أولى هذه الزيارات تلك التي قام بها الرئيس الصيني السابق يانغ شانغ كون في العام 1989 إلى الإمارات، لتتوالى بعد ذلك الزيارات الرسمية بين البلدين .

    وخلال الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني "شي جين بينغ" لدولة الإمارات عام 2018، رفع البلدان علاقاتهما الثنائية إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة (أعلى مستوى للعلاقات الدبلوماسية الصينية)، كما قام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بزيارة بكين في يوليو  2019 تلبية لدعوة الرئيس الصيني

    ويشير الخبراء إلى أن الإمارات والصين ترغبان في توسيع نطاق الاستثمار وإمدادات الطاقة وحجم التجارة الثنائية، وتعزيز التبادلات والتعاون الثنائي في مجالات التمويل، والطاقة الإنتاجية، والتكنولوجيا وغيرها من المجالات، ودعم التعاون مع الشركات الصينية لجعل التعاون الصيني الإماراتي النموذج الأمثل للتعاون بين دول العالم، وهو أمر أكدت عليه وزارة الاقتصاد بأن "الصين رائدة في تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس، وأن بلاده تسعى لأن  يكون هناك تعاوناً في هذا المجال يحقق الفوز المشترك للبلدين".

    وفيما يخص عدد الاتفاقيات والزيارات الرسمية بين الإمارات والصين قالت الوزارة: "إن عدد الاتفاقيات الموقعة بين البلدين الصديقين يقدر بأكثر من 50 اتفاقية ومذكرة تفاهم خلال الفترة من 2010 حتى النصف الأول من 2019، أبرزها اتفاقية التعاون الاقتصادي والفني، والتي تأسست بموجبها اللجنة الاقتصادية المشتركة بين البلدين، وأيضاً اتفاقيات حماية الاستثمار وتجنب الازدواج الضريبي، واتفاقية التعاون الثقافي، وغيرها من الاتفاقيات التي كان لها الأثر الكبير في تعزيز وتطوير علاقات التعاون الثنائي في المجالات المختلفة، وعلى صعيد الزيارات المتبادلة فقد شهدت الفترة ذاتها، تنظيم زيارات رفيعة المستوى لكبار المسؤولين ووفود اقتصادية وبعثات تجارية تجاوز عددها 200 زيارة".

    ووفقا للإحصاءات والأرقام فإن الصين تعد الشريك التجاري الأول لدولة الإمارات في التجارة غير النفطية، حيث بلغ حجم التبادلات التجارية غير النفطية بين البلدين حوالي خمسين مليار دولار خلال العام 2019 ، ويطمح الجانبان إلى زيادته لأكثر من 200 مليار دولار بحلول عام 2030.

    وتسعى دولة الإمارات باستمرار إلى توسيع علاقاتها التجارية والاقتصادية مع الصين التي تمتلك واحداً من أقوى الاقتصادات في العالم، وتأتي أهمية تطوير هذه العلاقات في كافة المجالات وخاصة الاقتصادية منها، لإيمان أبوظبي بأن الصين تمتلك اقتصاداً عملاقاً، يتوقع الخبراء أن يصبح الأكبر في العالم، ومن هذا المنطلق باتت الإمارات أكبر شريك اقتصادي للصين في المنطقة.

    بمرور الوقت تطوّرت علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، لتشمل مجموعة متزايدة من مجالات التعاون، بما في ذلك المشروعات والمبادرات المشتركة في مجالات الطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والبنية التحتية، وكذلك تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى التبادل التجاري والاستثمارات المباشرة المتبادلة بين البلدين، فضلاً عن التعاون الفني والتقني.

    وفيما تتمثل الصادرات الإماراتية للصين، بشكل أساسي، في منتجات البترول والغاز والبتروكيماويات والمنسوجات والأسماك، تتركز الواردات الرئيسة من الصين إلى الإمارات في السلع الاستهلاكية، وخاصة الملابس وأجهزة الحواسيب والاتصالات السلكية واللاسلكية.

    ومن دون شك فإن ما تتمتع به دولة الإمارات العربية المتحدة، من احتياطٍ نفطي مؤثر، وامتلاكها فوائض مالية وخبرات استثمارية وتسويقية عالية، فضلاً عن القرب الجغرافي النسبي، جمعيها عوامل تساعد على تفعيل التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، وفي هذا الإطار يتم العمل على زيادة التبادل التجاري في ظل تزايد الاعتماد الصيني على النفط الخليجي، الذي بات يمثل نحو 51% من إجمالي واردات الصين النفطية من العالم.

    وتخطط دولة الإمارات لإمكانية الاستفادة من الخبرات الصينية في المشروعات التكنولوجية، ومشروعات الاتصالات، وتقنيات تحلية المياه، والزراعة،  إذ وجّهت الدعوة بالفعل للفعّاليات الاقتصادية الصينية لإقامة مشروعات بمدينة محمد بن راشد للتقنية بمنطقة جبل علي، كما لفت المسؤولون الإماراتيون انتباه نظرائهم الصينيين إلى أن دولة الإمارات لديها صناعات وطنية ترغب في تصديرها مثل الألومنيوم والأسمدة الكيماوية، بغرض فتح أسواقا لها في الصين.

    وأدركت دولة الإمارات منذ زمن أن اتجاهها نحو الصين أمر من شأنه تعزيز حضورها في المشهد الاقتصادي العالمي، لاسيما في ظل رغبة البلدين المشتركة في تحقيق التنمية والتقدم والتطور على جميع الأصعدة، وهي رغبة أعلنتها الصين على لسان رئيسها شي جين بينغ، في مقال كتبه تحت عنوان "يداً بيد.. نحو مستقبل أفضل"، قال فيه: "إن دولة الإمارات العربية المتحدة تمثل واحة التنمية في العالم العربي"، مشيراً إلى أن البلدين الصديقين يُكمل كل منهما الآخر في التنمية، وهما شريكان مهمان للتواصل والتنسيق في الشؤون الدولية والإقليمية، لما لديهما من رؤى تنموية متقاربة وأهداف سياسية متطابقة وروابط تعاون متنامية.

    وتراهن دولة الإمارات على استقطاب المزيد من السياح الصينيين لدعم القطاع السياحي المهم في البلاد، حيث زار أكثر من 900 ألف صيني دولة الإمارات خلال عام 2016، واستقبلت دبي وحدها 540 ألف سائحاً صينياً، لتكون الصين بذلك ضمن قائمة أكبر 10 أسواق عالمية مصدِّرة للسياح إلى الإمارة.

    ومع تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربي، سعت الصين إلى التواصل والتعاون المستمر مع الدول الأعضاء، واستمرت العلاقات الودية المتبادلة بين الجانبين في التطور، لكنها أخذت منحى أكثر تطوراً منذ عام 1992، بعد دعوة بكين لدول المجلس لحضور مؤتمر في بكين حول القطاع الخاص من الجانبين، تلتها انطلاق أول جولة من مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والصين، والتي عقدت في العاصمة السعودية الرياض عام 2004، وأسفر عنها توقيع اتفاقاً  إطارياً حول الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتعاون التكنولوجي، في يوليو من العام ذاته في بكين.

    ومنذ هذه الآونة يسعى الجانبان إلى دفع مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بينهما للأمام بوتيرة أسرع، تحضيراً لعقد الجولة العاشرة من المفاوضات، لاسيما بعد أن وجّهت قمة "العلا" التي عقدت في المملكة العربية السعودية في يناير 2021، إلى ضرورة المضي قدماً في اتفاقية التجارة الحرة مع الصين تأكيداً على أهمية العلاقات الاستراتيجية والاقتصادية التي تجمع الجانبين.

    ويؤكد الخبراء أن تطور العلاقات الثنائية بين الصين ودول الخليج بشكل عام، والإمارات بشكل خاص على مدى السنوات الطويلة الماضية، يثبت أن الاحترام والثقة المتبادلة والرؤية المشتركة، هي الأمور التي تُرسي الأساس اللازم لتطوير العلاقات بين الدول .

    طباعة