"مسبار الأمل".. الإمارات تعانق التاريخ برؤية قيادتها وعزيمة شبابها

انطلق مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ "مسبار الأمل" بنجاح في رحلته التاريخية إلى الكوكب الأحمر مسطرا إنجازا جديدا لدولة الإمارات والعرب، فاليوم يعانق "طموح زايد" المريخ برؤية قيادة الدولة الرشيدة وعزيمة وإرادة شباب لا يعرفون المستحيل.

ويأتي هذا الإنجاز بعد 6 سنوات من العمل الدؤوب بدأت في 16 يوليو 2014 حين أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله" وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي عن أضخم مبادرة استراتيجية وطنية علمية من نوعها لتكون الإمارات أول دولة عربية ترسل مهمة فضائية إلى الكوكب الأحمر بما يسهم في إثراء المجتمع العلمي العالمي وخدمة الإنسانية ولتكون دولة الإمارات بذلك واحدة من بين تسع دول فقط تطمح لاستكشاف هذا الكوكب.

ولم يكن اهتمام دولة الإمارات بعلوم الفضاء والفلك وليد اللحظة بل يرجع إلى سبعينيات القرن الماضي عندما التقى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" مع فريق وكالة ناسا المسؤول عن رحلة أبولو 17 حيث كان هذا اللقاء حافزاً لتوجيه اهتمام دولة الإمارات بالفضاء منذ نحو 5 عقود ما أدى إلى ولادة قطاع وطني للفضاء مع تأسيس شركة الثريا للاتصالات في أبريل 1997 ومؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة " اياست " في فبراير عام 2006 وشركة الياه للاتصالات الفضائية " ياه سات في عام 2007 وكالة الإمارات للفضاء عام 2014 ومركز محمد بن راشد للفضاء في فبراير عام 2015.

ومع انطلاق "مسبار الأمل" في رحلته التاريخية وصولا إلى المريخ في الربع الأول من العام 2021 بالتزامن مع احتفالات دولة الإمارات بالذكرى الخمسين لقيام الاتحاد في رحلة يتوقع أن تستغرق سبعة أشهر يقطع خلالها المسبار 493 مليون كيلومتر .. يقف وراء إنجاز هذا المشروع نحو 200 مهندسة ومهندسة من أبناء وبنات الإمارات الذي علموا ضمن فرق عمل على مدار نحو 6 سنوات لتحقيق هذا الإنجاز التاريخي لوطنهم وأمتهم العربية والإسلامية.

وحقق المشروع على مدار مسيرته العديد من الإنجازات العلمية من بينها إنجاز 200 تصميم تكنولوجي علمي جديد وتصنيع 66 قطعة من مكونات المسبار في الإمارات.

وشكلت قصة نقل المسبار إلى محطة الإطلاق الفضائية في اليابان تجربة ملهمة بحد ذاتها خاصة وأنها تمت في ظل ظروف صعبة وغير مسبوقة في العالم جراء جائحة كورونا "كوفيد – 19" وما ترتب على ذلك من تحديات فنية ولوجستية في مقدمتها تعطل الملاحة الجوية وحركة النقل في مختلف أنحاء العالم.

ورغم ذلك نجح فريق مسبار الأمل في إتمام عملية النقل حسب الجدول الزمني المقرر في رحلة استغرقت أكثر من 83 ساعة براً وجواً وبحراً ومرت بثلاث مراحل رئيسية روعي خلالها اتخاذ تدابير وإجراءات لوجستية محكمة، لضمان إيصال المسبار إلى وجهته النهائية قبل الإطلاق في وضعية مثالية.

وسيظل مسبار الأمل في مدار الكوكب الأحمر سنة مريخية كاملة أي ما يعادل 687 يوما يجمع خلالها بيانات علمية مهمة حيث سيوفر المسبار أول صورة شاملة عن الظروف المناخية على كوكب المريخ على مدار العام ورصد تغير الجو خلال فترات اليوم وبين فصول السنة وهو ما يشكل سابقة علمية من نوعها إذ أن معظم مهمات استكشاف المريخ السابقة انصب تركيزها على دراسة تضاريس الكوكب الأحمر والطبيعة الجيولوجية له وليس المناخ.

ومن شأن هذا الأمر أن يوفر للعلماء معلومات جديدة عن مناخ المريخ بما في ذلك العواصف الترابية المريخية الشهيرة التي تهب على الكوكب الأحمر على شكل أكوام هائلة من الغبار الأحمر فتغمر الكوكب بالكامل، مقارنة بالعواصف الترابية على كوكب الأرض والتي تكون وجيزة وتحدث في مواقع محددة.

وتشمل مهام مسبار الأمل العلمية كذلك استقصاء أسباب تلاشي الطبقة العليا للغلاف الجوي للمريخ، وتقصي العلاقة بين طبقات الغلاف الجوي الدنيا والعليا على كوكب المريخ، ومعرفة أسباب تآكل سطح المريخ كما ستتم دراسة العلاقة بين مناخ المريخ الحالي وما كان عليه في الزمن الماضي قبل تلاشي غلافه الجوي إذ من المهم معرفة أسباب هذا التآكل لمقارنة ذلك مع التحديات المناخية التي تواجهها البشرية على كوكب الأرض.

وسيقوم "مسبار الأمل" بجمع هذه البيانات الضخمة عن كوكب المريخ وإيداعها في مركز للبيانات العلمية في دولة الإمارات عبر عدد من محطات الاستقبال الأرضية المنتشرة حول العالم .. وسيقوم الفريق العلمي للمشروع في الإمارات بفهرسة هذه البيانات وتحليلها ليتم مشاركتها بشكل مفتوح ومجاني مع المجتمع العلمي في سبيل خدمة المعرفة الإنسانية.

وستشكل هذه الثروة العلمية الهائلة التي توفرها دراسة مناخ المريخ وطبقات غلافه الجوي والظروف التاريخية التي مر بها الكوكب إضافة نوعية للمعرفة البشرية بحيث تساعد العلماء والباحثين على دراسة إمكانية بناء مستوطنات بشرية في كوكب المريخ في المستقبل المنظور واستشراف إمكانية الحياة في كواكب أخرى .. أضف إلى ذلك أن فهم التغيرات الجيولوجية والمناخية التي مر بها كوكب المريخ والكواكب الأخرى من شأنه مساعدتنا على فهم التطورات والتغيرات مر بها كوكب الأرض وبالتالي نكون أقدر على التعامل مع التحديات التي تواجه البشرية على الأرض وإيجاد حلول لها.

طباعة