تراث عالمي تحافظ عليه مبادرات رائدة لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي

القهوة العربية.. تقاليد الضيافة والاحترام

صورة

مادة إعلانية

تتمتع إمارة أبوظبي بتراث ثقافي غني يتعدى البنية المادية للمواقع التاريخية والقطع الأثرية، إذ يتجسد في منظومة غنية من عناصر التراث المعنوي المتوارثة على شكل عادات حياتية وتقاليد يومية وممارسات اجتماعية وحرف ومهن تقليدية، تشكّل كلها سوياً جوهر الثقافة الجمعية لدولة الإمارات العربية المتحدة.

يعدّ الحفاظ على هذه العناصر التراثية وضمان استمراريتها في ممارساتنا اليومية أولوية رئيسية لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، والتي تعمل على تحقيقها عبر عقد شراكات استراتيجية مدروسة مع المؤسسات الثقافية والمنظمات المجتمعية والخبراء والحرفيين في الدولة والمنطقة. تعدّ "القهوة العربية" واحدة من أبرز هذه العناصر المتأصلة في قلب ثقافة دولة الإمارات العربية المتحدة والوطن العربي بشكل عام.

تعدّ القهوة جزءاً أساسياً من الضيافة العربية، وتعكس التقاليد المرتبطة بها أصالة تراث المنطقة، وتمثّل طريقة تقديمها من أهم تقاليد الضيافة في المجتمع العربي عامة والمجتمع الإماراتي خاصة، فضلاً عن كونها رمزاً للكرم واحترام الآخرين وتقديرهم. وظلت القهوة العربية تُشكل جزءاً أساسياً من الثقافة العربية على مدار قرون عدة، وتتميز طريقة تحضيرها وتقديمها بتقاليد ومراحل دقيقة.

يتم إعداد القهوة وتحضيرها من قبل "صانع القهوة"، ويتم ذلك على عدة مراحل تستهلّ بالتحميص، حيث يتم فرز حبوب البن وغسلها وتجفيفها وأخيراً تحميصها حتى يتغير لونها لتصبح حبوباً لعمل قهوة "شقراء" أو "داكنة" حسب الرغبة، ثم تُطحن وتُخمّر، ويتم إضافة مختلف البهارات إليها مثل الهيل والزعفران والقرنفل للحصول على قهوة ذات مذاق ورائحة عطرة. وتعدّ هذه المنكّهات إضافات عصرية للقهوة العربية، حيث كانت تقدّم سابقاً صافية وقوية وخالية من أي منكهات مضافة.

ونظراً لأهميتها الثقافية الكبيرة، فقد تم إدراج القهوة العربية في قائمة اليونسكو التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2015 بعد حملة دولية ناجحة قادتها دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي مع عدد من الدول المجاورة. القهوة العربية أحد ثمانية عناصر تراثية إماراتية مدرجة على نفس القائمة العالمية.

بطولات القهوة العربية

تنعكس مساعي دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي الرامية إلى الحفاظ على القهوة العربية باعتبارها حجر أساس ثقافة الضيافة الإماراتية في إطلاقها لأولى بطولات القهوة العربية مؤخراً والتي تعد الأولى من نوعها عالمياً خلال الفترة من 9 إلى 11 ديسمبر الجاري ضمن فعاليات معرض سيال الشرق الأوسط 2019، الحدث السنوي الرائد في المنطقة لقطاع الأغذية والمشروبات والضيافة. شهدت البطولات السنوية مشاركة محترفي صناعة القهوة العربية من مختلف بلدان منطقة الخليج والعالم، للمنافسة على خمس فئات اختبرت جودة مهاراتهم وعمق معرفتهم بهذه الممارسة التراثية الهامة حيث تم مكافأة المتميزين منهم بجوائز قيّمة وصلت إلى 125 ألف درهم إماراتي.

ضمت لجنة تحكيم البطولة نخبة من خبراء القهوة المحترفين وأصحاب المشاريع المتخصصة من مختلف أنحاء العالم، وهم عبد الله خلفان اليماحي، باحث وخبير في التراث الإماراتي ومؤلف كتاب "آداب صب القهوة في الإمارات"؛ وأسامة العوّام، مؤسس ومدير "بيت التحميص" أحد أول محامص القهوة المتخصصة في السعودية؛

وتيم ستيرك، أحد أساتذة القهوة في جمعية القهوة المتخصصة وخبير تذوق معتمد من كندت؛ وفاطمة المغني، مدربة معتمدة في برنامج "السنع" في الإمارات؛ وعبدالله بن كليب، محمّص قهوة متدرب ومؤسس مشارك لمحمصة ومقهى "نول" بالسعودية؛ وعبدالله المهيري، عضو في جمعية القهوة المتخصصة والفائز ببطولة الأيروبرس في الإمارات لعام 2019؛ وخالد السعدي، طاهٍ إماراتي ورجل أعمال؛ وسارة العلي، مؤسسة شريكة لمحال بيع قهوة في الإمارات والسعودية ومديرة جودة في محمصة قهوة في السعودية؛ ومحمد الشرهان، مؤرّخ شفهي وكاتب وخبير في التراث من السعودية.

تضمنت فئات الجائزة فئتين اثنتين تحت دور "صانع القهوة"، وهما فئتي "الشقراء" و"التحميص المتوسط/‏‏‏الغامق" لتحضير أفضل فنجان قهوة عربية باستخدام أدوات تقليدية فقط للتحميص والطحن، بالإضافة إلى اختبار مهاراتهم في العرض والتقديم ومعرفتهم بتاريخ وتقاليد تراث القهوة العربية. تم تقييم المتنافسين على مهارات طحنهم وتحميصهم لحبوب البن، وطعم وجودة مذاق المشروب النهائي، بالإضافة إلى إلتزامهم بـ"السنع" وإظهارهم لآداب المجالس عند تضييف قهوتهم للحكّام. فاز بالمركز الأول عن فئتي "الشقراء" و"التحميص المتوسط/الغامق" كل من الإماراتي أحمد الأحبابي والإماراتية عفراء الخييلي بالتوالي والذين حصلوا على الجائزة الكبرى بقيمة 125 ألف درهم، و40 ألفاً للفائزين بالمرتبة الثانية الإماراتي حمد المزروعي من الإمارات والعراقي زايد التميمي. بينما خصصت فئتي "تحميص القهوة العربية" لاختبار مهارات المشاركين في تحميص حبوب القهوة بشكل نموذجي إما لفئة "الشقراء" أو "التحميص المتوسط/ الغامق"، وتم تذوّق فناجين القهوة المعدّة من قبل الحكّام المختصين لتقييم توازن المذاق بما في ذلك الرائحة، والمرارة، والنكهة المتبقية في الفم، إلى جانب تقييم مهارات المتنافسين في اختيار حبوب البن. وتفوق المتسابق السعودي حسين المالكي في فئة القهوة "الشقراء" بينما فاز الإندونيسي براتاما وينارتو في فئة "التحميص المتوسط/الغامق"، حائزين بذلك على جائزة 25 ألف درهم إماراتي.

وتمثّلت الفئة الأخيرة في تكريم أفضل كوب قهوة عربية مبتكر، إذ فاز بجائزةـ 20 ألف درهم المتسابق جيري فلورس من الفلبين، والذي حضّر أفضل مشروب قهوة باستخدام مفهوم جديد ومبتكر مع مراعاة جودة المذاق وطريقة التقديم والمظهر الكلي للمشروب، إلى جانب تفرّد مفهومه الابتكاري من ناحية النهج والأسلوب المتّبع خلال العملية المتكاملة لإعداد الكوب.

شهدت الدورة الأولى من بطولات القهوة العربية إقبالاً كبيراً من المشاركين الذين تجاوز عددهم 380 مشاركاً من محترفي صناعة القهوة العربية، ولم تقتص طلبات التقديم من دول مجلس التعاون الخليجي والوطن العربي فحسب، فقد تلقت دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي طلبات مشاركة من مناطق بعيدة من إفريقيا وآسيا، مما يدل على عالمية هذه الممارسة الاجتماعية القديمة وثقل موروثها في مختلف أصقاع العالم.

بيت القهوة

ضمن جهودها الساعية لتوثيق وحماية موروث القهوة العربية باعتبارها أحد أبرز العناصر التراثية في الثقافة الإماراتية، وإلتزاماً منها بتوفير تدابير تكفل استمرار ممارساتها وفق ما حددته منظمة اليونسكو، أطلقت دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي مبادرة "بيت القهوة" عام 2018، والمعنية بتقديم تجربة معايشة للعادات والتقاليد المتعلقة بتجهيز وضيافة القهوة ضمن مجلس تقليدي.

تم تصميم مشروع ومبادرة بيت القهوة، والذي يتّخذ من بيت الحرفيين في منطقة الحصن مقراً له، لتجسيد التقاليد الأصيلة للضيافة الإماراتية بدقة من خلال تقديم تجربة ثقافية ممتعة للزائرين، ووفقًا لمواصفات منظمة اليونسكو التي اعتمدت القهوة العربية في قائمتها التمثيلية للتراث العالمي. كما يتنقّل المشروع عبر الإمارة ليتواجد في مختلف المهرجانات والفعاليات الثقافية والتراثية المقامة فيها.

يستكشف بيت القهوة كل مرحلة من مراحل تحضير القهوة، بدءاً من التحميص والتبريد والطحن مروراً بمرحلة الغلي والتخمير وإضافة النكهات المميزة وانتهاءً بطريقة التقديم. وكل ذلك يتم من قبل روّاد أعمال إماراتيين مرخصين، حيث تمنح المبادرة تصاريحاً لإدارة مشروع سياحي ثقافي يقدم تجربة محاكاة نموذجية لمراحل إعداد القهوة وتقديمها بعد تأهيلهم لتقديم تجربة محاكاة نموذجية لمراحل إعداد القهوة العربية وتقديمها، وفق العادات والتقاليد الأصيلة.

يأتي اهتمام دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي بتراث وتقاليد القهوة العربية من أهمية الممارسات المتعلقة بها، إذ تشتمل تقاليد القهوة على قيم ومباديء عميقة ساهمت قديماً في تلافي الخلافات واحلال السلام، ومن خلال الحفاظ على استمرارية هذه الممارسات تستمر قيم التسامح وتقدير الآخرين.

طباعة