عيسى المسكري : فرحة العيد لا تكتمل إلا برضا الأم

    يعد العيد فرصة عظيمة لصلة الأرحام، وتعبيرا عن مشاعر الرحمة والتراحم بين افراد الأسرة الواحدة، لكن هناك بعض الأبناء ممن تشغلهم حياتهم الشخصية والعملية، يقطعون صلة أرحامهم خلال الأعياد، ولا يحرصون على زيارة أقاربهم أو الاتصال بهم.
    وتشكو أم من قسوة أبنائها يوم العيد، فمنهم المسافر، ومنهم المشغول مع أصحابه، ولا تجد منهم اهتماما ولا زيارة، بل يتركونها وحيدة، ودائما ينتابها عبرات الألم وشعور بالضيق والوحدة.
    ويؤكد المستشار الأسري، عيسى المسكري : إن عنوان الفرحة في هذه الحياة تقاس على قدر ما في قلوب الأبناء من بِرّ وإحسان تجاه آبائهم وأمهاتهم، فأجمل هدية نقدمها لآبائنا وأمهاتنا القرب إليهما، وإدخال السرور في حياتهما، وإظهار الحب لهما، والدعاء لهما بالرحمة، فسعادتهما في مقدمة أولوياتنا، وبرهما نبص قلوبنا، والإحسان إليهما مفتاح نجاحنا، وسر تميزينا، ونقطة انطلقنا.
    وما رأيت لوحة فاق جمالها من ابن يسارع من أجل أن يضع قبلة الحب على رأس أمه، يتنسم منها رياحين الجنة، ويقطف من فرحتها أغصان الرضا وثمار الدعاء.
    لا تكتمل فرحة العيد إلا برؤية ابتسامتها على وجههما، لوحة يفوق جمالها أضواء هلال العيد، فارسم هذه اللوحة بقلم الحب والتضحية، ووقع على صفحات قلوبهما بالود والبهجة، ولعل من علامات قبول الأعمال الصالحة في العشر من ذي الحجة البر والإحسان إليهما في يوم العيد، فمن وُفّق في إدخال السرور في حياتهما فهو حقاً السعيد الموفق.
    ولكي يشعر الآباء بحقيقة فرحة العيد، على جميع الأبناء والأحفاد، صغيرهم وكبيرهم، أن يجتمعوا بعد صلاة العيد مباشرة في بيتهم الأول، وعشهم الآمن، ومحضنهم الأبدي، يرتقون بقبلة ترحيبية على رأس والديهما، وأخرى على أيديهما، ويصعدون في الجنة منازل بكلمة طيبة براً واحساناً إليها، فرحتك هي فرحتهما، ابتسامتك في وجوهم هي ابتسامتهما، كم دمعت عيونهما من أجلك، كم ذاقوا الألم من أجل راحتك، كم تركوا ملذات الدنيا، جاعوا وحرموا أنفسهم من  اجل نجاحك، فبرهما أفضل ما تتقرب به إلى الله، وأجمل باقات العيد التي تقدمها لهما في يوم العيد المبارك.
    ويجب أن تتذكر أن خمسة ليس لهم عيد، منهم عاق لوالديه، وهل هناك أشد عقوبة أن تحول فرحتهما حزناً، وتبدل ابتسامتهما هماً، وتغير سعادتهما ألماً بقسوة البعد والفراق، لذا فإن أحب الأعمال إلى الله، كما جاء في السنة، هو إدخال السرور على قلب مسلم، فكيف بأمك، التي كانت تمرض لمرضك، وتسهر من أجل راحتك، وتبكي فرحاً وحزناً لأجلك، وكذا أبوك الذي قد يقضى سنوات عمره مغترباً من أجل تأمين العيش الكريم لك، ويضحي ويحرم نفسه ويتألم من مشقة الفقر والذل والحاجة.

    ألم يأن لهؤلاء الأبناء أن تخشع قلوبهم ويردوا الجميل لوالديهم، وأن يخفضوا لهم جناح الذل من الرحمة، فأشد أنواع العقوق ترك الوالدين في وقت الضعف والحاجة والمرض،
    ولا تنسى سنوات التربية حتى وصلت مديرا أو طبيبا أو مهندسا وهما في كل عيد يحرصان على أن تلبس الجديد، وأنت في كل عيد تذيقوهم العذاب الشديد.
    الصلة عبادة دائمة مستمرة برا وإحسانا وهناك ثلاثة درجات لصلة الأهل والأقارب يوم العيد خاصة تعظيما لشرائع الله.
    الدرجة الاولى: وهي درجة الواصل، بأن يجتهد الأبن بالبر رحمة، ويحسن إلى الأهل والأقارب حبا، يسعى بأن يكون الأول في الود والعطاء، والأفضل في الزيارة والتواصل، والأجمل في الخلق والوفاء.
    الدرجة الثانية: الأبن الذي لا واصل أهله ولا قاطع رحمه، ولا إساءة لأحد منهم، يحسن إن أحسنوا، ولا يسيئ لأحد منهم قولا ولا فعلا، ويسمى هذا الصنف  بالمكافئ.
    والدرجة الثالثة وهي أسفل الدرجات: القاطع، فلا يدخل الجنة قاطع الرحم، ويعد العقوق من أعظم الكبائر، يستحق صاحبه العقوبة في الدنيا عاجلة، ونسأل الله تعالى له الهدى والنور والبصيرة.
    اعلم أيها الابن أن قلبَي والديك يحترقان شوقاً وفؤاديهما يصبحان خاليين ينتظران من منك تملأهما سعادة وسروراً، وإن لم تستطع بجسدك بسبب الغربة أو السفر فلا أقل بمكالمة هاتفية تعبر لهم عن حرارة الشوق وحقيقة الحب وجميل الشكر  وصدق الدعاء، تذكر أن يعقوب عليه السلام ابيضت عيناه من الحزن بسبب البعد والفراق، وأم موسى أصبح فؤادها فارغاً من أجل ابنها الذي وضعته في اليم.

    طباعة