حمدي نصر: زايد كان يجسد الإنسانية بكل معانيها النبيلة - الإمارات اليوم

أكد أن القائد المؤسس تميز بـ9 ألقاب لم يحظ بمثلها زعيم في العالم

حمدي نصر: زايد كان يجسد الإنسانية بكل معانيها النبيلة

صورة

قال الإعلامي حمدي نصر، إن «المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، جسّد الإنسانية بكل معانيها الجميلة والنبيلة وقيمها العربية الأصيلة، فقد كان، رحمه الله، إنساناً بمعنى الكلمة مع كل المخلوقات، البشر والطير والحيوان والشجر».

وأضاف نصر لـ«الإمارات اليوم»، الذي أمضى 22 عاماً في جريدة «الاتحاد»، والتقى الشيخ زايد في العديد من المناسبات الاجتماعية والوطنية بحكم عمله: «الشيخ زايد، طيب الله ثراه، تميز بتسعة ألقاب لم يحظ بمثلها زعيم في العالم، عدداً ومضموناً، هي: مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، وزايد الإنسان، وزايد الخير، والقائد الملهم، ورجل البيئة، وقاهر الصحراء، ورجل المواقف الخالدة، والفارس، وحكيم العرب».

وتابع: «أنا محرر المحليات الوحيد من خارج وكالة أنباء الإمارات على امتداد 35 عاماً قضيتها في صحافة الإمارات، الذي نال شرف إجراء مقابلة صحافية مع الشيخ زايد، طيب الله ثراه، فبناء على تعليمات من وزارة الإعلام كانت أخبار الرئاسة مقتصرة على وكالة أنباء الإمارات فقط، وهو نوع جيد من التنظيم ارتضته كل وسائل الإعلام المحلية، والتزمت به، وكانت تنتظر أخبار الرئاسة من وكالة (وام)». وقال: «كان، طيب الله ثراه، يهتم جداً بالماء لإدراكه أنه عصب الحياة، ولإدراكه أيضاً أن بسبب ظروف المناخ تصنف الإمارات بأنها من المناطق قليلة الأمطار، وكان يلمس ويتلمس ذلك على الطبيعة، وفي بداية شهر يوليو عام 1995 تفجرت عيون الماء من سفح جبل حفيت في العين، وكان ذلك في حد ذاته حدثاً فريداً شغل الجميع، وحظي باهتمام الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وتحديداً في يوم 12 يوليو من ذلك العام ذهبت لأتابع الجديد في تفجر تلك العيون من منطقة جبلية صلدة، فوجدت إجراءات غير اعتيادية، وكان ذلك لأن الشيخ زايد في طريقه للمكان ليتابع بنفسه فيضان العيون وإجراءات الحفاظ على مائها المتدفق، وعندما وصل رحمه الله للمكان سلمت عليه مع الموجودين من كبار المسؤولين في العين وفي ديوان الرئاسة، ورغم علمي بقرار وزارة الإعلام بالنسبة لأخبار الرئاسة، فإنني توكلت على الله، وقررت محاولة اللقاء معه، ولعبت الصدفة دورها، إذ لم يحضر إلى المكان يومها أي زميل من محرري الصحف المنافسة الأخرى، وما رسخ في يقيني أن اللقاء معه كان هدية قدرية لي هو عدم حضور محرر وكالة أنباء الإمارات المختص والمتفرغ لأخبار الرئاسة».

وتابع نصر، صاحب كتاب «روايات وذكريات من ماضي الإمارات»: «كنت في تلك اللحظة في غاية القلق خشية ضياع تلك الفرصة الذهبية، فذهبت لمدير مكتب الرئاسة في ذلك الوقت السيد خميس بطي الرميثي، وطلبت منه مساعدتي، فذهب واستأذن لي من الشيخ زايد، وكانت موافقته على المقابلة حدثاً فريداً في حياتي المهنية، وحينها ازداد توتري وقلقي، وعندما جلست أمامه لأتحدث معه، كانت ابتسامته الحانية كفيلة بتبديد كل هذا التوتر، وأعادت كلماته الترحيبية لي توازني، وفي اليوم التالي 13 يوليو 1995، صدرت (الاتحاد الأسبوعي) بمانشيت حول إعلان الشيخ زايد، طيب الله ثراه، عن خطة لزيادة عدد الآبار في المنطقة، وتحويلها إلى متنزه سياحي عالمي يزخر بوسائل الراحة والترفيه للكبار والصغار».

وتابع: «في غضون أشهر قليلة، ونتيجة عمل على مدار الساعة، تحولت المنطقة القاحلة إلى حديقة غناء، وأصبحت (المبزرة الخضراء) متنزهاً عالمياً حافلاً بكل وسائل الراحة والمتعة، وكان الشيخ زايد يشعر بسعادة بالغة وهو يتجول في طرقها بين زوارها، ويقود سيارته بنفسه، ويتوقف أحياناً ليسأل أحد الزوار عن مدى راحته في المكان، وأذكر أنه في ذات يوم كان طيب الله ثراه يتابع عن كثب سعادة الزوار ومرحهم كباراً وصغاراً، فأمر بتقديم وجبة العشاء لهم جميعاً، ويومها، وتنفيذاً لتعليماته، تم تجهيز ثلاثة آلاف وجبة من مطاعم العين وأبوظبي وتوزيعها على الزوار، فكان نجاح ذلك وفي زمن قياسي مصدر سعادة زايد رحمه الله».

وذكر نصر، الذي شغل منصب مدير تحرير مجلة «التراث المعنوي»: «كان المغفور له يخرج في الصباح الباكر يقود سيارته بنفسه، لا يعلم مرافقوه إلى أين هو ذاهب، كان يخرج ليتفقد أحوال الناس ولا ينتظر حضورهم إليه، وكان في جولته كثيراً ما يتوقف عند شخص يبدو من هيئته أنه عامل بناء، أو في مزرعة، ليسأله عن حاله وحال أهله، ويعطيه من المال ما فيه النصيب، وإذا كانت لديه مشكلة أمر بحلها».

وأضاف: «ذات يوم كان الشيخ زايد يتجول في إحدى مناطق الشعبيات، ولمح امرأة تجلس على جانب الطريق، فذهب لها وسألها عن سبب جلوسها وحيدة في ذلك المكان، وكانت المفاجأة في قولها: إنها خرجت لتمشي، واضطرت للجلوس في ذلك المكان لتدرك الصلاة قبل فوات وقتها، فابتسم وسألها عن أحوالها، وأعطاها مبلغاً من المال، وأمر لها ببيت شعبي».

وواصل نصر: «حكايات زايد الإنسانية لا تعد ولا تحصى، ففي إحدى جولاته على كورنيش أبوظبي لمح امرأة تشير إليه تطلب منه التوقف، فتوقف فعلاً، وجاءته فسألها عما بها، فقالت: أتمنى أن أصافحك، فأنت الرئيس الوحيد الذي يمكن لأي واحد من شعبه أن يصافحه بلا مشكلات، فصافحها مبتسماً، ليحقق لها أمنيتها، لكنها انخرطت فجأة في البكاء، فاندهش وسألها ألم تقولي إنك ليس عندك أي مشكلات؟ فقالت: الآن بدأت مشكلتي، فأهلي لن يصدقوا أنني صافحت الشيخ زايد، فرد باسماً: نحن سنجعلهم يصدقون، وعندما حل المساء كان أحد مرافقيه يدق باب المرأة ويعطيها مبلغاً من المال، و(ساعة يد حريمي)، عليها صورة الشيخ زايد، ويبلغها رسالة منه قائلاً: الآن أهلك يصدقون أنك صافحت الشيخ زايد».

وقال: «كان الشيخ زايد في طريقه من بني ياس إلى الوثبة، وصادف حافلات مدارس بنات في طريقهن إلى منازلهن بعد انتهاء اليوم الدراسي، فأخذت البنات يلوحن له بأيديهن، ويطلبن منه التوقف، فتوقف، لكن سائقي الحافلات حتى لا يحدث تزاحم حول سيارة الشيخ زايد أغلقوا أبواب الحافلات، فقفزت إحداهن من النافذة وهرولت للسلام عليه، فأخذ يعاتبها على فعلتها، لأنها عرضت نفسها للخطر، فقالت من بين دموع فرحتها: معقولة يكون أبي زايد أمامي ولا أسلم عليه؟ فنصحها بحنان الأب ألّا تخاطر بنفسها مرة ثانية، لأن سلامتها أهم، وأمر أحد مرافقيه بإعطاء البنات ومدرساتهن منحة مادية، فنفذ ذلك، حتى إنه ذهب لبيوت البنات اللاتي سبق نزولهن من الحافلات لإعطائهن نصيبهن من مكرمة زايد، وتبقى معه مبلغ أعاده لزايد، الذي لم يعجبه ذلك، فكان يريد أن يوزع عليهن كل ما كان في الحقيبة».

وروى نصر، أنه «بعد منتصف ليل أحد أيام رمضان، كان رحمة الله عليه جالساً مع عدد من مرافقيه، فرن هاتف أحدهم فتردد في الرد، احتراماً لوجود الشيخ زايد، الذي لاحظ حيرة الرجل، فسمح له بالرد، وكان المتحدث امرأة عربية تريد أن يوصل شكواها للشيخ زايد، فزوجها نزيل السجن لأنه من الغارمين، وتطلب إطلاق سراحه، وأنها لا تريد البقاء في الإمارات، وتريد أن تعود إلى بلدها مع زوجها وأولاده، فأمر زايد بدفع ما عليه من ديون، وإطلاق سراحه، لكنه طلب من المرافق أن يبلغ المرأة أسفه من قولها إنها لا تريد البقاء في الإمارات، بل يمكنها البقاء وتعتبر نفسها بين أهلها».


زايد والزراعة

قال الإعلامي حمدي نصر، الذي عمل فترة من حياته باحثاً في إدارة التراث المعنوي بهيئة الثقافة والتراث، إن المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، كان يحب الزراعة، والدليل على ذلك أنه استطاع تحويل الإمارات إلى جنة غناء، بعد أن كانت مصنفة دولياً على أنها منطقة صحراوية لا تحسن فيها الزراعة، وفقاً لخبراء زراعيين، لكن الشيخ زايد ــ وبتوفيق من الله ــ دحض بفعله أقوالهم، فأصبحت تضم بين جنباتها مساحات كبيرة من الغابات التي يستفيد منها الإنسان والحيوان والطير.

وأضاف: «أذكر قصة طريفة قالها لي أحد المقربين من المغفور له، مفادها أن رئيس إحدى الدول جاء في زيارة إلى الإمارات، فخرج معه الشيخ زايد، طيب الله ثراه، في جولة معتادة ليطّلع على التطور الحضاري والعمراني الذي تحقق في بلاده، وزار إحدى المحميات التي يرتع فيها المها العربي، فأعجب الضيف بها، وطلب من الشيخ زايد عدداً منها، فلبى الشيخ زايد طلبه تكريماً له، وبعد مرور سنة، رد الشيخ زايد الزيارة لبلاد ذلك الرئيس، وهناك تذكر المها، فطلب الاطلاع عليها، فتأسف على حالها للهزال الذي أصابها، ولأنها ترتع في صحراء مكشوفة، فطلب من مضيفه تسوير المنطقة بالشبك وزراعتها، وتوصيل الماء لها على حسابه الخاص».

حرية الصحافة

أكد الإعلامي حمدي نصر، أن الشيخ زايد، طيب الله ثراه، كان يحترم الصحافة ويقدر دورها، ويعدها الشريك الفعال في صناعة التطور الحضاري، وثقافة ووعي الإنسان، ومنحها من بداياتها حرية العمل، ورسخ ذلك لدى جميع الصحافيين والمسؤولين، وهناك واقعة تؤكد ذلك رواها لي وزير الدولة، زكي نسيبة، وكان شاهداً عليها، فعند إنشاء جريدة «الاتحاد» في 20 أكتوبر عام 1969، وكان نسيبة عضواً في مجلس إدارتها، اعتمدت في بدايتها على مجموعة من الصحافيين العرب، وحدث أن كتب أحدهم تقريراً عن سير العمل في إحدى الدوائر الحكومية، وصفه فيه بأنه بطيء وغير منتظم، ويعطل مصالح الناس، فغضب وكيل الدائرة غضبة شديدة، وطالب بإنهاء عمل ذلك الصحافي عقاباً له وردعاً لأمثاله، ووصل الأمر للشيخ زايد، فطلب مقابلة جميع الصحافيين، بحضور كل وكلاء الدوائر، وذهب الصحافيون إلى المكان، في الموعد المحدد متوقعين رد فعل غير قوي، لكن كانت المفاجأة، أن الشيخ زايد استقبلهم استقبالاً حانياً، مرحباً بهم، وصافحهم فرداً فرداً، ثم قربهم منه، وأخذ يحدثهم بمودة الأب، ويثني على دور الصحافة، وأعرب عن ترحيبه بما تكتبه، وأشاد بالصحافيين وعملهم، وقال لهم بوضوح أمام وكلاء الدوائر المحلية، أطالبكم بأن تكتبوا بكل أمانة وصدق، فأنتم عيوني التي أرى بها أحوال شعبي، وهذا يساعدني في مسعاي لراحة وسعادة ورفاهية الشعب. وكانت رسالة رائعة للصحافيين والمسؤولين من زعيم رائع يقود سفينة الوطن بحكمة واقتدار».

طباعة