رياضة لـ «جمع القمامة» ووجبات مجانية للفقراء وموقع إلكتروني للمهارات

اجتذبت مبادرة «صناع الأمل»، منذ إطلاقها في نهاية فبراير 2018، عدداً كبيراً من المشاركات من شباب وشابات من مختلف أنحاء العالم العربي، يتطلعون للإسهام في نشر الأمل، وصنع تغيير إيجابي، فقد تلقت آلاف قصص الأمل من أفراد ومجموعات، لديهم مشروعات ومبادرات، يسعون من خلالها لمساعدة الناس، وتحسين نوعية حياتهم، أو الإسهام في حل بعض التحديات التي تواجهها مجتمعاتهم.

وكي تكون هذه القصص مصدر إلهام للآخرين، الذين يتطلعون إلى تغيير مجتمعاتهم نحو الأفضل، نستعرض بعض تجارب ومبادرات صناع الأمل، حتى تفتح نافذة تفاؤل وإيجابية في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج.

 

قفازات شفافة وأكياس بلاستيك وبزّات رياضية من أجل البيئة

الأمل هو الرغبة في التغيير، وأن تحفز غيرك ليكون جزءاً من هذا التغيير.. هذه هي الرؤية التي يرتكز إليها نشاط تطوعي فريد من نوعه، دشنه مجموعة من الشباب التونسيين، من خلال رياضة جديدة تجمع بين الفائدة والعمل البيئي البناء، وهي رياضة لا تكلف شيئاً سوى أكياس بلاستيك وقفازات!

في الصباح، يتجمع عدد من الشباب المتحمسين، فتيان وفتيات من مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية، عند بوابة متنزه «النحلي» بالقرب من العاصمة تونس، وقد ارتدوا بزاتهم الرياضية استعداداً للانطلاق إلى مهمة غير عادية، بقفازات شفافة، لوقاية أيديهم، وأكياس قمامة سوداء.

ومهمتهم جمع كل أنواع مخلفات القمامة التي تركها زوار المتنزه خلفهم.

المتطوعون لا يتوقفون عن المشي، صاعدين منحنيات المتنزه الجبلي ومنحدراته، لتعود عليهم هذه الرياضة ــ بما تنطوي عليه من حركة متواصلة دؤوبة ــ بفائدة صحية وبيئة. ليس هذا فحسب، بل إن مشهد الشباب وهم ينحنون لالتقاط كل أشكال النفايات، دون تأفف أو تذمّر، بدأ يحفز رواد المتنزه على تبني سلوكيات صديقة للبيئة، ومنهم من بات يشاركهم نشاطهم البيئي التطوعي عن طيب خاطر.

وُلدت هذه الرياضة البيئية المبتكرة من بنات أفكار الشاب الثلاثيني صابر حداد، الذي شرع فيها مع رفاقه في يناير الماضي، بعدما اطلعوا على فيديو يتناول ممارسة هذه الرياضة البيئية المستحدثة في السويد.. فارتأى صابر وصحبه أن بلدهم أيضاً تستحق أن يبادروا إلى القيام بشيء في سبيل قضية بيئية، يسهم في تعزيز قيم المواطنة والمشاركة من جهة، وفي جعل مجتمعهم أجمل وأرقى من جهة أخرى، خصوصاً أن مثل هذا النشاط البيئي التطوعي لا يكلف شيئاً.

تستقبل الفقراء والمحتاجين تحت شعار «كل ما لدينا.. هو لكم»

أطلقت الشابة اللبنانية مايا ترّو جمعية «فود بليسد» في بيروت، لإيقاف الهدر في الطعام، وترشيد الاستهلاك، خصوصاً في بلد يعيش 29% من سكانه تحت الفقر، مقابل تسجيل 40% من الهدر في الطعام يومياً، تعمل مايا على جمع وتحصيل الطعام الفائض وتوزيعه على المحتاجين، من خلال شبكة مستدامة من العلاقات، تشمل شركات أغذية، ومطاعم، ومتعهدي طعام، وموزعين، وناشطين متطوعين.

كان المشروع في البداية فكرة حالمة بالنسبة لمايا، الشابة التي آثرت أن تضع شهادات الماجستير الثلاث التي تحملها جانباً كي تعمل من أجل إطعام الجائعين وإسعادهم، لكنها كانت تؤمن بأن الفكرة النبيلة، وإن كانت حالمة، ليست مستحيلة، واجدةً رسالتها في الحياة من خلال العطاء ومواصلة العطاء.

ويتحدث الدكتور وحيد ترو عن ابنته، التي لا يخفي فخره واعتزازه بها، قائلاً إن أي شيء تحصل عليه مايا تعطيه للآخرين، مؤكداً أن ابنته تلقت عروض عمل كثيرة، بما يتفق والشهادات العلمية الرفيعة التي تحملها، لكنها آثرت أن تكرس حياتها للإنسانية.

منذ إطلاقها في عام 2012، نجحت «فود بليسد» في تجنيد عشرات المتطوعين الشغوفين، ممن وضعوا أيديهم بيد مايا، متفقين على هدف رئيس، هو أن الاهتمام بالآخرين، وخدمة المحتاجين أنبل وظيفة يمكن أن يقوم بها المرء، وكل ما تحتاجه من مؤهلات هو الشغف والإيمان بالقيم الإنسانية القائمة على التعاطف والمشاركة، دون الالتفات إلى أي خلفيات أو انتماءات دينية أو فكرية أو سياسية. ومن خلال السمعة التي اكتسبتها مايا، المدير التنفيذي لـ«فود بليسد»، باتت العديد من الشركات والمؤسسات تحرص على التعاون معها، سواء من خلال توصيل الأطعمة الفائضة إلى مقر الجمعية أو حتى إعداد وجبات طعام خصيصاً لرواد الجمعية من الفقراء، حيث نجحت الجمعية حتى اليوم في إقامة شراكات مع أكثر من 300 جهة في المجتمع.

تضم الجمعية مطعماً في ضاحية برج حمود البيروتية، يوفر وجبات طعام مجانية لأكثر من 200 من الفقراء من مختلف أنحاء المدينة أسبوعياً. ما إن يلجوا المطعم، حتى تغمرهم أجواء الاستقبال الدافئة.

وتتحدث مايا عن هذه التجربة، فتقول: «نقول لهؤلاء الناس إن كل ما لدينا هو لكم»، مؤكدة: «نعتبر رواد المطعم ضيوفاً وليسوا محتاجين، فنستقبلهم بكل حب واحترام، ونشعرهم بأنهم في بيتهم». وتحرص مايا على أن تذكر المتطوعين الذين يخدمون ضيوف المطعم، بالقول: «اخدموا الآخرين كما لو أنكم تخدمون أنفسكم!» هذا هو شعار العطاء الذي يتبناه الجميع، حيث يُقبل المتطوعون، ومعظمهم شباب من طلبة المدارس والجامعات، على عملهم في توفير خدمة مثالية لضيوف المطعم، الذين لا يشعرون بأنهم أصحاب حاجة، أو أن كرامتهم تتعرض للمساس، بل يغمرهم ذلك الإحساس بالسعادة والأمان.

تعرف مايا أن مهمتها صعبة، وأن عدد الجياع والمحتاجين أكثر من إمكانات جمعيتها، لكنها اختارت أن تقوم بشيء له نتائج ملموسة. فمنذ انطلاق الجمعية، تم تقديم أكثر من 270 ألف وجبة، والأمل دوماً بالعمل من أجل تقديم ما هو أكثر.

«جَزِيل» من تسلق جبل كلمنجارو إلى مبادرة تطوعية عالمية

ما بدا أنها رحلة جبلية استكشافية فردية في أول الأمر، انتهت بمؤسسة تطوعية، مهمّتها ترك بصمة عطاء في أي بقعة من العالم تحتاج إلى الدعم والمساعدة.. بهذه الكلمات يمكن تلخيص رحلة الشاب السعودي ياسر الحربي، مؤسس «جزيل»، المنصة التطوعية التي تعتمد على الموهبة والمهارات المتخصصة.

تعود الحكاية إلى عام 2014، حين سافر ياسر إلى تنزانيا لتسلُّق جبل كلمنجارو، زار خلالها «مركز أطفال مساماريا» في مدينة موشي في تنزانيا، وهي منظمة غير ربحية، تسعى إلى إيواء الأطفال المشردين، وحمايتهم من الفقر. وحظي ياسر بترحيب حار، كأول عربي يزور المركز منذ تدشينه في عام 2007، وتأثر بالمهمة النبيلة التي يقوم بها المركز، فقرر أن يفعل شيئاً للإسهام في نشر رسالته الإنسانية.

أسس ياسر «جزيل» في أكتوبر 2015، كمؤسسة غير ربحية، تهتم بالتطوع المعتمد على الموهبة والتخصص عبر تشكيل فريق تطوعي لدعم المنظمات النامية والمهمشة، معتمداً في ذلك على مهارات ومواهب أكثر من 200 متطوع في شتى المجالات والخبرات. ومن مساماريا، انطلقت «جزيل» في عام 2017 إلى دعم «مؤسسة الفراشة»، الكائنة في مدينة بوكارا في نيبال، وهي منظمة غير ربحية، تعنى بمساعدة الأطفال في المجتمعات الفقيرة. وتألفت خطة عمل «جزيل» من مراحل عدة، بدأت بتحديث هوية المنظمة ورسالتها، ثم إطلاق حسابات التواصل الاجتماعي الخاصة بها.

خلال ثلاث سنوات من إطلاقها، حدّدت «جزيل» رسالتها الرئيسة بوضوح، متجسِّدةً في دعم قضايا الطفولة، من خلال مشروعات تطوعية تسعى إلى إحداث فرق، وتوفير الدعم بمختلف الأشكال للمنظمات المجتمعية والإنسانية المتخصصة في مجال الطفولة، وتمكينها وتدعيم استدامتها، وإطلاق مبادرات تطوعية خيرية مبتكرة، كي تواصل تقديم خدماتها في المجتمعات ذات الصلة.

الأكثر مشاركة