سعياً وراء «الجسم المثالي».. مراهقون يفرّطون في المناعة والخصوبة وصلابة العظام

حذّر أطباء من تنامي ظاهرة «هوس الرشاقة» الناتجة عن اتباع حِميات غذائية صارمة، وممارسة الرياضة بشكل مفرط، سعياً وراء «الجسم المثالي»، مؤكدين أن المقارنة المستمرة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تروّج لصور مثالية غير واقعية، أسهمت في انتشار هذه السلوكيات بين المراهقين والشباب.

وقالوا لـ«الإمارات اليوم» إن «هوس الرشاقة» قد يقود إلى 10 مخاطر صحية رئيسة، تشمل اضطرابات القلب والأملاح، ومشكلات الجهاز الهضمي، وضعف العظام والعضلات، واضطرابات الهرمونات لدى النساء، والخصوبة لدى الرجال، وفقر الدم لسوء التغذية، وضعف المناعة، والإرهاق المزمن وضعف التركيز، والاضطرابات النفسية، والعزلة الاجتماعية والهوس القهري بالوزن، إضافة إلى مضاعفات استخدام وسائل التخسيس غير الآمنة من أدوية وحقن ومنتجات عشبية من دون إشراف طبي.

ورصد الأطباء في عياداتهم حالات كان سببها الرئيس الحِميات القاسية ووسائل التخسيس غير الآمنة.

حميات قاسية

وتفصيلاً، أكد استشاري الغدد الصماء، الدكتور أحمد حسون، أن هوس الرشاقة، واتباع الحميات القاسية أو ممارسة الرياضة بشكل مفرط قد يترك آثاراً صحية خطيرة تمتد إلى اضطرابات هرمونية، ومشكلات في الخصوبة والعظام والقلب.

وقال إن معدل الأيض يتباطأ، ويشعر الشخص بالتعب والبرد، كما تتراجع قدرة الجسم على بناء العضلات، وقد تتأثر هرمونات الغدة الدرقية والهرمونات المنظمة للدورة الشهرية والخصوبة، مع ارتفاع هرمون التوتر.

وأضاف أن نقص الطاقة والوزن المنخفض والتمرين الشديد قد تخلّ بالتوازن الهرموني لدى النساء، من خلال اضطراب الإشارات بين الدماغ والغدة النخامية والمبايض، ما يؤدي إلى اضطراب الإباضة أو انقطاع الدورة الشهرية الوظيفي، لافتاً إلى أن فقدان الوزن السريع، وانخفاض تناول السعرات والدهون، والضغط النفسي، واستهلاك طاقة أكبر من المتناول عبر الرياضة، تُعد جميعها عوامل ترتبط بهذه الحالة، وتستلزم تقييماً هرمونياً واستبعاد الأسباب الأخرى، مشيراً إلى أن الرجال أيضاً قد يعانون نتيجة سوء التغذية الشديد من انخفاض إنتاج الهرمونات الجنسية، بما ينعكس على الرغبة الجنسية والكتلة العضلية ومستويات الطاقة والخصوبة.

وأوضح أن فقدان الوزن السريع وغير الصحي قد يؤدي إلى ضعف العظام، خصوصاً لدى المراهقين والشباب، نتيجة انخفاض الهرمونات الجنسية اللازمة لبناء الكتلة العظمية، ما يزيد خطر فقدان كثافة العظام وكسور الإجهاد، فيما قد تتسبب اضطرابات الأملاح الناتجة عن التجويع أو القيء أو استخدام الملينات في اضطرابات خطيرة بضربات القلب، مضيفاً أن فقر الدم يرتبط غالباً بنقص الحديد أو الفيتامينات أو البروتين، مؤكداً أهمية تشخيص السبب بدقة بدلاً من تناول المكملات الغذائية بصورة عشوائية.

وكشف عن استقبال حالات عديدة كان سببها الرئيس اتباع حميات قاسية أو وسائل غير آمنة لإنقاص الوزن، من بينها اضطرابات الدورة الشهرية أو انقطاعها، واضطرابات التحاليل الهرمونية، وضعف العظام، والإرهاق، وتساقط الشعر، واضطرابات سكر الدم، إضافة إلى حالات استخدمت أدوية أو هرمونات أو مستحضرات للتخسيس من دون إشراف طبي، أو تناولت أدوية مخصصة لعلاج السمنة رغم عدم وجود مؤشر طبي، محذراً من أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة، خصوصاً إذا ترافقت مع قلة تناول الطعام أو الجفاف أو التمارين الشديدة.

وبيّن أن أكثر الفئات عرضة لهوس الرشاقة واضطرابات الأكل المرتبطة بصورة الجسم هم المراهقون والرياضيون الذين تتطلب رياضاتهم الحفاظ على وزن منخفض، والأشخاص الذين يتعرضون باستمرار لتعليقات على أوزانهم (التنمر)، إضافة إلى من لديهم تاريخ نفسي أو عائلي لاضطرابات الأكل، كما شدد على ضرورة الانتباه إلى مرضى السكري، ولا سيما مستخدمي الأنسولين، محذراً من التلاعب بجرعات الدواء بهدف إنقاص الوزن، لما قد يسببه ذلك من ارتفاع شديد في مستوى السكر وحدوث «الحماض الكيتوني».

اضطرابات القلق

وأكد استشاري الطب النفسي، الدكتور منصور عساف، أن السعي إلى إنقاص الوزن والحصول على جسم صحي يُعد سلوكاً إيجابياً، لكنه يتحوّل إلى اضطراب نفسي يستدعي التدخل الطبي عندما يصبح الوزن أو شكل الجسم محور حياة الشخص وتفكيره اليومي، وترتبط قيمته الذاتية بما يراه على الميزان أو في المرآة.

وأكد أن الأمر يستدعي التقييم الطبي عندما يتحول الالتزام بالحمية والرياضة إلى سلوك قهري يؤثر في الدراسة والعمل والعلاقات والنوم والحالة المزاجية، مضيفاً أن اضطرابات الأكل ليست مجرد مبالغة في اتباع الحمية، بل هي حالات طبية ونفسية حقيقية تتمثل في اضطراب مستمر في سلوك تناول الطعام مصحوب بأفكار ومشاعر تؤثر في الأداء الاجتماعي والمهني.

وأشار إلى أن أبرز العلامات النفسية الدالة على هوس الرشاقة تتمثّل في الانشغال المستمر بالطعام والسعرات الحرارية والوزن، وقياس الجسم أو الوقوف أمام المرآة بصورة متكررة، ومقارنة شكل الجسم بالآخرين، والشعور بأن الجسم ممتلئ رغم أن الوزن طبيعي أو منخفض.

وأضاف أن الشخص قد يصبح شديد الحساسية تجاه أي تعليق يتعلق بمظهره، ويشعر بقلق شديد إذا لم يتمكن من ممارسة الرياضة، أو يفرض على نفسه قيوداً صارمة في اختيار الطعام، فيصنفه إلى «جيد» و«سيئ»، كما قد ينسحب من الوجبات العائلية، ويختلق أعذاراً لعدم تناول الطعام، ويرتدي ملابس واسعة لإخفاء تغيرات الجسم، مع تقلبات في المزاج وفقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان يستمتع بها سابقاً.

وأوضح أن هناك علاقة وثيقة ومتبادلة بين هوس الرشاقة واضطرابات القلق والاكتئاب واضطرابات الأكل والعزلة الاجتماعية، إذ يبدأ الأمر غالباً بعدم الرضا عن شكل الجسم، ثم يتحول إلى قلق دائم من زيادة الوزن، يدفع الشخص إلى تقييد الطعام أو ممارسة الرياضة بصورة مفرطة سعياً للشعور بالسيطرة.

وأضاف أن الحرمان الغذائي المستمر يزيد من التوتر وسرعة الانفعال وصعوبة التركيز واضطرابات النوم، بينما يؤدي الإحساس بالفشل في الوصول إلى الشكل المثالي إلى انخفاض تقدير الذات والإصابة بالاكتئاب، كما قد يبتعد الشخص عن أسرته وأصدقائه لتجنب تناول الطعام أمامهم أو خشية التعليقات، فتزداد العزلة وتتفاقم الأفكار السلبية.

وبيّن أن استمرار بعض الأشخاص في اتباع الحميات القاسية أو ممارسة الرياضة بشكل مفرط، رغم إدراكهم الأضرار، يعود إلى تحول السلوك إلى دائرة نفسية قهرية، مؤكداً أن استمرار هذه السلوكيات لا يعكس العناد أو نقص المعرفة، بل قد يكون جزءاً من الاضطراب النفسي نفسه، ويحتاج إلى علاج متكامل يشمل الطب النفسي والتغذية والرعاية الطبية.

وأشار إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً كبيراً في زيادة انتشار هوس الرشاقة، خصوصاً بين الشباب، من خلال عرض صور منتقاة ومعدلة رقمياً تُقدم باعتبارها نموذجاً طبيعياً للجمال والنجاح، ما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن القبول الاجتماعي مرتبط بامتلاك جسم مثالي، لافتاً إلى أن بعض الحسابات تروّج لحميات قاسية أو تحديات لإنقاص الوزن وتمارين مفرطة من دون توضيح مخاطرها الصحية أو مراعاة الفروق الطبيعية بين الأجسام، فيما تؤدي خوارزميات المنصات إلى إغراق المستخدم في المزيد من المحتوى المشابه، ليصبح محاطاً باستمرار برسائل تتعلق بالوزن والسعرات الحرارية والتخسيس.

هوس إنقاص الوزن

وأكدت طبيبة الأسرة، الدكتورة إيناس عثمان، أن التقييد الشديد للطعام وممارسة الرياضة بصورة مفرطة قد يؤديان إلى سلسلة من المضاعفات الصحية التي تبدأ بأعراض تبدو بسيطة، لكنها قد تتطوّر إلى مشكلات أكثر خطورة إذا استمرت من دون علاج، موضحة أن من أبرز هذه الأعراض الشعور المستمر بالتعب والدوار والصداع وضعف التركيز والإحساس بالبرد، إلى جانب انخفاض ضغط الدم، وبطء أو اضطراب نبضات القلب، وفقدان الكتلة العضلية، وجفاف الجلد، وتساقط الشعر، والإمساك، وأضافت أن الشخص قد يعاني أيضاً ضعف المناعة وتكرار الإصابة بالعدوى وبطء التئام الجروح، فضلاً عن تراجع الأداء الدراسي أو المهني، مشيرة إلى أن الإفراط في ممارسة الرياضة قد يسبب الإجهاد وإصابات متكررة في العضلات والأوتار والمفاصل، خصوصاً عند عدم الحصول على كميات كافية من السعرات الحرارية والكالسيوم وفيتامين (د)، وقالت إن هوس إنقاص الوزن يؤثر بشكل مباشر في التوازن الهرموني، إذ يلجأ الجسم عند نقص الطاقة إلى تقليل بعض الوظائف غير الأساسية للحفاظ على بقائه، مشيرة إلى أن ذلك قد يؤدي لدى النساء إلى اضطراب الدورة الشهرية أو انقطاعها وتأثر عملية الإباضة والقدرة على الحمل، بينما قد يعاني الرجال انخفاض الهرمونات الجنسية، ما ينعكس على الرغبة الجنسية والطاقة والكتلة العضلية وجودة الحيوانات المنوية، وأشارت إلى أن عيادات طب الأسرة تستقبل حالات عديدة كانت الحميات القاسية أو وسائل التخسيس غير الآمنة سبباً رئيساً في إصابتها بالجفاف، واضطراب الأملاح، وانخفاض سكر الدم، وفقر الدم، وتساقط الشعر، واضطراب الدورة الشهرية، ونقص الفيتامينات، وذكرت أن بعض المرضى استخدموا منتجات عشبية أو حبوباً أو حقناً للتخسيس من دون استشارة طبية، ما أدى إلى مضاعفات مثل خفقان القلب، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الجهاز الهضمي أو الكبد، محذرة من الاعتقاد السائد بأن جميع المنتجات الطبيعية آمنة، إذ إن بعض المستحضرات غير المرخصة قد تحتوي على مواد دوائية أو منبهات غير معلنة، وبيّنت أن المراهقين والشباب يعدون من أكثر الفئات عرضة لهوس الرشاقة واضطرابات الأكل، نتيجة التغيرات الجسدية وضغوط الأصدقاء وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وأضافت أن الخطورة ترتفع أيضاً لدى الرياضيين، فضلاً عن الأشخاص الذين يعانون القلق أو الاكتئاب أو انخفاض تقدير الذات أو تعرضوا للتنمر، وأضافت أن متابعة الحالة الصحية للأشخاص الذين يفقدون أوزانهم بسرعة أو يمارسون الرياضة بصورة مفرطة تستلزم قياس الوزن والطول ومؤشر كتلة الجسم ومعدل فقدان الوزن، إضافة إلى ضغط الدم والنبض، وقد يتطلب الأمر قياس ضغط الدم والنبض أثناء الاستلقاء ثم الوقوف عند وجود دوار.

نظام غذائي

بدورها، أكدت أخصائية التغذية العلاجية، تسنيم عبيد، أن الفرق بين النظام الغذائي الصحي والحميات القاسية يتمثّل في أن الأول يهدف إلى تحسين الصحة وخفض الوزن تدريجياً من خلال غذاء متوازن يلبي احتياجات الجسم، بينما تعتمد الحميات القاسية على الحرمان الشديد وخفض السعرات بصورة مبالغ فيها، ما يؤدي إلى فقدان العضلات والعناصر الغذائية بدلاً من الدهون، ويؤثر سلباً في الهرمونات والمناعة والصحة النفسية.

وأوضحت أن العيادات تستقبل بشكل متكرر حالات تعرضت لمضاعفات صحية نتيجة اتباع أنظمة غذائية غير مدروسة أو وسائل غير آمنة للتخسيس، من أبرزها الإرهاق الشديد، وفقر الدم، وتساقط الشعر، واضطراب الدورة الشهرية، وضعف العضلات، ونقص الفيتامينات، إضافة إلى الجفاف، واضطراب الأملاح، وانخفاض سكر الدم، والتهاب المعدة أو الإمساك، لافتة إلى أن بعض الأشخاص خسروا الوزن بسرعة، إلا أن الجزء الأكبر من الخسارة كان من السوائل والكتلة العضلية وليس الدهون، ما أدى لاحقاً إلى استعادة الوزن بسرعة بعد التوقف عن الحمية.

وأشارت إلى أن بعض الحالات استخدمت أدوية أو حقناً أو منتجات عشبية للتخسيس من دون إشراف طبي، ما تسبب في مضاعفات مثل اضطرابات القلب وضغط الدم والكبد، محذرة من الاعتقاد بأن جميع المنتجات الطبيعية آمنة، إذ قد تحتوي بعض المستحضرات غير المرخصة على مواد دوائية أو منبهات غير معلنة.

وأضافت أن ممارسة الرياضة المفرطة مع نقص الطعام قد تؤدي إلى إصابات العضلات والأوتار، وكسور الإجهاد، والإرهاق المزمن، والدوار والإغماء، واضطرابات ضربات القلب، فضلاً عن اضطرابات هرمونية وضعف العظام والمناعة نتيجة نقص توافر الطاقة في الجسم.

وشددت على أن إنقاص الوزن بطريقة آمنة يجب أن يكون تدريجياً وتحت إشراف مختصين، مع التركيز على تحسين الصحة والعادات الغذائية، وليس مجرد الوصول إلى رقم أقل على الميزان.

• أطباء رصدوا حالات لمصابين بمشكلات في الخصوبة واضطراب الهرمونات بسبب الحمية القاسية لإنقاص الوزن .

• 10 مخاطر صحية ونفسية يقودها «هوس الرشاقة» الرقمية.

الأكثر مشاركة