أشخاص يعجزون عن أداء مهامّ يومية ووظيفية من دون الاستعانة بالهواتف الذكية والإنترنت
أطباء يحذرون من الذاكرة الرقمية: عقل تقني يُسرّع «الشيخوخة الذهنية»
حذّر أطباء ومختصون من التداعيات المتزايدة للاعتماد المفرط على الهواتف الذكية والإنترنت في إدارة تفاصيل الحياة اليومية، مؤكدين أن هذا النمط من «الذاكرة الرقمية» أحدَثَ تحوّلاً جوهرياً في طريقة عمل الدماغ البشري، مع تزايد الاعتماد على ما يُعرَف بـ«العقل الخارجي» المتمثل في الأجهزة الذكية لتخزين واسترجاع المعلومات، ما انعكس على تراجُع كفاءة الذاكرة.
وقالوا لـ«الإمارات اليوم» إن هذا التحول في طريقة عمل الدماغ أدى إلى تراجُع عدد من الوظائف الذهنية الرئيسة مثل «التركيز والانتباه وسرعة الاسترجاع»، نتيجة ما يُعرف بـ«تفريغ العبء المعرفي»، حيث يميل الدماغ لتقليل الجهد الذهني مع توفر بدائل رقمية جاهزة، ما قد يقود إلى «الكسل المعرفي» وتآكل القدرات الذهنية الفطرية، مشيرين إلى وصول بعض الأشخاص لعدم القدرة على أداء مهامهم اليومية والوظيفية من دون الهاتف والأجهزة نتيجة تراجُع الإحساس بالاستقلالية الذهنية.
وأضافوا أن الإفراط في هذا النمط الرقمي انعكس على الصحة النفسية والجسدية، ويرتبط بزيادة التشتت الذهني والإرهاق العقلي واضطرابات القلق وأعراض اكتئابية لدى بعض الفئات، إلى جانب ما يشبه «الشيخوخة الذهنية المبكرة» الناتجة عن الاستهلاك المستمر للمحتوى السريع والتنقل بين التطبيقات من دون فترات راحة كافية.
فيما رصد الأطباء زيادة في صعوبات التركيز والحفظ لدى الأطفال نتيجة الاستخدام المبكر للأجهزة، مؤكدين أنه يؤثر في نمو الذاكرة والانتباه والتفاعل الاجتماعي خلال مراحل بناء الدماغ الأولى.
وأشاروا إلى ثلاث علامات مبكرة لتراجع كفاءة الذاكرة تشمل «نسيان المعلومات البسيطة مثل الأرقام والمواعيد، وصعوبة استرجاع المحادثات أو الاعتماد المفرط على الهاتف، وضعف التركيز والتشتت الذهني»، مشددين على أن الحل يكمن في توازن رقمي واعٍ يعيد للدماغ قدرته الطبيعية على التذكر، عبر تدريب العقل على الاسترجاع قبل استخدام الهاتف، إلى جانب تقليل الإشعارات وتحديد أوقات للاستخدام، وتجنب الهاتف أثناء الوجبات والمحادثات، وتخصيص فترات خالية منه، خصوصاً قبل النوم، مع ممارسة أنشطة ذهنية تعزز التركيز والذاكرة.
تحول جوهري
وحذّر استشاري طب الأعصاب، الدكتور أحمد عبيد، من الاعتماد المتزايد على الهواتف الذكية في تخزين أدق تفاصيل حياتنا اليومية لأن ذلك سيؤدي إلى ظاهرة نسميها «تفريغ العبء المعرفي»، فكلما تراجع دور الدماغ في استرجاع المعلومات لمصلحة الأجهزة الرقمية، تراجعت كفاءته تدريجياً.
وأوضح أن الذاكرة البشرية تعمل بآلية مشابهة للعضلات «استخدمها أو تخسرها»، فكلما تراجع دور الدماغ لمصلحة الأجهزة الرقمية تراجعت كفاءته تدريجياً، مؤكداً أن الاعتماد على التكنولوجيا يقلل من الجهد الذهني، ويضعف بعض المهارات مثل التذكر وحل المشكلات.
وأضاف: «وظائف (الانتباه، والتركيز، وسرعة الاسترجاع) أكثر ما يتأثر، فالإشعارات المستمرة وتعدد المهام تقلل القدرة على التركيز العميق، ما يؤثر في كيفية استيعاب المعلومات وتذكرها، كما قد تتباطأ سرعة الاسترجاع بسبب الاعتماد على الأجهزة بدلاً من تدريب الذاكرة، ويمكن تحسين هذه القدرات من خلال تقليل المشتتات وتعزيز التركيز».
وحدد ثلاث علامات مبكرة تشير إلى تراجُع كفاءة الذاكرة بسبب هذا النمط وتستوجب التدخل للمعالجة تشمل «نسيان المعلومات البسيطة بشكل متكرر، مثل أرقام الهواتف أو المواعيد من دون تذكير، وصعوبة في تذكر المحادثات الأخيرة أو الاعتماد المفرط على الهاتف، وضعف التركيز والشعور بالتشتت الذهني».
وشدد على ضرورة خلق توازن رقمي عبر تدريب العقل على تذكر الأمور البسيطة ذاتياً قبل اللجوء للهاتف، وممارسة أنشطة ذهنية كالقراءة والتعلم المستمر، مؤكداً أن التكنولوجيا يجب أن تظل وسيلة لتعزيز الإنتاجية، لا عكازاً يؤدي بمرور الوقت إلى ضمور مهاراتنا الذهنية.
الزهايمر والشيخوخة
وحذّر استشاري طب الأسرة، الدكتور عادل سجواني، من الإفراط في استخدام الهواتف الذكية والإنترنت، مؤكداً أن هذا النمط قد يؤدي إلى تراجع التركيز وضعف الذاكرة وزيادة أعراض الاكتئاب، مستنداً إلى نتائج دراسة أُجريت في ألبرتا بكندا على 467 شخصاً، تم خلالها منع استخدام الإنترنت عبر الهاتف لمدة أسبوعين، مع السماح فقط بالمكالمات والرسائل النصية، واستخدام الإنترنت عبر الكمبيوتر عند الحاجة.
وأوضح أن المشاركين في التجربة سجّلوا انخفاضاً ملحوظاً في أعراض الاكتئاب بنسبة وصلت إلى 70%، إلى جانب تحسن واضح في الذاكرة، وكأنهم استعادوا كفاءة ذهنية تعادل ما قبل 10 سنوات، لافتاً إلى أن التنقل المستمر بين التطبيقات والمحتوى السريع يرهق الدماغ والجهاز العصبي، ويؤثر سلباً في القدرة على التركيز والاسترجاع.
وبيّن أن بعض الأشخاص يعتقدون أنهم يعانون مشكلات خطيرة مثل الزهايمر، في حين أن ما يحدث في كثير من الحالات هو نوع من «الشيخوخة الذهنية المبكرة» نتيجة الإجهاد الرقمي المستمر.
وأكد أن أخذ «استراحة رقمية» لمدة أسبوعين يُعد من الخطوات الفعالة لإعادة التوازن للدماغ وتحسين الأداء الذهني والصحة النفسية.
الراحة النفسية
وأكد استشاري الطب النفسي، الدكتور رياض خضير، أن ميل الأفراد للاعتماد على الهواتف الذكية في التذكّر لا يعود إلى الكسل بقدر ما يرتبط بالراحة النفسية، موضحاً أن الدماغ بطبيعته يبحث عن الطرق الأسهل لإدارة الحياة اليومية، ومع توفر الهاتف كوسيلة لحفظ المعلومات والتذكيرات، يتكوّن شعور بالاطمئنان بأن كل شيء «مخزّن وآمن»، ما يدفع تدريجياً إلى تقليل الجهد الذهني وتحويل الهاتف إلى ما يشبه «عقلاً خارجياً» يعتمد عليه الفرد في إدارة تفاصيل يومه.
وأوضح أن هذا النمط قد يتطور إلى نوع من الاعتماد السلوكي، خصوصاً عندما يشعر الشخص بالقلق أو التوتر عند الابتعاد عن هاتفه، لافتاً إلى أن الأمر لا يُعد إدماناً كيميائياً، لكنه يتشابه مع الإدمان في أنماطه من حيث الاعتياد والارتباط النفسي وصعوبة تقليل الاستخدام، مضيفاً أن هذا السلوك يرتبط أيضاً بضعف الانتباه وزيادة القلق، نتيجة الإشعارات المستمرة والتنقل السريع بين التطبيقات، ما يدرّب الدماغ على التشتت ويقلل قدرته على التركيز العميق.
وبيّن أن الاعتماد المفرط على الهاتف الذكي والإنترنت ينعكس سلباً على الثقة بالذاكرة، حيث يبدأ الفرد في الشك بقدرته على التذكّر، لافتاً إلى أن بعض الأشخاص قد يصلون إلى مرحلة يشعرون فيها بعدم القدرة على أداء مهامهم اليومية من دون الهاتف، نتيجة تراجع الإحساس بالاستقلالية الذهنية.
وأضاف أن الاستخدام المتكرر للهاتف الذكي يضعف القدرة على التفكير العميق، بسبب الانقطاعات المتواصلة التي تقطع سلسلة التركيز، كما قد يسهم في ما يُعرف بالإرهاق الذهني.
وأكد أن هذا النمط ينعكس أيضاً على جودة الحياة والعلاقات الاجتماعية، إذ قد يكون الشخص حاضراً جسدياً لكنه مشتت ذهنياً، ما يقلل من عمق التفاعل الإنساني.
ونصح باتباع خطوات عملية لتحقيق توازُن صحي من خلال الاستخدام الواعي للتكنولوجيا أبرزها «محاولة تذكّر الأمور قبل الرجوع إلى الهاتف وتقليل الإشعارات، وتحديد أوقات معينة لاستخدامه بدلاً من التحقق المستمر، والابتعاد عن الهاتف أثناء الوجبات والمحادثات، وتخصيص أوقات خالية من الهاتف خصوصاً قبل النوم، وممارسة أنشطة ذهنية كفيلة بإعادة تنشيط الذاكرة وتعزيز التركيز».
السنوات الأولى
وأكدت استشارية طب الأطفال، الدكتورة رامية الهاشمي، أن الاعتماد المبكر على الأجهزة الذكية قد يؤثر في نمو الذاكرة لدى الأطفال، موضحة أن الدماغ في السنوات الأولى قبل سن الـ 5 يكون في مرحلة بناء المسارات الأساسية المسؤولة عن التذكّر، وعندما يعتمد الطفل على الشاشة بدلاً من محاولة التذكر بنفسه، فإنه يفقد جزءاً مهماً من التفاعل الذهني النشط الضروري لتقوية الذاكرة، مشددة على أن الطفل يحتاج إلى التفاعل الواقعي والتكرار واللعب لبناء أساس ذهني قوي يدعمه في المدرسة والحياة.
وأضافت أن البنية الأساسية لدماغ الطفل لم تتغير مقارنة بالأجيال السابقة، لكن طريقة تطوره تتأثر بالبيئة الرقمية الحديثة، حيث يتعرض الأطفال اليوم لمحتوى سريع ومكثف يؤثر في أسلوب الانتباه ومعالجة المعلومات، ما قد يجعلهم أسرع في الاستجابة البصرية، لكن أقل صبراً مع المهام التي تتطلب تركيزاً ووقتاً، لافتة إلى أن هذا الواقع يستدعي تحقيق توازن بين استخدام التكنولوجيا والأنشطة التقليدية مثل القراءة وسرد القصص والتفاعل الأسري.
وبيّنت أنه في الممارسة السريرية لوحظ تزايد في عدد الأطفال الذين يواجهون صعوبات في التركيز أو الحفظ والتحصيل الدراسي نتيجة الاستخدام المتكرر للأجهزة، خصوصاً مع المحتوى القصير والسريع، مؤكدة أن هذه الحالة غالباً قابلة للتحسن من خلال تنظيم الروتين اليومي وتقليل وقت الشاشة وتعزيز الأنشطة التي تتطلب تركيزاً.
وأضافت أن الإفراط في استخدام الأجهزة قد ينعكس على الأداء الدراسي، حيث قد ينجز الطفل المهام بسرعة عبر الجهاز، لكنه يواجه صعوبة في الفهم العميق أو الاحتفاظ بالمعلومات، كما قد يؤدي إلى سلوكيات مرتبطة بضعف الانتباه، مثل التشتت وقلة الصبر، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الإصابة باضطرابات مثل فرط الحركة.
وأشارت إلى أن هناك علامات واضحة تدل على اعتماد الطفل المفرط على الأجهزة، مثل الانزعاج الشديد عند سحب الجهاز، وفقدان الاهتمام بالأنشطة الأخرى، واضطرابات النوم، وضعف التفاعل الاجتماعي، مؤكدة أن الانتباه المبكر لهذه المؤشرات يساعد على التدخل السريع وإعادة التوازن.
وشددت على أهمية وجود بدائل يومية في تنمية الذاكرة، مثل قراءة القصص، وتكرار الأناشيد، والألعاب الذهنية، وتشجيع الطفل على رواية يومه والمشاركة في الأنشطة الأسرية، مؤكدة أن التفاعل العائلي المباشر يمثل عاملاً أساسياً في نمو المهارات الذهنية.
• 3 علامات مبكرة لتراجُع كفاءة الذاكرة، أبرزها: نسيان الأرقام والمواعيد، وصعوبة استرجاع المحادثات.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news