عقوبة الاحتكار تتضمن الغرامة وإيقافاً مؤقتاً للنشاط أو إلغاء الترخيص

صيادلة: التوسّع في وكلاء الأدوية يُخفّض الأسعار 20%.. ومخاوف من «تلاعب» الشركات

صورة

أكّد صيادلة أن قرار مؤسسة الإمارات للدواء بإلزام شركات الأدوية بتعيين أكثر من وكيل لكل منتج طبي يتم تداوله في الدولة لكسر الاحتكار، سيُشكّل إضافة قوية في سوق الدواء بالدولة، ويفتح المجال أمام كثير من شركات الصيدلة للدخول والمنافسة، ما سيترتب عليه انخفاضاً في الأسعار بمتوسط يصل إلى 20%، خصوصاً في الأدوية المبتكرة، وأدوية الأمراض المزمنة.

وقال برلمانيون وقانونيون إن «القرار يُمثّل تحولاً نوعياً في فلسفة تنظيم سوق الدواء في الدولة»، موضحين أنه يجمع بين البُعد الصحي والبُعد التنافسي في إطار قانوني متكامل، كما أنه خطوة مهمة في مسار توطين صناعة الدواء.

وأعلنت مؤسسة الإمارات للدواء أخيراً، تفعيل آلية جديدة، تهدف إلى كسر الاحتكار، وتُلزم شركات الأدوية بتعيين أكثر من وكيل لكل منتج طبي يتم تداوله في الدولة.

وكانت «الإمارات اليوم» نشرت، في 19 يناير الماضي، تحقيقاً حول تسعير الأدوية داخل الدولة، وكشفت عن بيع أدوية أمراض مزمنة وموسمية في الإمارات بأضعاف سعرها في أسواق خارج الدولة.

وتفصيلاً، رصد صيادلة سبع فوائد ستعود على سوق الدواء في الإمارات بناء على قرار مؤسسة الإمارات للدواء التوسّع في وكلاء الأدوية، تشمل: حماية الحق في الصحة، وضبط الأسعار وتعزيز القدرة الشرائية، واستقرار سلاسل الإمداد، وتشجيع المنافسة العادلة، وتقليل الحواجز أمام المستثمرين المواطنين الراغبين في دخول السوق، والحد من تضارب المصالح والممارسات غير المشروعة، إضافة إلى تحقيق المصلحة العامة.

وأكّد الصيادلة: محمد منذر وأحمد النشار ووائل فهمي، أن «احتكار الأدوية قد يؤدي إلى رفع الأسعار من خلال تقليل الكميات المتاحة، ما ينعكس سلباً على حق المرضى في الحصول على العلاج المناسب في الوقت المناسب، أما منع الاحتكار فيضمن عدم تعريض المرضى لمخاطر انقطاع الدواء»، مشيرين إلى أن «سيطرة وكيل واحد على توزيع منتج شركة أدوية عالمية، يؤدي إلى انعدام المنافسة السعرية، فيما يحد تعدد الوكلاء من الممارسات الاستغلالية، ويُعزّز استقرار سلاسل الإمداد، ويقلل من مخاطر الانقطاع الناتج عن تعثر الوكيل الواحد في الاستيراد، سواء لأسباب مالية أو لوجستية، ما يُعزّز الأمن الدوائي الوطني».

وشددوا على وضع ضوابط رقابية تحول دون أي ممارسات تحايلية، كقيام وكلاء حاليين بإنشاء شركات جديدة بأسماء مختلفة، وتسجيلها كوكلاء للمنتج نفسه، بما يؤدي عملياً إلى استمرار احتكار الدواء، لافتين إلى ضرورة فرض جزاءات رادعة في حال ثبوت التحايل أو التواطؤ، لضمان استقرار المنافسة العادلة.

واعتبر مندوبا تسويق أدوية، يوسف علبي وبيتر منصور، أن القرار يُعزّز المنافسة وسرعة التوريد والدعم الفني، ويقلل من الممارسات الاحتكارية، ويفتح المجال أمام شركات ومستثمرين مواطنين لدخول السوق.

وأكّد أعضاء في المجلس الوطني الاتحادي أن قرار مؤسسة الإمارات للدواء يتماشى مع توصيات المجلس الخاصة بتعزيز الأمن الوطني للصناعات الدوائية، والتصدي للممارسات الاحتكارية، وتخفيض أسعار الأدوية في الدولة، وتحفيز الصناعات الوطنية في قطاع الأدوية والمستلزمات الطبية.

وقالت عضو المجلس، منى خليفة حماد، إن «القرار يسهم في تشجيع المواطنين على الاستثمار في قطاع الأدوية، نتيجة توفير تكافؤ الفرص والمنافسة بشكل عادل، ما يُعزّز ثقة المواطنين بجدوى الاستثمار، ويزيد من فرص تحقيق أرباح مستدامة للمستثمرين الجدد، خصوصاً عندما لا تكون السوق محصورة في عدد محدود من الشركات».

وشددت على أن قرار إلزام شركات الأدوية بتعيين أكثر من وكيل لكل منتج طبي يُعدّ خطوة مهمة على مسار توطين صناعة الأدوية، إضافة إلى أن إيجاد الفرص لمشاركة مستثمرين مواطنين في قطاع الأدوية، يُعزّز الاكتفاء الذاتي، ويسهم في توطين سلاسل الإمداد، وينسجم مع توجهات الدولة الرامية إلى تطوير بيئة دوائية تنافسية ومستقرة.

وطالبت عضو المجلس، مضحية المنهالي، ببناء منظومة دوائية مستدامة، من خلال دعم التصنيع المحلي والبحث العلمي، والتركيز على الاستزراع الحيوي والدوائي (الأدوية البيولوجية) كأداة استراتيجية واعدة في إنتاج مركبات طبية فاعلة.

وقالت: «يمكن تحقيق الاستدامة الفعّالة في قطاع الصناعات الدوائية بالدولة من خلال الاستزراع الحيوي للتركيبات الطبية، عبر استخدام الكائنات الحية الدقيقة أو النباتات الطبية أو الخلايا المعدلة وراثياً، لإنتاج مركبات فعّالة تستخدم في تصنيع أدوية، مثل المضادات الحيوية واللقاحات والإنزيمات والبروتينات العلاجية، ما يتطلب إنشاء بنوك جينية، ومحطات استزراع تحفظ الأصول الحيوية، وتعزيز الأمن الدوائي، وتأسيس مزارع بيولوجية متخصصة لإنتاج مركبات دوائية نادرة، والاستفادة من النباتات الطبية المحلية والتوسّع في الزراعة داخل البيئات المحمية، لضمان جودة إنتاج عالية».

وشددت على أن الاستثمار في التكنولوجيا الحيوية يُعدّ ركيزة أساسية، ويشمل دعم تقنيات الاستزراع الخلوي والهندسة الوراثية لإنتاج التركيبات الحيوية، وتمويل الدراسات والبحوث التطبيقية المختصة في الاستزراع الدوائي، إضافة إلى تفعيل آلية التصنيع المحلي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، كما يمكن التركيز على توظيف المركبات المزروعة محلياً، كمكونات رئيسة في الصناعات الدوائية، بما يُعزّز من مكانة الدولة مركزاً إقليمياً متقدماً في الابتكار والإنتاج الدوائي المستدام.

واقترح عضو المجلس، وليد المنصوري، أن يتضمن تعزيز الأمن الوطني للصناعات الدوائية إطلاق برنامج وطني للبحوث الدوائية بالشراكة مع الجامعات البحثية، واستقطاب الشركات العالمية للتصنيع الدوائي، بدلاً من أن تكون موجودة كمكاتب تمثيل أو تصنيع بالوكالة.

وقال: «الاستثمار في القطاع الدوائي يخفف من فاتورة استيراد الدواء، وهذا يُولّد قيمة مضافة على المدى المتوسط والطويل، فهذه هي صناعة المستقبل، ويجب إعطاء أولوية للأمن الدوائي موازية للأولوية المعطاة للأمن الغذائي والأمن المائي».

وأفاد المحامي سالم عبيد النقبي بأن قرار إلزام شركات الأدوية بتعيين أكثر من وكيل لكل مُنتَج طبي بهدف كسر الاحتكار، يثير جملة من التساؤلات القانونية المرتبطة بعقوبة الاحتكار، وحدود حرية التعاقد، وعلاقة التنظيم الجديد بمبادئ حماية المنافسة، فضلاً عن المسؤولية المترتبة على المخالفين، مشيراً إلى أن الاحتكار يُعدّ من الممارسات المحظورة في المنظومة التشريعية الإماراتية، بموجب المرسوم بقانون اتحادي رقم 36 لسنة 2023 بشأن تنظيم المنافسة، إذ يحظر القانون الاتفاقات أو الممارسات التي من شأنها تقييد المنافسة أو الإخلال بها أو منعها، بما في ذلك إساءة استغلال الوضع المهيمن في السوق.

وقال إن العقوبات تشمل الغرامات المالية الكبيرة، التي قد تحتسب كنسبة من إجمالي المبيعات السنوية، وتدابير تصحيحية، مثل إلزام المنشأة بوقف الممارسة المخالفة أو تعديل أوضاعها التعاقدية، وقد تفرض جزاءات إدارية، مثل وقف النشاط مؤقتاً، أو إلغاء الترخيص في الحالات الجسيمة، ويعكس ذلك توجهاً تشريعياً واضحاً نحو ردع السلوكيات الاحتكارية لحماية السوق والمستهلك.

وأكّد النقبي أن حرية التعاقد من المبادئ الراسخة في القانون المدني، إذ يملك الأفراد حرية إبرام العقود وتحديد أطرافها وشروطها غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، بل تقف عند حدود النظام العام والمصلحة العامة، مشيراً إلى أن «التدخل التنظيمي الذي يفرض تعدد الوكلاء لا يُعدّ انتقاصاً غير مشروع من حرية التعاقد، بل هو قيد تنظيمي تبرره اعتبارات المصلحة العامة، وعلى رأسها ضمان توافر الدواء، ومنع حصر توريده عبر قناة واحدة قد تؤدي إلى انقطاع الإمداد أو التحكم بالأسعار، فالمشرّع يملك سلطة تنظيم الأنشطة الاقتصادية متى كان ذلك متصلاً بحماية الصحة العامة أو تعزيز المنافسة».

وشدد على أن «القرار يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمبادئ حماية المنافسة التي يقوم عليها قانون تنظيم المنافسة، فحصر توزيع المنتج الطبي في وكيل واحد قد يؤدي عملياً إلى إيجاد وضع مهيمن، يمنح الوكيل قدرة على التحكم في الكميات أو الأسعار أو شروط التوريد»، لافتاً إلى أنه «من خلال فرض تعدد الوكلاء يتم تفكيك البنية الاحتكارية المحتملة قبل نشوئها بما يُعزّز مبدأ تكافؤ الفرص، ويمنع تركز القوة السوقية في يد جهة واحدة، كما ينسجم القرار مع السياسة العامة للدولة في تنويع مصادر التوريد، وتعزيز الأمن الدوائي، وهو ما يربط بين الاعتبارات الاقتصادية والصحية في آن واحد».

وحذّر النقبي، في حال امتنعت شركات الأدوية عن تعيين أكثر من وكيل بالمخالفة للآلية المعتمدة، من أنها قد تتعرّض لجملة من المسؤوليات القانونية، تبدأ بالمسؤولية الإدارية أمام الجهة التنظيمية المختصة، التي تملك سلطة فرض غرامات أو تعليق أو إلغاء تسجيل المنتج، كما قد تترتب مسؤولية مالية عن أي أضرار تلحق بالسوق أو المستهلكين نتيجة الإخلال بالالتزام التنظيمي.

وأكّد المحامي الدكتور أحمد المعمري أن الإمارات نجحت في ترسيخ منظومة تشريعية متكاملة لحماية المنافسة، بهدف تعزيز الممارسات التجارية السليمة، ورفع الكفاءة الإنتاجية في مختلف القطاعات الاقتصادية، ومكافحة الممارسات الاحتكارية، والتصدي للتكتلات الاقتصادية الضارة بالمستهلك، ما يُعزّز تنافسية بيئة الأعمال في الدولة، ويزيد من جاذبيتها للشركات وأصحاب الأعمال من جميع أنحاء العالم، مشدداً على أن قرار مؤسسة الإمارات للدواء يضمن تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وتعزيز المنافسة وحماية الأمن الدوائي والمستهلك.

وقال إن القرار ينهي احتكار المنتجات الطبية، ويحد من مخاطر انقطاع الإمدادات في حالات الطوارئ أو التحديات التشغيلية.

ولضمان التزام الشركات المصنعة بتعدد الوكلاء ومنع الاحتكار، اقترح المعمري ربط تجديد تسجيل المنتج سنوياً باستمرار توافر أكثر من وكيل فعلي يمارس النشاط، ومنع تسجيل وكلاء تربطهم علاقة ملكية مباشرة أو غير مباشرة، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية توضح أسماء الوكلاء لكل منتج، وهيكل الملكية للشركة، ووضع آلية رقابية، لرصد أي تغيّر في الملكية، وإلزام الشركة المصنعة بمنع العقود الحصرية المطلقة، وإتاحة فرص متكافئة للتعاقد مع أكثر من موزع مؤهل داخل الدولة، والإعلان عنهم على موقعها الرسمي، مع ضمان التزامها بتوزيع الحصص السوقية بشكل متوازن بين الوكلاء، لمنع التركز الفعلي بيد وكيل واحد، وتعليق أو إلغاء ترخيص الوكيل المخالف، وشطب تسجيل المنتج مؤقتاً إذا ثبت وجود ممارسات احتكارية متعمدة.


تعزيز الصناعات الدوائية

أوصى المجلس الوطني الاتحادي بإنشاء صناديق تمويل بحثية متخصصة، لدعم الابتكار في القطاع الدوائي، وتخفيض أسعار الأدوية، خصوصاً المبتكرة، بالتنسيق مع الشركات الدوائية العالمية المُصنعة، وتشجيع شركات التأمين على اعتماد المنتجات الطبية المحلية ضمن تغطيتها الطبية، وإعطاء المنتجات الطبية المحلية الأولوية في المناقصات الحكومية.

وتضمنت توصيات المجلس، التي تم اعتمادها، أخيراً، بعد مناقشته «سياسة الحكومة في تحقيق الأمن الوطني للصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية»، التخزين الاستراتيجي للمواد الخام الفعّالة التي تكفي لخمس سنوات على الأقل، بالتعاون مع قطاع الصناعات الدوائية، وفقاً لاحتياجات القطاع التصنيعية، وتوجيه إنتاج المصانع الوطنية للأدوية نحو التخصصية في الإنتاج مع إعطاء الأولوية للأدوية البيولوجية المبتكرة، من خلال عقد شراكات مع المصانع الدولية.

7 فوائد لقرار التوسّع في وكلاء الأدوية، أبرزها حماية الحق في الصحة وضبط الأسعار.

تويتر