أطباء حذروا من قلة الحركة والإفراط في الطعام والعزلة الاجتماعية
14 مرضاً أبرزها السمنة والاكتئاب تهدد الأجيال الجديدة بسبب «الخمول المعيشي»
حذّر أطباء مختصون من تداعيات صحية ونفسية خطرة لما يُعرف بـ«الرفاه الزائد»، مؤكدين أن أنماط الحياة الحديثة القائمة على قلة الحركة، والإفراط في تناول الطعام، والعزلة الاجتماعية، أعادت رسم خريطة الأمراض الشائعة في مجتمعاتنا.
وأضافوا أن الجلوس لفترات طويلة، والاستخدام المفرط للتكنولوجيا، وسهولة الحصول على الأغذية عالية السعرات الحرارية، أسهمت في انتقال العبء الصحي من الأمراض المعدية إلى الأمراض المزمنة غير السارية.
وقالوا لـ«الإمارات اليوم» إن هذه الأنماط أدت إلى الإصابة بما لا يقل عن 14 مرضاً صحياً ونفسياً، تشمل السمنة، والسكري من النوع الثاني، وضعف الكتلة العضلية، وهشاشة العظام، وآلام المفاصل والظهر، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون، والكبد الدهني، والنقرس، ومتلازمة الأيض، وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والجلطات، وبعض أنواع السرطان، إضافة إلى الاكتئاب والقلق، واضطرابات النوم والشعور بالفراغ الداخلي.
وأكدوا أن المرحلة الحالية تشهد ازدياداً مقلقاً في ظهور هذه الأمراض بين الفئات العمرية الصغيرة، وهي أمراض كانت تُعد سابقاً مرتبطة بالتقدم في العمر، ما يعكس الأثر العميق لنمط الحياة الخامل الممتد منذ الطفولة والمراهقة.
ولفتوا إلى تنامٍ ملحوظ في اضطرابات الأكل غير الظاهرة، وعلى رأسها «الأكل العاطفي»، حيث بات الطعام يُستخدم كوسيلة للتعامل مع التوتر أو الملل أو الضغوط النفسية، موضحين أن هذه الاضطرابات غالباً لا تُشخَّص مبكراً، لكنها تقود تدريجياً إلى زيادة الوزن، واضطرابات التمثيل الغذائي، ومشكلات نفسية مصاحبة.
وبيّن الأطباء أن السعي المستمر نحو الراحة وتقليل الجهد وتسريع الإشباع لم ينعكس بالضرورة طمأنينةً نفسية، بل صاحبه ارتفاع ملحوظ في معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم، والشعور بالفراغ الداخلي، على الرغم من وفرة الرفاه والتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن اختزال الحياة في الاستهلاك والراحة يُفقد الفرد إحساسه بالجدوى، وهو أحد أعمدة الاتزان النفسي.
وشددوا على أن من أخطر انعكاسات نمط الحياة المريح تراجع القدرة على التحمّل النفسي، إذ إن الاعتياد على الراحة والإشباع السريع يجعلان الأفراد أقل صبراً على الإحباط، وهي ظاهرة تتجلى بوضوح لدى الأجيال الجديدة، حيث تتحوّل التحديات الطبيعية للحياة إلى مصادر إنهاك نفسي مضاعف.
الفئات العمرية الصغيرة
وتفصيلاً، قالت أخصائية طب الأسرة الدكتورة رحاب يوسف السعدي، إن أنماط الرفاه الحديثة غيّرت جذرياً خريطة الأمراض الشائعة في مجتمعاتنا، موضحة أن الاعتماد المتزايد على الجلوس لفترات طويلة، والإفراط في استخدام التكنولوجيا، وتوفر الأغذية عالية السعرات الحرارية، أدت إلى انتقال العبء الصحي من الأمراض المعدية إلى الأمراض المزمنة غير السارية.
وتابعت: «نشهد اليوم ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات السكري، وأمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة، واضطرابات الدهون، لدى فئات لم تكن هذه الأمراض شائعة لديها في السابق».
وأكدت أن قلة الحركة ترتبط مباشرة بعدد من الأمراض والمشكلات الصحية، أبرزها السمنة، وضعف الكتلة العضلية، وهشاشة العظام، وآلام المفاصل والظهر، إضافة إلى ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون، وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والجلطات.
وحول مرض السكري من النوع الثاني، أوضحت أن العامل الوراثي قد يهيئ للإصابة، إلا أن نمط الحياة هو المحرّك الأساسي، قائلة: «الأكل المفرط، وزيادة الوزن، وقلة النشاط البدني تجعل السكري من النوع الثاني مرضاً سلوكياً في المقام الأول، ويمكن في كثير من الحالات تأخيره أو حتى منعه عبر تعديل نمط الحياة».
وبيّنت أن الرفاه الزائد غالباً ما يعني فائضاً في السعرات الحرارية، وزيادة في استهلاك الملح والدهون، مع قلة الحركة، ما يؤدي إلى تصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم وزيادة العبء على القلب، وبالتالي ارتفاع خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية.
وشددت على أن السمنة بحد ذاتها تُعد مرضاً، وفي الوقت نفسه بوابة لسلسلة من الأمراض الأخطر، مثل السكري، وأمراض القلب، وانقطاع النفس أثناء النوم، وبعض أنواع السرطان، مؤكدة أن التعامل المبكر معها يحد من تطور مشكلات صحية معقدة.
وأفادت بأن الوقت الحالي يشهد ازدياداً واضحاً في ظهور هذه الأمراض لدى الفئات العمرية الصغيرة، قائلة: «نرصد ارتفاعاً مقلقاً في معدلات السمنة، والسكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وحتى آلام المفاصل بين الشباب، وهي أمراض كانت تُعد سابقاً مرتبطة بالتقدم في العمر، ما يعكس الأثر العميق لنمط الحياة الخامل منذ الطفولة والمراهقة».
مفارقات صحية
بدورها، ذكرت أخصائية التغذية العلاجية، رنيم جرجاوي، أن وفرة الطعام وسهولة الوصول إليه، لا سيما الأطعمة عالية السعرات والفقيرة بالقيمة الغذائية، أسهمت بشكل مباشر في انتشار أمراض مرتبطة بسوء التغذية. وتابعت: «الإفراط في الاستهلاك دون وعي بجودة الغذاء أو الاحتياج الفعلي للجسم خلق مفارقة صحية واضحة، حيث تقابل الوفرة الغذائية تغذية غير متوازنة، ما أدى إلى انتشار السمنة، واضطرابات الدهون، ومقاومة الأنسولين، وحتى نقص بعض العناصر الدقيقة، على الرغم من كثرة الأكل».
وحول مفهوم سوء التغذية، أكدت أن هذا المفهوم تغيّر بشكل واضح في المجتمعات المترفة، موضحة: «لم يعد سوء التغذية يعني النقص فقط، بل أصبح يعني الإفراط غير الصحي، وهو ما ينعكس في ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، واضطراب التوازن الهرموني، وتراجع اللياقة البدنية، وزيادة الأمراض التي يمكن الوقاية منها بتعديل نمط الغذاء».
وحذرت من التأثيرات السلبية للوجبات السريعة والمشروبات السكرية، خصوصاً الغنية بالفركتوز، على صحة الكبد والهرمونات، مبينة أنها تؤدي إلى تراكم الدهون في الكبد وتطور الكبد الدهني غير الكحولي، إضافة إلى التسبب في مقاومة الأنسولين واضطراب هرمونات الجوع والشبع، ما يغذي حلقة الإفراط في الأكل وزيادة الوزن.
ونبهت إلى الازدياد الملحوظ في حالات اضطرابات الأكل غير الظاهرة، مثل الأكل العاطفي، قائلة: «نرصد انتشاراً متزايداً لاستخدام الطعام كوسيلة للتعامل مع التوتر أو الملل أو الضغوط النفسية، وهذه الاضطرابات غالباً لا تُشخَّص مبكراً، لكنها تقود تدريجياً إلى زيادة الوزن، واضطراب التمثيل الغذائي، ومشكلات نفسية مرافقة».
الاكتئاب الصامت
وقالت استشاري الطب النفسي، الدكتورة أمل عطوة، إن السعي المستمر نحو الراحة وتقليل الجهد وتسريع الإشباع لم يؤدِّ بالضرورة إلى الطمأنينة النفسية، بل رافقه ارتفاع ملحوظ في معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم والشعور بالفراغ الداخلي، على الرغم من الوفرة والتكنولوجيا ووسائل التواصل.
وأوضحت أن الإنسان، من منظور نفسي، لا يبحث عن الراحة فقط، بل يسعى قبل كل شيء إلى المعنى، مشيرة إلى أن «هذا المعنى غالباً ما يتشكل من التحدي، وتحمل المسؤولية، ومواجهة الصعوبات وتجاوزها، لا من غيابها الكامل»، مضيفة أن «اختزال الحياة في الاستهلاك والراحة يُفقد الفرد إحساسه بالجدوى، وهو أحد أعمدة الاتزان النفسي».
ولفتت إلى أن المرونة النفسية تتكوّن عبر الاحتكاك بالضغوط اليومية وبذل الجهد البدني والذهني. ومع نمط الحياة القائم على الإشباع الفوري وقلة الحركة، يضعف تحفيز الأنظمة العصبية المرتبطة بالدافعية والمكافأة، ويظهر ما وصفته بـ«الإرهاق الوجودي»، حيث يسود الفتور وغياب المعنى دون وجود حزن واضح أو متعة حقيقية.
وحذّرت من العزلة النفسية المقنّعة التي يعيشها كثيرون من الأفراد على الرغم من كثافة التواصل الرقمي، مبينة أن هذا النوع من التواصل يفتقر غالباً إلى العمق الإنساني والاحتواء العاطفي، ويعزز المقارنات الاجتماعية والشعور بعدم الكفاية، إضافة إلى انتشاره عبر صور وشخصيات زائفة، ما يغذّي الاكتئاب الصامت والقلق المزمن.
وشددت على أن أحد أخطر انعكاسات الحياة المريحة انخفاض القدرة على التحمّل النفسي، مؤكدة أن الاعتياد على الراحة والإشباع السريع يجعلان الأفراد أقل صبراً على الإحباط، وهي ظاهرة باتت أكثر وضوحاً لدى الأجيال الجديدة، حيث تتحوّل التحديات الطبيعية للحياة إلى مصادر إنهاك نفسي مبالغ فيه.
وأكدت أن مشاعر الفراغ وعدم الرضا، والإدمان الرقمي، والملل، والسعي المستمر للحماسة اللحظية، يمكن النظر إليها كنتاج لأنماط رفاه غير متوازنة، موضحة أن الرفاه بحد ذاته ليس مرضاً، وإنما فقدان التوازن بين الراحة والمعنى هو ما يخلق بيئة نفسية هشّة.
وأكدت أن الوقاية لا تعني رفض الرفاه أو تمجيد المعاناة، بل استعادة التوازن، مشيرة إلى أهمية تعزيز النشاط البدني كحاجة نفسية أساسية، ودعم العلاقات الإنسانية العميقة، وتنظيم استخدام التكنولوجيا، وإعادة الاعتبار لقيم المعنى والمسؤولية والالتزام.
أسباب الأمراض الشائعة للأجيال الجديدة
سوء التغذية
. الأنظمة الغذائية الغنية بالأطعمة فائقة المعالجة، والسكريات المكررة، والدهون المشبعة، تربك التمثيل الغذائي.
قلة الحركة
. يؤدي نقص النشاط البدني المنتظم إلى زيادة خطر الوفاة بأمراض القلب، كما يؤدي إلى ضمور العضلات وزيادة مقاومة الأنسولين.
قلة النوم
. يُعيق سوء جودة النوم قدرة الجسم على إصلاح الحمض النووي، والتخلص من الفضلات الخلوية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news