قدّم لهم العلاج في منازلهم ووقاهم الإصابة بالفيروس

التطبيب عن بعد «طوق نجاة» للمـــــرضى في زمن «كورونا»

صورة

أفاد أطباء مختصون بأن تطبيق نظام «التطبيب عن بعد» في القطاعين الحكومي والخاص، كان بمثابة طوق نجاة لكبار المواطنين، وذوي الأمراض المزمنة، خلال جائحة «كورونا»، ومكنّهم من تلقي الخدمات والاستشارات العلاجية في منازلهم، دون الذهاب إلى المستشفيات والعيادات والمراكز الصحية، الأمر الذي قلّص احتمالية إصابتهم بالعدوى.

وأكدوا أن جائحة «كورونا» أنعشت منظومة «التطبيب عن بعد»، وسط مطالب بتشريعات حديثة تقنن هذا النظام، متابعين أن هذا النظام الحديث لا يصلح لكل الأمراض، والتخصصات، التي تتطلب فحصاً سريرياً، ومعاينة مباشرة من قبل الطبيب المختص.

وحسب هيئة الصحة بدبي، فإن مفهوم «التطبيب عن بعد» قائم على حصول المريض على الخدمات الطبية والعلاجية، في مكان بعيد عن الطبيب، عبر إحدى وسائل التواصل الذكية السريعة، وبجودة عالية، ما يوفر على المريض مشقة الحصول على موعد مع الطبيب أو الأخصائي.

وتفصيلاً، قال رئيس القطاع التنظيمي لسلطة مدينة دبي الطبية، الدكتور رمضان البلوشي، إن جائحة «كوفيد-19» أسهمت بشكل كبير في تزايد الإقبال على خدمات «التطبيب عن بعد»، واتساع نطاقه في القطاعين الحكومي والخاص، خصوصاً أن الإمارات تمتلك بنية تحتية إلكترونية، مكّنتها من تعزيز هذه المنظومة، والاعتماد عليها بشكل كبير.

وأكد أن أهم شروط وضوابط السماح بممارسة هذا النوع من التطبيب أن يكون الطبيب مرخصاً، وخاضعاً للاشتراطات والمعايير المعتمدة، واتباع الضوابط التي تضمن للمريض الحصول على الخدمة العلاجية بدقة وكفاءة عاليتين.

وذكر أن «التطبيب عن بعد» مكّن فئات عدة في المجتمع من تلقي الخدمات العلاجية دون الذهاب إلى المستشفى منذ بداية جائحة «كورونا»، خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة، مثل السكري والضغط والربو، وكبار المواطنين، ومن يعانون مشكلات نفسية.

وتابع البلوشي أن «التطبيب عن بعد» أسهم في تقليص عدد مراجعي المستشفيات والعيادات والمراكز الطبية، منذ تفعيله، خصوصاً خلال جائحة «كوفيد-19»، كما أسهم في إحداث تغير جذري في تفكير الأطباء والنظام الصحي بشكل عام.

وقال إن تغيير ثقافة المجتمع وثقة المرضى بنظام «التطبيب عن بعد»، كان أبرز التحديات التي واجهت هذا النظام، مؤكداً أن المسؤولية القانونية التي تحكم «التطبيب عن بعد» هي نفسها المطبّقة في النظام الصحي بشكل عام، وإن كانت التشريعات تتطور باستمرار لتواكب مثل هذه المستجدات.

من جهته، أفاد استشاري طب الأسرة والصحة المهنية، الدكتور منصور أنور، بأن هناك تخصصات لا يصلح معها «التطبيب عن بعد»، مثل العمليات الجراحية، وأمراض العيون، والأنف والأذن والحنجرة، كون هذه التخصصات تعتمد بشكل أساسي على الفحص السريري.

وأكد أن عملية «التطبيب عن بعد» تتم كاملة من خلال سماع الطبيب للمريض، وتسجيل بياناته على النظام الصحي، وتحديد الدواء المناسب، ويخضع معظم خدمات «التطبيب عن بعد» للتغطية التأمينية.

وتابع أن خدمات «التطبيب عن بعد» أسهمت بشكل كبير في تقليل عدد المراجعين للعيادات والمستشفيات، الأمر الذي حمى نسبة كبيرة، خصوصاً من ذوي الأمراض المزمنة، من مخاطر التعرض لعدوى فيروس كورونا، ليكون بمثابة طوق نجاة لهم خلال الجائحة.

وذكر أن «التطبيب عن بعد» خفف الضغط على القطاع الصحي، منذ بداية الجائحة، ليتفرغ الأطباء بشكل أساسي لذوي الحاجة الطبية الضرورية، مشيراً إلى أن الخدمات العلاجية الإلكترونية تسهم بشكل كبير في تطوير المنظومة الصحية بالدولة.

إلى ذلك، أكد استشاري المخ والأعصاب، رئيس جمعية الإمارات لطب الأعصاب، سهيل الركن، أن «التطبيب عن بعد» شهد توسعاً كبيراً في الدولة مع بداية جائحة كورونا، خصوصاً أن كثيراً من المرضى فضّلوا عدم الذهاب إلى المستشفيات، خوفاً من العدوى، كما أن البنية التحتية القوية في مجال الاتصالات أسهمت في نجاح وانتشار هذا النوع من التطبيب.

وتابع أن التخصصات الجراحية والكسور والعظام وطب الأسنان، من أبرز التخصصات التي يصعب معها الاعتماد على «التطبيب عن بعد»، فيما يسهل في تخصصات مثل طب الأسرة، والطب الباطني، والأعصاب، والنفسي.

ولفت إلى وجود حاجة ماسة لتشريعات جديدة تقنن استخدام «التطبيب عن بعد»، لافتاً إلى أن الجهات الصحية وفق اللوائح تحفظ حقوق وخصوصية المرضى، وتسجل جميع معلومات المريض والطبيب خلال الزيارة الافتراضية، لافتاً إلى أن التشريعات يجب أن تضبط الرسوم التي تفرض على المرضى وشركات التأمين من خلال هذه الوسائل الحديثة.

وتوقع أن تصبح الإمارات من الدول الرائدة في «التطبيب عن بعد»، بسبب البنية التحتية، كما أن المجتمع متعلم ومستخدم لوسائل التواصل الحديثة، إضافة إلى اعتماد معظم المؤسسات الطبية عليه.

بدوره، يرى أخصائي طب الأسرة في وزارة الصحة ووقاية المجتمع، الدكتور عادل سجواني، أن «التطبيب عن بعد» هو المستقبل، خصوصاً مع تزايد عدد السكان، وضرورة اللجوء لوسائل حديثة تلبي حاجة المرضى والأطباء، مشيراً إلى أنه في المستقبل ستتم هذه المهمة من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي، بحيث يتمكن الطبيب من فحص المريض وهو في مكانه.

وأكد الحاجة إلى تشريعات لدعم «التطبيب عن بعد» وتقنينه، خصوصاً في ظل غياب الفحص السريري، مؤكداً أنه لا يصلح هذا النوع من الخدمات الطبية لكل التخصصات.

وأكمل أنه يمكن علاج ذوي الأمراض المزمنة بـ«التطبيب عن بعد»، كونه الطريقة المثلى في التعامل معهم، مؤكداً أن «التطبيب عن بعد» هو الحل الأمثل في معالجة ظاهرة نقص الأطباء عالمياً.

وأفادت هيئة الصحة في دبي بأن خدمات «التطبيب عن بعد» التي تقدمها تشمل المرضى من كبار المواطنين والوافدين، الذين لا تسمح حالتهم الصحية بالذهاب إلى المستشفى أو المركز الصحي، حيث تقوم فكرة المبادرة على تقديم الخدمات الطبية والتمريضية للكبار، وأصحاب الهمم، والأرامل، وغير القادرين على الذهاب إلى المستشفيات، في منازلهم، حيث يتوجه الفريق الطبي المكون من الطبيب المعالج والتمريض، مصطحباً كل الأجهزة الطبية اللازمة، وتقديم الخدمة للمريض في منزله، دون الحاجة إلى نقله إلى أي مستشفى، كذلك يتم إدخال كل بيانات ومعلومات المريض الصحية في نظام «سلامة» الصحي، بشكل مباشر.

من جانبها، ذكرت وزارة الصحة ووقاية المجتمع، أنها أطلقت أخيراً مشروع تطوير خدمات «التطبيب عن بعد» والمراقبة الصحية، من خلال توفير حلول وخدمات تكنولوجية مبتكرة في مجال تعزيز الصحة الرقمية، وذلك من خلال توفير الرعاية المتخصصة والمشورة الطبية للمرضى عن بعد، وخفض أعداد المراجعين، متبعة بذلك أفضل الممارسات العالمية في مجال «التطبيب عن بعد»، والصحة الرقمية.

ولفتت إلى أنها حرصت على تفعيل هذه المنظومة منذ بداية جائحة «كوفيد-19»، لضمان سلامة أفراد المجتمع، وتقليل المخاطر الصحية، وتوفير العناء الناتج عن التنقل بين المستشفيات والعيادات الخارجية، حيث يتمكن المريض من التواصل مع الطبيب من خلال رابط إلكتروني، يتم إرساله إلى هاتفه كرسالة تذكيرية بالموعد لتقييم حالة المريض وصرف الأدوية، كما يمكن للمريض أيضاً الدخول مباشرة عن طريق الخط الساخن للوزارة، كل ذلك أسهم في ضمان استمرارية تقديم الخدمات الصحية للمرضى، وبكفاءة عالية.

حماية المريض من المضاعفات

أكدت هيئة الصحة في دبي، أن «التطبيب عن بُعد» يهدف إلى التركيز على المرضى الذين يعانون أمراضاً مزمنة، خصوصاً مرضى السكري والضغط، إذ يعد تأثر شبكية العين من المضاعفات التي تصيب المرضى المصابين بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم، وقد يؤدي تأخر التشخيص إلى تأثر نظر المريض، وفي حالات معينة قد يصاب المريض بالعمى.

وتابعت أن نظام «التطبيب عن بُعد» يهدف أيضاً إلى توفير الخدمات الطبية للمرضى في وقت قياسي، وحماية المريض من أي مضاعفات قد تنتج عن التأخر في حصوله على العلاج، إضافة إلى توثيق حالة المريض بشكل دقيق، والتقليل من زمن الانتظار.

تشريع اتحادي لتنظيم «التطبيب عن بعد»

قال المحامي المستشار القانوني محمد النجار، إنه حتى الآن لا يوجد تشريع اتحادي ينظم «التطبيب عن بعد»، داخل الدولة، ولكن جاء تنظيمه والإعلان عنه من قبل حكومة إمارة دبي، من خلال القرار الإداري رقم (30) لسنة 2017 باعتماد اللائحة التنظيمية لخدمات الرعاية الصحية عن بعد.

وجاء في اللائحة أنه لا يجوز لأي شخص طبيعي أو اعتباري إنشاء أو تشغيل أو توفير خدمات الرعاية الصحية عن بعد في الإمارة إلا بعد الحصول على ترخيص لمزاولة المهنة من الهيئة.

وحددت اللائحة مسؤولية المهني بضرورة الالتزام بوضع مصلحة المريض ضمن أولويات اهتماماته، وتأدية واجباته وعمله بما تقتضيه المهنة من الدقة والأمانة، ووفقاً للأصول العلمية المتعارف عليها وأخلاقيات المهنة، وبما يحقق العناية اللازمة للمريض، مع عدم استغلال حاجته لغرض تحقيق منفعة غير مشروعة لنفسه أو غيره.

وذكر النجار أن اللائحة أوجبت على المنشآت المرخصة ضرورة ضمان دقة تدوين خدمة الرعاية الصحية عن بعد، وتنظيم العلاقة بين المريض والطبيب المعالج، كل في تخصصه، وكذا الصيدلي، وتحديد المسؤولية الملقاة على عاتق كل منهما.

وتابع «لما كان للتطبيب عن بعد منذ ظهوره للنور أهميته بشكل كبير، خصوصاً خلال جائحة كورونا، ذهب المتعاملون في هذا الشأن إلى مطالبة المشرّع بإعداد تشريع موحد يعالج كل هذه الأمور، بين مقدم الخدمة ومتلقيها، من دون أي لبس، ويحدد الحقوق والمسؤوليات بشكل دقيق».

خدمات «التطبيب عن بعد»

أكدت وزارة الصحة ووقاية المجتمع أن خدمات «التطبيب عن بعد» التي تقدمها، تشمل كل التخصصات الحيوية، مثل القلب والأطفال والباطنية والتغذية، كما تضم خدمات الصحة النفسية عن بعد، التي تتضمن الاستشارات الطبية النفسية والاجتماعية، وبرامج التأهيل لمرضى قسم الإدمان، وأقسام الأمراض النفسية الأخرى، والطب النفسي المجتمعي من الفئات العمرية المختلفة، مثل البالغين وكبار المواطنين والأطفال والمراهقين، إضافة إلى البرامج التثقيفية في مجال الأمومة والطفولة والصحة العامة والوقاية من الأمراض.

وأشارت إلى أن خدمات «التطبيب عن بعد» تضم أيضاً خدمة الاستشارة الطبية مع أطباء خارج الدولة، ضمن برنامج الأطباء الزائرين، لمساعدة المرضى والأطباء في الحصول على استشارة ثانية في الحالات الحرجة من خلال التواصل المرئي.


- مختصون يطالبون بتشريعات حديثة تقنن نظام «التطبيب عن بعد» وتحافظ على حقوق المرضى.

طباعة