المشرّع الإماراتي يعتبره «قوة قاهرة» أو «حدثاً استثنائياً» ويفرض الموازنة بين طرفي العقد

قانونيون: تأثير «كورونا» في الالتزامات التعاقدية متوقع والقانون تناول تداعياته

صورة

أثَّرت الإجراءات الاحترازية، التي اتخذتها معظم دول العالم تفادياً لانتشار فيروس «كورونا» المستجد، على الأنشطة التجارية، خصوصاً بعد تعليق رحلات السفر الدولية، حيث انعكس ذلك بشكل مباشر على الالتزامات التعاقدية التي ربما تمس قطاعات أكبر من غيرها، مثل قطاع السياحة بمختلف فروعها، وما ترتب على ذلك بشأن عقود الفنادق المؤجرة بغرض الاستثمار، وعقود التوريد والتبادلات التجارية، بل يمتد إلى عقود القروض، سواء الخاصة بالمؤسسات والشركات أو الأفراد.

وحول هذا الجانب المهم من تبعات فيروس «كورونا»، قال قانونيون لـ«الإمارات اليوم» إن المشرّع الإماراتي انتبه إلى هذه النقطة، ووضع لها احتمالين في قانون «المعاملات المدنية»، الأول يطلق عليه «القوة القاهرة»، وهو الحدث غير المتوقع أثناء التعاقد الذي يستحيل دفعه أو منعه أو درء نتائجه، ما يمكن أن ينطبق عملياً على «كورونا» وتبعاته، لافتين إلى أن القانون ينص في مثل هذه الحالة على فسخ العقود من تلقاء نفسها إذا كان تنفيذ الالتزام مستحيلاً، أو تعديل العقد إذا كانت الاستحالة جزئية.

وأوضحوا أن الاحتمال أو التكييف القانوني الثاني يعرف بـ«الحادث الاستثنائي»، الذي يختلف عن «القوة القاهرة» في كونه يجعل تنفيذ الالتزام بالعقود مرهقاً ومسبباً لخسائر فادحة غير معتادة، وللقاضي في هذه الحالة الموازنة بين مصلحة الطرفين، ويرد الالتزام المرهق إلى المعقول، ويمكن تطبيق ذلك على عقود القروض التجارية والشخصية، مؤكدين أنه بشكل عام يجب أن تُدقق وتفحص كل حالة على حدة، ويثبت الطرف الذي لم يلتزم بتعاقده بالأدلة تأثره المباشر بتبعات فيروس كورونا قبل أن يحسم القاضي الأمر.

وتفصيلاً، قال المحامي عيسى بن حيدر إن القانون يغطي تبعات «كورونا» تجارياً من زاويتين، الأولى حالة الطوارئ الاستثنائية غير المتوقعة، والثانية القوة القاهرة، وفي الحالة الأولى تطرأ حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، مثل السيول والفيضانات والزلازل والبراكين والحروب والجوائح والأوبئة، ونحوها من الحوادث الطارئة العامة، التي تجعل تنفيذ ما اتفق عليه طرفا العقد مرهقاً للمدين، بحيث يهدده بخسارة فادحة، أما في حالة القوة القاهرة فإنها وإن اتفقت مع حالة الطوارئ في كونها حالة استثنائية عامة، إلا أنها تجعل تنفيذ الاتفاق مستحيلاً، إما استحالة كلية أو جزئية.

وأضاف أن قانون المعاملات المدنية تناول كلتا الحالتين، فعندما تطرأ حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وترتب على حدوثها جعل تنفيذ الاتفاق مرهقاً يجاوز سعة المدين، ويهدده بخسارة فادحة، ويعرض الأمر على المحكمة ليتدخل القاضي موازناً بين مصلحة الطرفين، وله سلطة تقديرية لرد الالتزام المرهق للحد المعقول، متى اقتضت العدالة ذلك.

أما في حال استحالة تنفيذ أحد الالتزامات المتقابلة في العقود الملزمة للجانبين بسبب قوة قاهرة، فينص القانون على انقضاء الالتزام من كلا الطرفين، فعلى سبيل المثال إن هلك المبيع في يد البائع قبل تسليمه بسبب قوة قاهرة، يسقط التزام البائع بالتسليم، ويسقط كذلك التزام المشتري بدفع ثمن المبيع، وهو ما يعرف قانوناً بفسخ العقد، أي رد الأطراف للحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد.

وأكد أن هناك ملاحظتين جديرتين بالذكر، الأولى أنه لا يكفي التذرع بوقوع حادث طارئ للتنصل من المسؤولية العقدية، بل لابد من ثبوت تأثير ذلك الحادث على تنفيذ الالتزامات التي تراضى عليها أطراف العقد بجعل ذلك التنفيذ مستحيلاً أو مرهقاً للطرف المدين، والثانية أنه في العقود الملزمة للجانبين لا يجوز لأحد طرفيه الرجوع فيه أو تعديله أو فسخه إلا بتراضي الطرفين أو بحكم القاضي أو بمقتضى نص في القانون.

وأوضح أنه إجمالاً، في حالة تعذر على أحد طرفي العقد تنفيذ التزاماته العقدية بسبب انتشار فيروس كورونا أو الإجراءات الاستثنائية التي اتخذت للحد من ذلك الوباء، يجب عليه إثبات ادعائه بعد عرض الأمر على القضاء والبحث والتمحيص في كل حالة على حدة، ليُفصل فيها موضوعياً، مراعياً لمصلحة الطرفين بلا ضرر أو ضرار.

من جهته، قال المستشار القانوني، رسمي راجي، إن انتشار فيروس كورونا، وما تلا ذلك من إجراءات احترازية طارئة ومشددة، يصنف بلا شك باعتباره حدثاً استثنائياً، من شأنه أن يغير الالتزام التعاقدي، لأنه وإن لم يصبح العقد مستحيل التنفيذ، فإنه صار مرهقاً للمدين، ويهدده بخسارة فادحة، وأجاز القانون للقاضي في هذه الحالة تقدير الظروف، والموازنة بين مصلحة الطرفين بأن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، وهذا ينطبق على عقود الديون وغيرها من العقود التجارية.

إلى ذلك، قال المحامي علي مصبح إن المادة (472) من قانون المعاملات المدنية لدولة الإمارات تنص على أنه ينقضي الحق إذا أثبت المدين أن الوفاء به أصبح مستحيلاً عليه لسبب خارجي، أو قوة قاهرة لم يتوقعها الإنسان أو يستطع التغلب عليها، وتكون عادة من أفعال الطبيعة، مثل الفيضانات والعواصف والجوائح، مثل فيروس كورونا الذي ضرب جميع دول العالم، ما دفع حكوماتها، ومن بينها حكومة دولة الإمارات، الى اتخاذ التدابير الاحترازية بكل أشكالها لمواجهة الوباء، بما يترتب على ذلك من تعطيل بعض الالتزامات الخاصة لغاية أسمى، وهو الحفاظ على الصحة العامة لسكان الدولة من مواطنين ومقيمين.

وأكد أن تلك التدابير تأتي في مقدمة الأسباب المقبولة شرعاً وقانوناً لإعادة النظر في التعاقدات والالتزامات التي تأثرت بوجود تلك القوة القاهرة، ويقاس ذلك حسب درجة تأثير تلك القوة على الرابطة العقدية أو الالتزام، مثل عجز المقترض من البنوك بضمان أعمال تجارية أو حتى قروض شخصية، نتيجة منعه من دخول الدولة لممارسة تجارته، أو منع القائمين على إدارة وتنفيذ أعماله، أو عجز الموظف الذي حصل على قرض شخصي بضمان راتبه عن العمل، لعزل أو سبب آخر مرتبط بتلك القوة القاهرة.

من جهته، قال المحامي راشد الكيتوب إن جائحة أو وباء كورونا، وما ترتب عليها من إجراءات احترازية لم تشهدها الأجيال الحالية، له تأثير مباشر على كثير من القطاعات، أولها قطاع السياحة، ومن المنطقي أن تمتد تبعاته إلى الالتزامات التعاقدية، مثل عقود الفنادق المؤجرة بغرض الاستثمار، والبيوع الدولية، والتوريد.

وأضاف أن المشرّع الإماراتي جعل الأصل العام بالعقود أنه لا يجوز لأحد طرفيها أو للقاضي أن ينقضها أو يعدلها منفرداً، لكن منح القاضي استثناءات، منها التعرض لقوة قاهرة أو حادث غير متوقع.

وأوضح أن القوة القاهرة هي حادث غير متوقع يستحيل دفعه، ولا يمكن درؤه أو تفادي نتائجه، وعالجته المادة 273 من قانون المعاملات المدنية بالنص على «في العقود الملزمة للجانبين، إذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً، انقضى معه الالتزام المقابل له، وانفسخ العقد من تلقاء نفسه، وإذا كانت الاستحالة جزئية، انقضى ما يقابله، ويطبق هذا الحكم على الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة، وفي هاتين الحالتين يجوز للدائن فسخ العقد بشرط علم المدين».

ومنح القانون القاضي الحق كذلك بحسب المادة 249 من القانون ذاته في حالة ما يعرف بالحادث الذي يندر حدوثه، بعد إبرام العقد، وقبل تمام تنفيذه، ولا يمكن تفاديه أو دفعه أو درء النتائج المترتبة عليه، ومن شأنه جعل تنفيذ الالتزام بالغ الإرهاق، مرتباً خسارة فادحه غير معتادة، وليس مجرد عبء يضيق به المدين؛ وللقاضي هنا الموازنة بين مصلحة الطرفين، ورد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إذا اقتضت المصلحة ذلك.

القوة القاهرة والحادث الفجائي

قال المحامي راشد الكيتوب إن الفرق بين القوة القاهرة والحادث الفجائي، قانوناً، أن الأولى تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً كلياً، مثل عقود التوريد، أو جزئياً مثل عقود الإيجار، فينقضي على أساسها الالتزام كلياً أو جزئياً كذلك، أما الثاني فلا يستحيل معه الالتزام، وإنما يجعل تنفيذه بالغ الإرهاق للمدين، ويهدده بخسارة فادحة، وهنا يتدخل القاضي ويرد الضرر إلى الحد المعقول، دون أن يتجاوز ذلك لفسخ العقد أو إنهائه، مثل عقود الدين، فيمكن تخفيفه حسب تقدير القاضي، وبما يحقق مصلحة الطرفين.

طباعة