«لا واجبات» في السنوات التأسيسية.. الحصة أولاً والمهارات أولوية
حظي قرار إلغاء الواجبات المدرسية عن طلبة رياض الأطفال والصفين الأول والثاني بترحيب كبير من أولياء أمور، الذين رأوا أنه خطوة تعيد التوازن بين تعليم الطفل وحياته الأسرية، وتخفف ضغوط الدراسة التي كانت تمتد سابقاً إلى المنزل.
فيما أكد تربويون ومختصون لـ«الإمارات اليوم» أن التحول الجديد لا يعني تخفيف المستهدفات الأكاديمية، بقدر ما يعيد توزيع أدوار المدرسة والأسرة، بحيث تتولى المدرسة بناء المهارات وقياس التقدم ومعالجة التعثر بما يضمن جودة التعلم داخل الصف، على مدار اليوم الدراسي، فيما يستعيد المنزل دوره بوصفه مساحة للنمو والتواصل والقراءة والأنشطة الحياتية، بعيداً عن ضغوط التكليفات اليومية.
إعادة تنظيم تجربة التعلم
وتفصيلاً، قال وكيل وزارة التربية والتعليم المساعد لقطاع العمليات المدرسية في دبي والإمارات الشمالية، طارق الهاشمي، لـ«الإمارات اليوم»، إن القرار يأتي في إطار توجه تربوي يعيد تنظيم تجربة التعلم في السنوات التأسيسية، ويركز بصورة أكبر على جودتها داخل المدرسة بما يتناسب مع الخصائص العمرية والنمائية للطلبة.
وأوضح أن التوجه ينقل مركز الثقل من كثافة التكليفات المنزلية إلى فاعلية الممارسات الصفية، لتصبح الحصة المساحة الرئيسة لبناء مهارات القراءة والكتابة والحساب، وقياس الاستيعاب، ومعالجة جوانب الضعف مبكراً، من خلال أنشطة تفاعلية وتطبيقية تقوم على الفهم والتجربة والممارسة.
وأضاف أن الأثر يمتد إلى الحياة الأسرية، إذ يمنح الطفل بعد المدرسة مساحة أكبر للراحة والتفاعل والقراءة الحرة والهوايات والأنشطة الاجتماعية، ويعيد توجيه دور الأسرة من متابعة إنجاز التكليفات إلى توفير بيئة داعمة للنمو والخبرات اليومية.
وأشار إلى أن التوجه يحمل بعداً فكرياً ونمائياً، عبر إتاحة مساحة أوسع للاكتشاف والتساؤل والتجربة واللعب الهادف، بما ينمي الفضول والخيال والاستقلالية والتعبير والتفكير وحل المشكلات، مؤكداً أن السنوات الأولى لا تستهدف تحصيل المعرفة فحسب، وإنما تأسيس علاقة إيجابية ومستدامة بين الطفل والتعلم.
وأكد أن إلغاء الواجبات لا يعني خفض مستوى التعلم أو سقف التوقعات الأكاديمية، وإنما يرفع في المقابل مسؤولية المدرسة عن جودة اليوم الدراسي، واستثمار زمن الحصة بكفاءة، ورصد تقدم الطلبة، والتدخل المبكر لمعالجة أي فجوات في المهارات الأساسية.
ولفت الهاشمي إلى أن التوجه يعيد صياغة الأدوار في مرحلة التعليم المبكر، فالمدرسة تتولى البناء الأكاديمي المنظم، والأسرة توفر البيئة الداعمة، فيما يحصل الطفل على مساحة متوازنة تجمع بين التعلم والنمو والحياة الأسرية، بما يدعم بناء شخصيته وقدراته المعرفية والاجتماعية منذ السنوات الأولى.
الحصة في قلب المسؤولية
وأكدت التربوية، عائشة عبدالرحمن، لـ«الإمارات اليوم» أن إلغاء الواجبات في السنوات التأسيسية يعيد ترتيب الأولويات، ويضع جودة الحصة وكفاءة الممارسات التعليمية في قلب العملية التربوية، بحيث يُستثمر اليوم المدرسي في إكساب الطفل المهارات المستهدفة، بدلاً من ترحيل جزء من مسؤولية التعلم إلى المنزل.
وقالت إن نجاح التجربة يرتبط بقدرة المعلم على استيعاب الفروق الفردية، وتوفير فرص كافية للممارسة والتطبيق والتغذية الراجعة، خصوصاً في القراءة والكتابة والحساب، مشيرة إلى أن غياب الواجب المنزلي يستدعي متابعة صفية أكثر دقة، تكشف مبكراً أي تعثر أو فجوة تعليمية، وتتعامل معها قبل تراكمها.
وأضافت أن التوجه الجديد يساعد كذلك على بناء علاقة مختلفة بين الطفل والتعلم، بحيث لا يرتبط اكتساب المعرفة بإنجاز تكليف للحصول على درجة، وإنما بالفهم والشعور بالتقدم والقدرة على الإنجاز، بما يدعم استقلاليته ودافعيته الذاتية.
التعلّم باللعب
وقالت مستشارة الطفولة المبكرة، فوزية لطفي، لـ«الإمارات اليوم»، إن التعلم باللعب يعد من أكثر الأساليب فاعلية مع أطفال الروضة وطلبة الصفين الأول والثاني، لأنه يستثير الفضول، ويغذي الشغف بالمعرفة، ويحوّل التعلم إلى تجربة قائمة على الاكتشاف والتفاعل، معتبرة أن إلغاء الواجبات ينسجم مع الخصائص النمائية لهذه الفئة العمرية، ويتيح تعليماً أكثر مرونة وتشويقاً.
وقت أسري بلا «دفاتر»
فيما قالت ولية الأمر، حصة المطوع، إن القرار يعيد للأسرة جزءاً مهماً من وقتها اليومي، بعدما كانت ساعات ما بعد المدرسة تتحول، في كثير من الأحيان، إلى امتداد لليوم الدراسي بين حل الواجبات ومراجعتها والاستعداد لتسليمها.
وأضافت أن الطفل في هذه السن يحتاج بعد عودته من المدرسة إلى وقت كافٍ للراحة والتواصل مع أسرته، وممارسة أنشطته الطبيعية، معتبرة أن الفصل بصورة أوضح بين وقت الدراسة والحياة المنزلية يساعد الأسر على بناء روتين يومي أكثر توازناً واستقراراً.
خفض التوتر اليومي
ويرى ولي الأمر، إيهاب زيادة، أن أهمية القرار تتجاوز تقليل المهام المطلوبة من الطفل إلى خفض التوتر المصاحب لإنجازها في سنوات الدراسة الأولى، لاسيما بعد يوم دراسي طويل قد يستنزف جزءاً كبيراً من طاقته وقدرته على التركيز.
وأوضح أن النقاش المتكرر حول إنهاء الواجب وتصحيحه والالتزام بموعد تسليمه قد يحوّل جزءاً من الوقت الأسري إلى مساحة للضغط، بينما يمنح التوجه الجديد الطفل فرصة لإنهاء يومه الدراسي من دون تكليف إلزامي يمتد معه إلى المساء.
عدالة أكبر بين الطلبة
من جانبها، أكدت ولية الأمر، ميادة ياسين، أن القرار يساعد على الحد من تفاوت الدعم الذي يحصل عليه الطلبة خارج المدرسة، إذ يستطيع بعض الأسر تخصيص وقت أطول لمتابعة أبنائها أو توفير مساندة تعليمية إضافية، في حين قد لا تتوافر الإمكانات ذاتها لأسر أخرى.