أكاديميون: إجراؤها عن بُعد لا يتعارض مع الموثوقية والعدالة

10 معايير لضمان نزاهة الامتحانات الإلكترونية ومنع «الغش» في المدارس الخاصة والجامعات

صورة

بدأت مؤسسات تعليمية، على مستوى التعليم العالي والتعليم العام الخاص، في وضع خطط استباقية لضمان تطبيق الاختبارات عن بُعد بشكل ناجح، في حال استمرّ التعلّم عن بُعد حتى نهاية العام.

وأكّد أكاديميون أن إجراء الاختبارات عن بُعد في المدارس والجامعات لا يتعارض مع النزاهة الأكاديمية، وقياس المستوى الفعلي للطالب، مشددين على أن النزاهة في عصر التعليم الرقمي ليست معركة بين الطالب والنظام، بل شراكة لبناء نموذج تعليمي أكثر نضجاً، حيث تتكامل التقنية مع القِيَم، ويتحول التقييم من أداة قياس إلى فرصة حقيقية للتعلّم.

وتفصيلاً، أكّد أكاديميون أن النزاهة الأكاديمية من الركائز الأساسية التي تقوم عليها أي مؤسسة تعليمية، إذ تعكس جودة المخرجات التعليمية، ومصداقية الشهادات الممنوحة. ومع التحول المتسارع نحو التعليم عن بُعد، أصبح الحفاظ على النزاهة تحدياً حقيقياً يتطلب تضافر الجهود بين المؤسسات التعليمية، وأعضاء هيئة التدريس، والطلبة أنفسهم.

وحدّدوا 10 معايير يجب مراعاتها في الاختبارات الإلكترونية، لضمان تحقيق النزاهة الأكاديمية، شملت تصميم اختبارات ديناميكية قائمة على تنويع الأسئلة، وتخصيص زمن مدروس لكل سؤال، والانتقال من أسئلة التذكّر إلى أسئلة الفهم والتفسير والتحليل، وتنويع نماذج الاختبارات وعدم تعميم نموذج واحد على الطلبة، وتوزيع التقييم على أدوات متعددة مثل المشروعات والعروض والنقاشات، واستخدام أكثر من كاميرا لمراقبة البيئة المحيطة بزاوية 360 درجة، وتوظيف تقنيات تتيح تجميد الشاشة أو كشف محاولات استخدام برامج أو أجهزة خارجية، والاستعانة بأنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل حركة الوجه ورصد السلوكيات بدقة، فضلاً عن تعزيز وعي الطالب وأخلاقياته، وإشراك ذوي الطلبة في ضمان مصداقية أبنائهم خلال أداء الاختبارات عن بُعد.

اختبارات ديناميكية

وأكّد رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية، الدكتور منصور العور، أن النزاهة الأكاديمية في البيئة الرقمية لا تُفرض فقط عبر الرقابة، بل تُبنى كثقافة، وأوضح أن الانتقال إلى الامتحانات عن بُعد يستدعي إعادة تعريف العلاقة بين الطالب والمعرفة، بحيث يصبح الالتزام نابعاً من قناعة داخلية بأن التعلّم قيمة بحد ذاتها، وليس مجرد اجتياز لاختبار.

وقال: «عندما يشعر الطالب بأن التقييم يقيس فهمه الحقيقي، تقلّ حاجته إلى البحث عن طرق للالتفاف عليه».

ورأى العور أن «تقليل أهمية الغش أجدى من مطاردته، ويمكن تحقيق ذلك عبر تصميم اختبارات ديناميكية، تعتمد على تنويع الأسئلة، وتخصيصها، وتحديد زمن مدروس لكل سؤال، كما أن توزيع التقييم على أدوات عدة، مثل المشروعات، والعروض، والنقاشات، يجعل من الصعب اختزال الأداء في اختبار واحد يمكن التحايل عليه».

وأكّد أن «تغيير نمط الأسئلة يُعدّ أيضاً إحدى أكثر الأدوات فاعلية في تعزيز النزاهة، فعندما ننتقل من أسئلة التذكر إلى أسئلة تتطلب تفسيراً، أو ربطاً بين مفاهيم، أو تطبيقاً على حالات جديدة، فإننا نُغيّر قواعد اللعبة، وهنا لا يعود الغش مفيداً، لأن الإجابة لم تعد جاهزة، بل تُبنى في ذهن الطالب نفسه».

وأضاف: «التقنيات الحديثة تُمثّل عنصر دعم مهماً في تعزيز مصداقية الامتحانات، لكنها ليست الحل الكامل، فأنظمة المراقبة الإلكترونية تضيف طبقة من الشفافية وتحد من السلوكيات غير المنضبطة، على أن تُستخدم بذكاء، بحيث توازن بين ضمان النزاهة واحترام خصوصية الطالب، لكن الأهم أن تكون هذه التقنيات جزءاً من منظومة متكاملة، وليس بديلاً عن الثقة»، مشدداً على أن «الاعتماد على وعي الطالب وأخلاقياته في الحفاظ على النزاهة الأكاديمية ليس خياراً مثالياً فقط، بل ضرورة استراتيجية، فلا يمكن مراقبة كل شيء في عالم مفتوح المصادر، لكن يمكن بناء إنسان يُراقب ذاته، وعندما ننجح في ترسيخ قِيَم الأمانة والمسؤولية، نكون قد وضعنا أساساً لنزاهة مستدامة تتجاوز حدود قاعة الامتحان».

منظومة متكاملة

وأفاد الأستاذ المساعد في علوم الحاسوب وتقنية المعلومات بكلية الهندسة جامعة أبوظبي، الدكتور مراد الرجب، بأن الحفاظ على النزاهة الأكاديمية أثناء الامتحانات عن بُعد، يعتمد على منظومة متكاملة، تشمل وضع سياسات واضحة وصارمة، وتوعية الطلبة بأهمية الالتزام بها، إلى جانب التدريب المستمر على الممارسات الصحيحة، مع مراجعة هذه السياسات دورياً في ظل ظهور أدوات وتقنيات جديدة قد تُستغل بطرق غير مشروعة.

واعتبر أن «الفكرة الأهم تكمن في تصميم بيئة تعليمية تجعل الغش خياراً غير مجدٍ من الأساس، من خلال اعتماد أساليب تقييم تركز على الفهم والتحليل بدلاً من الحفظ».

واقترح استخدام أكثر من كاميرا، ومراقبة البيئة المحيطة بزاوية 360 درجة، وربط أجهزة الهاتف المحمول بالنظام، إضافة إلى تقنيات تجمد الشاشة أو تكتشف أي محاولة لاستخدام برامج أو أجهزة خارجية.

وتابع أن «تطور نماذج الذكاء الاصطناعي أسهم في رصد السلوكيات بدقة أعلى، ومع ذلك، فإن الاعتماد على هذه الأدوات وحدها قد لا يكون كافياً، بل يجب أن يترافق مع تقليل الاعتماد على الامتحانات ذات المخاطر العالية (High-Stakes Exams)، والاستعاضة عنها بتقييمات موزعة، مثل المشروعات والواجبات، لتقليل الدافع للغش».

وأضاف أن تبادل الخبرات بين أعضاء هيئة التدريس، من خلال ورش العمل والتدريب المهني، يسهم في تطوير أساليب تقييم أكثر عدالة وفاعلية، مشيراً إلى أن «تغيير نمط الأسئلة، ليس الحل الوحيد، لأن تغيير طبيعة الأسئلة في تخصصات مثل الرياضيات أو البرمجة أو الهندسة، لن يكون جذرياً، نظراً إلى اعتمادها على أنماط معينة، لكن يمكن توزيع الدرجات بطريقة توازن بين الأسئلة المباشرة وتلك التي تقيس الفهم العميق والتطبيق العملي، ما يقلل من جدوى الغش، كما أن إدخال أسئلة تتطلب تفسير الإجابة أو تبريرها يمكن أن يكشف الفهم الحقيقي للطالب».

الكفاءة الذاتية

وأكّدت الأستاذ المساعد في كلية العلوم الإنسانية في جامعة أميتي دبي، الدكتورة ميغري نظاريان، أن الجامعات تستطيع وضع سياسات واضحة للامتحانات الرقمية، وتوفير منصّات آمنة، إلا أن دور أعضاء هيئة التدريس يظلّ محورياً في الحدّ من الغش.

واقترحت أن يُدرّب الأساتذة الطلبة خلال الحصص الافتراضية على طبيعة الأسئلة الإلكترونية وأنماط التقييم الرقمية، وأن يتيحوا لهم فرصاً للتجربة والممارسة قبل الامتحان الفعلي، مشددة على أن التدريب العملي لا يقلّل فقط من احتمالات الغش، بل يُعزّز الكفاءة الذاتية لدى الطالب، ويقوّي ثقته بقدرته على الأداء، ما يجعله أكثر التزاماً بالنزاهة الأكاديمية، كما أن إشراك الطلبة في أنشطة تفكير عميق، مثل العصف الذهني وخرائط المفاهيم يُرسّخ لديهم شعوراً بالتمكّن، ويحدّ من حاجتهم للجوء إلى طرق غير مشروعة.

وقالت: «تُشكّل أنظمة المراقبة الإلكترونية عامل دعم مهماً، إذ توفر مستوى إضافياً من الضبط والشفافية، إلا أنها ليست حلاً بديلاً عن الدور التربوي، فالتقنية تُعزّز المصداقية، لكنها لا تُنشئها من الصفر».

وأكّدت نظاريان أن للمعلم دوراً محورياً في ابتكار اختبارات رقمية تقلّل احتمالات الغش، وتُعزّز التفكير العميق لدى الطلبة، ويبدأ ذلك بتصميم أسئلة تعتمد على تطبيق المهارات، وتحليل المواقف، ودراسة الحالات، بدلاً من الاكتفاء باسترجاع المعلومات، إضافة إلى تطوير أعضاء هيئة التدريس لمهاراتهم باستمرار، ودمج أدوات الذكاء الاصطناعي في مرحلة إعداد التقييمات.

وشددت على أن «الابتكار في صياغة الأسئلة هو جزء من المسؤولية التربوية لأستاذ الجامعة، لذا يُعدّ من أكثر الاستراتيجيات فاعلية، فالأسئلة القائمة على التفكير النقدي، أو ربط المفاهيم، أو تحليل موقف واقعي، تجعل الطالب يجيب من خلال تجربته وفهمه، وليس من خلال مصدر خارجي، وكلما اقتربت الأسئلة من رحلة تعلمه الشخصية، ازدادت الأصالة، وتراجعت فرص الغش».

التعليم العام

وأكّدت الخبيرة التربوية، مريم الظهوري، أن الحفاظ على النزاهة الأكاديمية يبدأ من بناء ثقافة تعليمية قائمة على القِيَم قبل أي إجراء تقني، مشيرة إلى أن المدارس تحرص على تعزيز مفهوم الأمانة لدى الطلبة منذ المراحل المبكرة.

وقالت إن التقنيات الحديثة تؤدي دوراً مهماً في تعزيز المصداقية، حيث تتيح مراقبة سلوك الطالب أثناء الاختبار، وتسجيل الجلسات للمراجعة عند الحاجة، وتحليل أنماط الإجابة، واكتشاف السلوك غير الطبيعي، لكنها تبقى وسيلة داعمة، وليست بديلاً عن بناء القِيَم لدى الطالب.

وتابعت أن للمعلم دوراً محورياً، إذ يمكنه تصميم أسئلة تقيس الفهم لا الحفظ، وربط الأسئلة بحياة الطالب اليومية، واستخدام مهام تطبيقية وأنشطة مفتوحة، إضافة إلى تنويع أنماط التقييم (الشفهي، والعملي، والرقمي).

وتابعت الظهوري: «كلما ابتعدت الأسئلة التقليدية، اقتربنا أكثر من تقييم عادل ونزيه، ما يتطلب التركيز على الأسئلة المفتوحة لتقليل فرص النقل المباشر، والأسئلة التحليلية لقياس التفكير الفردي، مع الأخذ في الاعتبار المهام الأدائية التي تُظهر مستوى الطالب الحقيقي».

وأكّد الخبير التربوي، محمد أبوغنيم، أن المدارس ستعتمد في حال تطبيق الاختبارات عن بُعد على تصميم أسئلة تتطلب تفسيراً وربطاً للمفاهيم بسيناريوهات واقعية، إلى جانب طلب شرح خطوات الحل أو تبرير الإجابة، ما يصعّب الاعتماد على إجابات جاهزة، كما يُعدّ استخدام أسئلة قائمة على سياق خاص أو بيانات فريدة من الأساليب الفاعلة التي تمنع الوصول إلى إجابات مباشرة من مصادر خارجية.

وقال: «لضمان نزاهة أكبر، يمكن تقديم نماذج مختلفة من الامتحانات، بحيث يمتلك كل طالب أو مجموعة نسخة خاصة، ما يقلل فرص تبادل الإجابات، كما أن تقسيم الاختبار إلى أجزاء زمنية قصيرة مع تحديد وقت مناسب لكل جزء يسهم في الحد من فرص البحث أثناء الإجابة».

وأكّد أن النزاهة الأكاديمية في الاختبارات عن بُعد تتحقق من خلال منظومة متكاملة، تشمل تصميم تقييم ذكي، وتعزيز وعي الطالب، وتمكين المعلم، واستخدام التقنيات الحديثة بشكل متوازن، إضافة إلى إشراك ذوي الطلبة في مسؤولية ضمان مصداقية أبنائهم خلال أداء الاختبارات عن بُعد، بحيث يصبح الغش سلوكاً غير فعّال، ويبرز الفهم الحقيقي لمغزى الاختبارات في العملية التعليمية.


«مهندس تجربة تعلم»

أكّد رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية، الدكتور منصور العور، أن الأستاذ لم يعد مجرد ناقل للمعرفة، بل هو «مهندس تجربة تعلم»، موضحاً أن دوره يتمثّل في تصميم أسئلة تقيس التحليل والتطبيق بدل الحفظ، وتدفع الطالب إلى التفكير الفردي.

وقال: «كلما كان السؤال مفتوحاً على الفهم العميق والسياق الواقعي، أصبح من الصعب نسخه أو تداوله، وبالتالي تقلّ فرص الغش تلقائياً».

تويتر