نقطة حبر

روح التعليم

كما يوجد «روح القانون» لرؤية الأمور من منظور أوسع من النصوص القانونية، أجد أن المنظومة التعليمية لها أيضاً «روح التعليم»، خصوصاً أن التعليم عبارة عن رسالة معنوية ذات تأثير نفسي ملموس.

هناك مقولة أعجبتني جداً تشرح الفرق بين المعلم الجيد والمعلم المؤثر، المعلم الجيد هو من يستطيع فهم وشرح مادته العلمية بطريقة واضحة وبسيطة، بينما المعلم المؤثر هو من يبعث الأمل وروح التفاؤل بين الطلاب.

لذلك قد أستغرب من بعض المعلمين الذين يستخدمون أسلوب المقارنة بين جيلهم وجيل طلابهم، وكيف كان جيلهم أفضل بمراحل من الجيل الحالي.

ومن هنا أرى ضرورة تغذية مبدأ «روح التعليم» الذي يحمل الرسالة الحقيقية للتعليم وهي التقدير والنظرة الإيجابية للمستقبل من خلال أبنائنا الطلبة.

من خلال تجربتي الأكاديمية سواء في الدراسات الأساسية أو الجامعية أرى أن السبب الرئيس لكثير من الطلبة حبهم للمادة العلمية المختارة يرجع للمعلم الذي أعطى المادة لهم ويحببهم فيها.

وكما يقول طبيب الأعصاب النمساوي، سيغموند فرويد، إن الإنسان كائن مشاعري أكثر من أنه كائن عقلي، وذلك أنه يرى التعليم رسالة إنسانية وأخلاقية بالمقام الأول والأخير.

لكن التحدي الحقيقي في وقتنا الحالي كيف نستطيع أن نتأكد من وجود الصبغة الإنسانية في مناهجنا العلمية مع التطور المهول في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في زمن الثورة الصناعية الرابعة التي ازدهرت أخيراً بشكل كبير خلال جائحة «كوفيد-19».

وأن تكون معلماً مؤثراً وتحمل أساسيات روح التعليم ليس بالمهمة السهلة، بل تتطلب كثيراً من التضحيات ومواجهة تحديات مختلفة، فالمعلم هو إنسان مؤثر جداً في المقام الأول، ودعونا نفصل الشهرة عن التأثير، لأنه ليس كل مشهور مؤثراً وليس كل مؤثر مشهوراً.

أذكر أن أحداً من أساتذتي خلال مرحلة الدراسات العليا كان يخصص دوماً في نهاية شرح مادته العلمية التي تتسم بالدسامة الهندسية والحسابية بموضوع إنساني، وكيف نستطيع تطبيق ما تعلمناه لخدمة البشرية، وهذا ما كان يجعلنا نشعر بأننا جزء من رسالة أكبر من المحتوى العلمي نفسه.

التطور السريع في منظومتنا التعليمية له آثار إيجابية عدة وملموسة وهناك العديد من المساقات العلمية المتقدمة التي تدرس بشكل تقني متقن مثل الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الدائري والطاقة الحيوية.

لكن خوفي الوحيد هنا هو غياب عنصر «روح التعليم» والذي ببساطة يجاوب عن مغزى الرسالة التعليمية، وهي بالأساس عبارة عن رحلة غير منتهية وليست وجهة محددة.

المعلم الحقيقي ليست مهمته في المحصلة النهائية محصورة في بناء إنسان ملمّ بآخر العلوم والتكنولوجيا، بل مهمته بناء إنسان مؤثر ذي رسالة تسهم في إحياء الأرض وإعمارها من جيل الى آخر.

دكتور في جامعة نيويورك أبوظبي

 

طباعة