نقطة حبر

تربية الصبر في أبنائنا

الصبر صفة وركيزة أساسية في الأخلاق الحميدة وعنصر أساس للإبداع والابتكار والنجاح والتميز، وهو عادة الأنبياء والمتقين، وسلوك العقلاء، كما أنه المفتاح السحري لحل مشكلات البشرية، ومن تحلى بالصبر ‏رزقه الله قوة لا تضاهيها قوة، ومنحه إيماناً صادقاً لا يتزعزع، ويقيناً ثابتاً، وقدرة على تحمّل مرارة البلاء بلا سخط أو شكوى أو جزع، لينعم بعد الصبر على ما تأتي به الأيام بنعيم الغد وجماله. فجميلٌ أن يتحلى أبناؤنا بالصبر، فالصبر يساعدهم على التعلم وعلى أداء واجباتهم على أكمل وجه، ويعينهم على الدراسة وتحمّل ضغوط الامتحانات، وعلى التكيّف مع تحديات الحياة، ويبعث في نفوسهم الأمل بالاستمرار والعطاء، حيث إن أغلب المشكلات النفسية والإخفاقات التي تحدث معهم لأي سبب من الأسباب غالباً ما يكون المشجع لها هو عدم صبرهم وهزيمتهم أمام أسباب هذه المشكلات.

وقد يظن البعض أن الصبر فطرة لا توجد إلا في مَن ولد وهو يتصف بها، وأنه يصعُب غرسها وتربيتها في غيرهم، والحقيقة أنه على العكس من ذلك فإن الصبر سلوك يُكتسب بالتصبر والتعلم والتدريب، عبر تشجيع أبنائنا على ممارسة بعض الرياضات، مثل ألعاب الدفاع عن النفس كالجودو والجيوجتسو، أو بعض الهوايات كصيد السمك، أو المهارات الحياتية كالطبخ، وغيرها، كما أنه حريٌ بنا أن نقوم بممارسته والتحليّ به، فنحن أولاً وأخيراً القدوة لهم في اكتسابه وإظهاره أمامهم متمثلاً ذلك في عدم الجزع على الأحداث التي تواجهنا في هذه الحياة، وضبط النفس أمام الشهوات والشرور والآفات والمخالفات مهما كانت المغريات، والصبر على عمل الطاعات والواجبات وبذل التضحيات، كما أنه لابد أن ندعوهم إلى اتباع مناهج التخطيط السليم لمهامهم وأعمالهم وتنفيذها بروح المثابرة والتأنّي، وعدم التسرع في اتخاذ القرارات، والتأمل والتفكير في نتائجها، وحثهم على مصاحبة ومجالسة من عُرف عنهم بالصبر.

إذا أردنا أن ننشئ جيلاً محباً للعلم، مبتكراً، مستقراً نفسياً وعاطفياً، معطاءً ومحباً لنفسه ولغيره، وممتناً لكل ما يعيشه ولكل من حوله، فلابد من العمل الدؤوب والمثابرة لتربيتهم على الصبر الذي سيكون عاملاً للنجاح ولكسب المزيد من المعارف والعلوم وثبات العلاقات الاجتماعية والعملية، فالصبر هو الوسيلة العملية للوصول إلى النصر وتحقيق الأهداف، وهو طريق النجاح الذي يسعى إليه الجميع، فمن صبر ظفر.

ونذكر في هذا المقام قصة عنترة في إرثنا العربي حينما سُئل عن سر نصره في كل نزال يخوضه في المعارك، فكان ردّه قائلاً: بالصبر، فقال له أحد الشجعان: كيف تكون صابراً وأنا أصبر منك؟ قال: ناولني إصبعك، وخذ إصبعي، وعض أنت إصبعي وأنا أعض إصبعك وانظر أيّنا أصبر. فأدخل كل واحد إصبعه في فم صاحبه، ثم قال له: عُضّ، فعض ذاك وعض هذا، فصاح الرجل وسحب إصبعه، فقال عنترة لو صبرت قليلاً لسحبت إصبعي أنا. فما النصر إلّا صبرُ ساعة، كما يُقال، ومهما كان الصبر متعباً فإن بعد الصبر يأتي الفرج، ومهما كانت مرارة الصبر فنتائجه على الدوام مبهجة.

تويتر