نقطة حبر

تربية الاختلاف «3ــ3»

اختلفت يوماً مع أستاذ للغة العربية في لقاء جمعني مع معلمين، وذلك في معنى بيت من قصيدة لامرئ القيس وهو: أغرك مني أن حبك قاتلي.. وأنك مهما تأمري القلب يفعل.. حيث أصر المعلم على أن معنى البيت أن الفتاة تأمر قلب الشاعر وهو ينفذ دون جدال، فقلت له: ولماذا لا يكون قلب الفتاة؟ فقال في عجب: كيف ذلك؟! فقلت: قد يكون للفتاة قوة في التحكم في قلبها فتأمره أن يحب هذا ويكره ذاك، وهو لها مطيع، فرفض المعلم هذا التفسير، متحججاً بأن المعنى لا يستقيم. وبغض النظر عن صحة رأيي أو رأيه، فالمعنى الحقيقي في قلب الشاعر، لكن القضية تكمن في رفض الاختلاف، وإن كان منطقياً، وإني أتعمد في كل لقاء مع معلمي اللغة العربية سؤالهم: هل تتيحون الفرصة لاختلاف وجهات النظر، حتى وإن كانت معكم؟ فتكون الإجابة بالإيجاب، فأقول: فماذا لو كُتب هذا في الامتحان، فيطالع بعضهم بعضاً حائرين! ومادمنا نُصرّ على ذلك فلن تكون هناك تربية للفكر والاختلاف، بل ستنتشر ثقافة الامتثال والخضوع والاستسلام، وباستمرار النشأة والنمو تتلاشى القدرة على إبداء الرأي، وهذا ما أجده عندما أسأل طلبتي في الجامعة عن رأيهم في ما قاله الكاتب، ومن يختلف معه، فيترددون ولا يصلون إلى رأي، لأنهم لا يعرفون كيف يمكن لهم أن يختلفوا مع الكاتب، أو أنهم يحجبون آراءهم خوف العقاب.

أقول إن العصر الذي نعيشه الآن اختلف، وأصبح الاختلاف قيمة أساسية لابد من التأكيد عليها في تربيتنا الحالية، لكن تبقى القضية الملحة، هي كيفية الاختلاف، كيف تتلاقح أفكارنا المختلفة حتى تنتج أفكاراً جديدة تضيف وتثري المعارف، وتحل أصعب المشكلات؟ إنه دور التعليم الذي يضع آليات الاختلاف، ويذيب النزاعات بين الطلاب، إنه التعليم الذي يؤسس لحرية الفكر والرأي والمغامرة الشجاعة.

سيبقى الاختلاف لغة معيارية ترفض الجمود والانعزالية والتقوقع والانطوائية، وسيبقى أصلاً للحوار، ومدخلاً لتقدير الآخر، وسيطرح الصراع الذي ظل حاكماً مقاصد الحياة البشرية على مدار حركة التاريخ، منذ صارت الرحمة في اختلاف علماء الأمة، وإقرار الإسلام فتح باب الاجتهاد، فأثاب من أصاب بأجرين، ومن أخطأ بأجر، مؤكداً بذلك تقدير منزلة العقل البشري، واحترام الفروق الفردية والتعددية والاختلاف.

طباعة