آراء

الدوافع الخفية للجريمة!

في ظل سهولة تدفق المعلومات والأخبار، صرنا نتابع بسهولة ما يحدث في جميع دول العالم، ونقرأ ونشاهد تقارير حول جرائم بشعة وصادمة لا يمكن بسهولة أن نستوعب كيف يرتكبها إنسان، وما هي الدوافع التي تحرك شخصاً للإقدام عليها، مثل تلك الجرائم التي تستهدف الأطفال، أو التي تقع بين أفراد الأسرة الواحدة.

وفي ظل هذا التحول المقلق في السلوك الإجرامي، سُلطت الأضواء في السنوات الأخيرة على علم النفس الجنائي الذي يختص بدراسة الجوانب الشخصية والنفسية، بالإضافة إلى أفكار وسلوك وردود أفعال المجرمين سواء أثناء ارتكاب الجريمة أو انفعالاتهم بعد تنفيذها.

ويعد علم النفس الجنائي نوعاً من الدراسة التي تجمع القانون وعلم النفس، فالأول يتناول الجريمة والضرر الناتج عنها، وخطورتها على المجتمع وتطبيق العقاب المناسب لها، والثاني يركز على شخصية وعقلية المجرم ودوافعه.

وتضاعفت أهمية علم النفس الجنائي في ظل ما يوفره من مساهمة مهمة لجهات التحقيق في أداء مهامها، من خلال دراسة سلوكيات المجرمين ونمط تفكيرهم، وبالتالي يساعد على منع تكرار الجريمة في المستقبل، فضلاً عن دوره في التأكد من صحة أقوال المتهمين، من خلال قياس انفعالاتهم عبر دراسة لغة الجسد التي تشمل مراقبة حركة العين ونبرة الصوت وحركات اليدين، وعلامات التوتر البادية على المجرم حين تتم مواجهته بتفاصيل الجريمة والأدلة.

ويهتم اختصاصي علم النفس الجنائي بجمع المعلومات الدقيقة عن المجرم وتشخيص الأمراض النفسية والعقلية للمتهمين، ودراسة بيانات الشهود وتقديم الدعم اللازم لهم.

ولعلم النفس الجنائي أربع نظريات متداخلة لا يمكن فصل أي منها عن الأخرى: الأولى النظرية النفسية التحليلية التي تقوم على أن السلوك الإجرامي ينبع من فشل المجرم في التوفيق بين الدوافع الفطرية والغريزية لديه ومجموعة القيم والمبادئ الأخلاقية القويمة.

والثانية النظرية السلوكية التي تفترض أن السلوك الاجرامي ناتج عن اضطراب الشخصية، وأن نظرة المجرم الى نفسه والعالم المحيط به وطريقة تفكيره تختلف عن الآخرين، إذ يتصف بضعف الضمير واللامبالاة والأنانية وعدم المسؤولية، فضلاً عن القسوة الشديدة.

والثالثة النظرية الاجتماعية التي ترتكز إلى أن سلوك الشخص يتأثر بالمجتمع المحيط به والخبرات السابقة له في الحياة. وأخيراً النظرية البيولوجية التي حاولت إثبات أن المجرم يتسم بتكوين جسدي معين، يختلف عن الشخص السوي، وأهم رواد هذه النظرية العالم الشهير لامبروزو الذي اعتمد في أبحاثه على فحص جماجم عدد من المجرمين بعد وفاتهم، ووجد تشابهاً بينهم في شكل الفك والأسنان والأذن والأنف وبروز الجمجمة، كما ظهرت دراسات حديثة تربط الجريمة بالجينات الخاصة بالمتهمين ونشاط الغدد لديهم.

في نهاية القول، علم النفس الجنائي إحدى أهم وسائل تحقيق العدالة لمنع الجريمة وتحقيق الردع العام في العصر الحديث، ويعد خبراؤه جنوداً مجهولين رائعين في حل غموض كثير من القضايا المعقدة.

مستشار قانوني أول

طباعة