آراء

هل يجوز الاعتذار بالجهل بأحكام القانون؟

نصادف في حالات عدة تذرع المتهم بكونه لا يعلم أحكام القانون، وجهله بأن ما أسند إليه جريمة تستحق العقاب، وهو أمر يستحق نوعاً من التوعية.

في البداية يجب توضيح أن القانون الجنائي حاسم في هذه المسألة، فلا يجوز الاعتذار بالجهل بأحكامه، حتى لا يفلت المجرم من العقاب بادعاء عدم العلم، إذ إنه يفترض الإلمام بأحكام قانون العقوبات في ظل نشره بالجريدة الرسمية، وذلك بخلاف الجهل بالواقع، إذ من شأنه تخلف ركن العلم اللازم لقيام الجريمة، وسنوضح ذلك.

بداية وعملياً، في ظل صرامة هذه القاعدة، حرص القضاء على التخفيف من حدتها في حالات بعينها، فأجاز الاعتذار بالجهل بأحكام القانون، متى ارتكز على قاعدة قانونية غير جنائية مرتبطة بالواقعة أو الجريمة، معتبراً أن ذلك جهلاً مختلطاً ما بين الواقع والقانون، ينتفي به القصد الجنائي، متى أثبت المتهم أنه تقصى وتحرى ولم يكن بمقدوره العلم، وأيد الفقه القضاء في ذلك، نظراً لسلامة أساسه.

ولمزيد من التوضيح، طُبّقت هذه القاعدة في دعوى اتُهم فيها زوجان بانتهاك أحد موانع الزواج، وهو الجمع بين الزوجة وبنت أختها، وبرأتهما المحكمة، مستندة على أنهما حين باشرا عقد النكاح المشروع بسلام نية أمام المأذون، لم يكونا على علم بهذا المانع الشرعي. واطمأنت المحكمة إلى ذلك، مؤكدة أن جهلهما في هذه الحالة لم يكن لعدم علمهما بحكم قانون العقوبات الخاص بجريمة التزوير في الواقعة، لكنه جهل في قاعدة مقررة في قانون آخر، وهو قانون الأحوال الشخصية، مشيرة إلى أنه جهل مركب بهذه القاعدة القانونية من جانب، وبالواقع من جانب آخر.

في المقابل، هناك حالات لا يغتفر فيها الجهل بالقانون، ولو كان غير جنائي، ولا يجوز للمتهم فيها التمسك بهذا العذر، منها تلك الحالات التي لا يمكن قبول فكرة عدم العلم فيها، مثل زواج شخص من مطلقته التي طلقها طلاقاً بائناً ثلاث مرات، قبل زواجها من محرم أو رجل آخر.

وبشكل عام، تعد قاعدة عدم جواز الاعتذار بالجهل بأحكام القانون الجنائي من القواعد المسلم بها في معظم دول العالم، ومؤادها أن التشريع متى أصبح نافذاً فإنه يسري على الجميع، سواء علموا به أم لم يعلموا، وأياً كان سبب الجهل، إذ إن العلم بالقانون قاعدة موضوعية لا يجوز مخالفتها، كونها مبنية على أساس العدالة والمساواة بين الأفراد أمام القانون، وهذا يعكس أهمية متابعة الجريدة الرسمية، لأن مجرد نشر القوانين بها يمنحها حجية ملزمة، ويدخلها إلى حيز التنفيذ، ويحولها إلى قرينة قانونية، وهذا من شأنه رعاية مصالح الأفراد والنظام العام للمجتمع.

• التشريع متى أصبح نافذاً فإنه يسري على الجميع، سواء علموا به أم لم يعلموا، وأياً كان سبب الجهل.

مستشار قانوني أول

طباعة