آراء

الخروج بالمعروف..

صورة

تشهد ساحات محاكم الأحوال الشخصية سجالاً في كثير من الدعاوى التي تتجاوز كونها نزاعاً قانونياً، بين طرفين - كانت المودة أساس علاقتهما في الأمس - إلى خصومة بالغة الحدة، فيسعى كل منهما إلى إخضاع الآخر وإذلاله وتحطيمه مادياً ومعنوياً، وللأسف يدفع الأبناء فاتورة هذه المعارك الشرسة!

لقد وضعت الشريعة السمحاء إطاراً لإدارة هذا الخلاف بحكمة وإنسانية، حرصاً على مصلحة الأبناء في المقام الأول، وتعزيزاً لحصول كل صاحب حق عليه في المقام الثاني، لكن الواقع يختلف إلى حد كبير، فبمجرد الوصول إلى نقطة اللا عودة تبدأ المعارك القانونية، دون مراعاة لما يعانيه الأطفال من ألم نفسي بسبب الشقاق ذاته، ويصل الشطط بالبعض إلى درجة معاقبة الأبناء أنفسهم من باب العناد والمكابرة، أو تعزيز كراهية الطرف الآخر بداخلهم، وقطع صلة الرحم وحرمانه من رؤية أبنائه، بل واستغلالهم كورقة ضغط وإخضاع.

والمتأمل لنص المادة (117) من قانون الأحوال الشخصية الاتحادي رقم 28 لسنة 2005 وتعديلاته، يجد أنها شرعت الطلاق لحماية طرفي العلاقة الزوجية، وما بينهما من أبناء، لأن الشقاق المستحكم والمستمر يحول الحياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق، لذا يصبح الطلاق حلاً في هذه الحالة حتى لو كان أبغض الحلال!

وتشير دراسات عدة إلى أن انفصال الأبوين له تأثيرات سلبية مباشرة على الأبناء منها، حرمان الطفل من النمو بشكل طبيعي في كنف والديه، ما يولد داخله الكراهية تجاه أحدهما، أو كليهما، خصوصاً إذا كان صغير السن، وبمرور الوقت ينعكس هذا الحرمان على سلوكه الاجتماعي فيصبح عدوانياً تجاه الآخرين، فضلاً عن معاناته من القلق والاكتئاب نتيجة إحساسه بعدم الأمان والتشتت، ناهيكم بالطبع عن إجماع الباحثين والاختصاصيين الاجتماعيين وخبراء علم نفس الطفل، عن تزايد احتمالات جنوح الأطفال ضحايا التفكك الأسري.

ولتفادي هذا المصير المظلم لطفل لا ذنب له، هناك مسار واحد يجب أن يلتزم به الأبوان إذا تأكدا من استحالة استمرار حياتهما الزوجية، وهو تغليب مصلحة الأبناء، وذلك بالتحول إلى صديقين حقيقيين، أو شريكين مخلصين في مؤسسة رأسمالها الأبناء، فيحددان واجبات وحقوقاً واضحة، ويلتزم بها كل منهما. وبالمناسبة، ومن خلال سجلات قضايا عدة، هناك كثير من الأبناء الأسوياء المتفوقين الذين شبوا في كنف أبوين منفصلين، لكنهما ظلا صديقين، وتصرف كل منهما مع الآخر بكل تحضر ومسؤولية وإدراك أن العلاقة الزوجية لا تنتهي بالطلاق طالما هناك أبناء.

بالنظر إلى عشرات الدعاوى الشخصية، أجزم أن الخلافات الأسرية إما أن تحل سريعاً بكل رقي، أو تتحول إلى نزاع بغيض مدمر غير مبرر، لذا نتمنى أن نتحلى بثقافة التسامح، وندرك أن الطلاق ليس نهاية المطاف، وليس شرارة حرب، لأن الاختيار ربما لم يكن صائباً من البداية، وقد يجد كل من الزوجين سعادته مع آخر، لذا يجب أن يكون الخروج بالمعروف وإعلاء قيم الدين الحنيف، على الأقل من أجل الأبناء.

مستشار قانوني أول

طباعة