العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    آراء

    «الجريمة المستحيلة»

    عاد الأب إلى منزله وراوده الشك في نوايا ابنه حين رأى بندقية في أحد أركان المنزل، إذ شهدت الفترة الأخيرة توتراً في علاقتهما، وزادت مخاوفه حين تأكد من أنها محشوة بالرصاص، فأفرغها منه وتركها مكانها.

    وتأكدت شكوك الأب حين دخل عليه ابنه ممسكاً بالبندقية، وضغط الزناد لكن لم ينطلق الرصاص، وتم القبض عليه وأحيل إلى المحكمة بفرنسا التي أدانته بتهمة الشروع في القتل، لكن هذه القضية فتحت باباً لجدل قانوني واسع حول ما أسماه المشرعون بـ«الجريمة المستحيلة»، وهل تعد بمثابة الشروع في الجرم، أم أن استحالة تنفيذها تعد مسوغاً لإسقاط العقوبة؟

    تبنى فقهاء القانون مذهبين بشأن هذا الجدل الشيق المتعلق بـ«الجريمة المستحيلة»: الأول هو «المذهب المادي» ويرى أصحابه أن لا عقاب على المتهم طالما لم يصل فعل الشروع إلى درجة التنفيذ، أو وقوع الجريمة، مثل شخص وضع سُماً في طعام شخص آخر قاصداً قتله، لكن تبين أن المادة التي وضعها ليست سامة، فهو في هذه الحالة لا يعد متهماً بالشروع في القتل لاستحالة التنفيذ مادياً.

    أما المذهب الثاني فهو «الشخصي» ويصر أصحابه على ثبوت الجريمة على المتهم طالما قصد ارتكابها، بغض النظر عن استحالة حدوثها أم لا، مستندين في ذلك إلى أن الغرض من عقوبة جريمة «الشروع» ليست ردع التصرف أو السلوك الإجرامي فقط، ولكنه يمتد إلى خطورة صاحب هذا السوك وإرادته الإجرامية سواء تحققت أم لا، وبعيداً عن الأسباب الخارجية التي حالت دون وقوع الجريمة، فإن مجرد وضع السم في الطعام، سواء كان فعالاً أم لا يعد شروعاً في القتل (بحسب أصحاب هذا المذهب).

    وتعمق فقهاء القانون في دراسة «الجريمة المستحيلة» حتى إنهم قسموها إلى نوعين: استحالة مطلقة للجريمة فلا تعد في هذه الحالة شروعاً، وبالتالي لا تستحق عقاباً، كمن يطلق النار على جثة.

    أما النوع الثاني فهو «الاستحالة النسبية»، كشخص يضع يده في جيب غيره قاصداً سرقته لكنه لا يجد شيئاً، فهنا يعاقب على تهمة الشروع حتى لو استحال تنفيذ جريمته لعدم وجود مال. ولا شك أن هذا الجدل أو الخلاف التشريعي يعد من لطائف القانون، ويعكس عزيزي القارئ حجم الجهد الذي يبذله المشرعون في صياغة نص قانوني، لضمان تحقيق العدالة.

    وبشكل عام فإن مصطلح «الجريمة المستحيلة» لم يرد صراحة في تشريعات دول عدة، وفيما اتجهت دول إلى إدراج نص قانوني بشأنها، فضلت دول أخرى العكس، معتبرة أن «تخصيص نص بهذا الوصف» يلزم القاضي بضرورة التقيد بالنص، ما يحد من صلاحياته في تقدير الجرم الذي ينظر فيه، فضلاً عن صعوبة وضع ضوابط محددة لـ«الجريمة المستحيلة».

    • تبنى فقهاء القانون مذهبين بشأن هذا الجدل الشيق المتعلق بـ«الجريمة المستحيلة».

    مستشار قانوني أول

    طباعة