آراء

معاً لمجتمعٍ دامج

التفت البعض نحوها محدقين بأعينهم وهي تمشي في إحدى الحدائق مع ولدها الذي لم يتعدَّ ست سنوات من العمر، وحينها همست إحداهن لصديقتها قائلة: «مسكينه الله يعينها ربي ابتلاها بهذا الولد».

استمرت الأم في المشي مع ولدها وبدأ صوتها الداخلي بطرح بعض الأسئلة: إلى متى سينظر المجتمع إلى أصحاب الهمم (ذوي الإعاقة) على أنهم عاجزون ومساكين؟ وعلى أن الإعاقة أياً كانت هي المسبب الأول والأخير للعجز ولعدم القدرة على المشاركة والاستمتاع بالحياة؟ وإلى متى سيستمر سيل النظرات المليئة بالاستنكار والاستغراب للأهل والشخص من ذوي الإعاقة؟ وإلى متى ستكون ترجمة همسات ونظرات البعض على أن أصحاب الهمم عبء على الأسرة والمؤسسات والحكومات؟ أليس من حق هذا الطفل كغيره من الأطفال أن يعيش طفولته ويلهو ويلعب؟ أليس من حق هذا الطفل أن يرعاه والداه بكل حب وحنان؟ وأليس من حق الوالدين أن يتم دعمهما وتمكينهما من شتى النواحي ليتمكنا من دمج أبنائهما في المجتمع والاستثمار الأمثل في قدراتهم وإمكاناتهم؟ أليس من حقه أن تزال وتذلل له كل الحواجز والعوائق كي يتم الاستثمار في قدراته وإمكاناته؟ وماذا عني أنا كأم كيف أستطيع التعامل مع هذه النظرات والسلوكيات المصاحبة؟ كيف أستطيع تمكين ابني من التعامل مع مختلف التحديات؟ وهل أنا أو الآباء لطفل من ذوي الإعاقة بحاجة لدعم محدد؟ وما الذي سيساعدني كي أكون محركاً للدمج؟

في بعض المجتمعات لاتزال النظرة لأصحاب الهمم نمطية ومرتبطة بصورة ذهنية تشكلت لدى الكثيرين بأنهم مخلوقات ضعيفة بحاجة إلى شفقة وإحسان كي يستطيعوا التعايش والتأقلم مع معطيات الحياة المختلفة، لكن أثبتت العديد من الدراسات أن النظرة الإيجابية تسهم بشكل فعال في إنجاح دمج الفئة المعنية في المجتمع.

ونجحت دول عدة في تغيير المنظور المبني على الإحسان والشفقة إلى دمج أصحاب الهمم من مراحل مبكرة في القطاعات المختلفة، التعليمية والترفيهية والثقافية، وذلك للتقليل من ردود الفعل الاجتماعية الرجعية حيال الأشخاص ذوي الإعاقة، كما عزت بعض الاستبيانات ردود فعل المجتمع وسلوكياتهم حيال أصحاب الهمم وأسرهم إلى الفضول لا الاستنكار، ما يدل على محدودية النضج للتعامل مع هذه الفئة.

ومن هذا المنبر علينا الإشادة بجهود واهتمام قيادتنا الرشيدة بأصحاب الهمم وتمكينهم، سواء بسنّ القوانين والتشريعات التي تحرص على ضمان حقوقهم ورعايتهم، ومساواتهم في الفرص، أو المصادقة على الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية الداعمة. وأثمرت هذه الجهود في تحقيق النقلة النوعية من الإقصاء إلى الدمج، ومن الشفقة إلى النظرة الحقوقية الخالية من أي تمييز. كأفراد فاعلين وداعمين للرؤية الاجتماعية لدولتنا الحبيبة المبنية على ترسيخ حقوق أصحاب الهمم لابد من أن نسهم في نشر وإذكاء الوعي المجتمعي المبني على أن الإعاقات بمختلف أنواعها تعد اختلافات طبيعية أو فروقات في الخصائص والإمكانات بين بني البشر.

ولا ننسَ أيضاً دعم وتمكين الأسرة، أحد العناصر المهمة في تفعيل منظومة الدمج الشاملة.. فلنمضِ معاً يداً بيد نحو مجتمع دامج وممكّن.

مدير إدارة الأسرة والطفل في دائرة تنمية المجتمع

طباعة