آراء

أين نحن من الرعاية اللاحقة «2»؟!

تناولنا في الحلقة الأولى من هذا المقال قصة الشاب «محمد»، الذي دخل السجن بتهمة التعاطي وحين خرج لم يحتضنه سوى أصدقاء السوء مجدداً بعد أن تخلّى عنه الجميع ونبذوه، وكما هو متوقع دخل السجن مرة أخرى بتهمتي القيادة تحت تأثير المخدرات والقتل غير العمد.

وسألنا لماذا يا تُرى عاد للتعاطي مرة تلو الأخرى؟ وهل سبق أن تلقّى العلاج وخدمات إعادة التأهيل؟ وماذا عن أسرته؟ وخلاصة كل الأسئلة، أين محمد مما يطلق عليه «الرعاية اللاحقة»؟!

والإجابة أن من المهم بمكان اعتبار الإدمان مرضاً مزمناً وقابلاً للانتكاس لذا يتوجب تعزيز التعافي عن طريق الرعاية اللاحقة، التي تُعد المكمل الأساسي للعلاج ومن دونها تظل الخدمات العلاجية ناقصة وغير فاعلة.

وتُعرف الرعاية اللاحقة بأنها تلك الخدمات والبرامج التي تقدم للمدمن المتعافي وأسرته لمساعدته في مواجهة التحديات والصعوبات التي تزيد من فرص انتكاسه عن طريق تلبية الاحتياجات الأساسية للمريض، ومنها الصحية متمثلة في توفير الرعاية المستمرة والاجتماعية عن طريق إجراءات مختلفة منها؛ توفير فرص وظيفية له، ومساعدة مريض الإدمان على التكيف مع وضعه الجديد وتمكينه من المهارات اللازمة لمساندته في رحلة التعافي كمهارات إثبات الذات والتحكم بمشاعر الغضب ومواجهة الضغوط، وتحسين العلاقات الاجتماعية والتخطيط لشغل أوقات الفراغ بطريقة منهجية وغيرها.

وأشار العديد من الدراسات إلى أن الرعاية اللاحقة تسهم في التقليل من نسب عود المدمن إلى التعاطي بشكل ملحوظ، عندما يتم تصميمها لتلبية الاحتياجات الاجتماعية والنفسية والصحية بشكل فردي لكل شخص، وعندما تنفذ من قبل خبراء مؤهلين بطريقة علمية ومهنية وبإشراك الأطراف المعنية والمتمثلة في المدمن وأسرته، والفريق العلاجي وجميع المؤسسات المجتمعية التي توفر خدمات لمرضى الإدمان.

وتشير الأرقام إلى أن علاج مرض الإدمان يكلف الدولة ميزانية لا يُستهان بها، تقارب 20 مليون دولار سنوياً وقد تصل كلفة علاج الشخص الواحد إلى 230 ألف درهم تقريباً، كما أن عواقب هذا المرض تؤثر سلباً ليس في الفرد وحده بل في المجتمع ممتدة على الأصعدة الصحية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. ومن هذا المنطلق وعند الحديث عن مرض الإدمان القابل للانتكاس والمنظومة الفعالة لعلاج مرضى الإدمان التي تركز على جودة الخدمات واستخدام مهارات الإنفاق الرشيد لضمان الاستدامة.

ومن هناك يلح على أذهاننا بعض الأسئلة المهمة منها؛ هل يجب الاستثمار في الرعاية اللاحقة كعنصر أساسي في المنظومة العلاجية وكمرتكز للتقليل من الانتكاس؟ وهل تلقّى «محمد» وغيره من المرضى الخدمات العلاجية المدعمة بالرعاية اللاحقة لمساعدتهم في تعزيز التعافي؟

أعتقد أننا بحاجة إلى وقفة متأنية لدراسة الوضع الحالي في دولتنا الحبيبة، وربما نكتشف أن «الرعاية اللاحقة» هي الحلقة المفقودة في هذه المنظومة.

alhayyas@gmail.com

طباعة