يتلقون أموالاً متحصلة من الجرائم في حساباتهم البنكية مقابل عمولات بسيطة
ضحايا احتيال يتورطون في جرائم مشبوهة بسبب فخ «الدوام الجزئي»
«من ضحية إلى متورط».. هكذا يتحول بعض الباحثين عن دخل إضافي إلى أطراف في جرائم احتيال إلكتروني وحيازة أموال مشبوهة، وقد تصل إلى جريمة غسل أموال، بعد منح حساباتهم البنكية لمحتالين مقابل عمولات مالية بسيطة، من دون إدراك العواقب القانونية المترتبة على ذلك.
وكشف مدير مركز الاحتيال بالإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في شرطة دبي، المقدم علي اليماحي، لـ«الإمارات اليوم» عن تكرار هذا النوع من القضايا، موضحاً أن المحتالين يستدرجون الضحايا عبر إعلانات «عمل جزئي» منتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل استخدام حساباتهم البنكية كوسيط لتمرير أموال ناتجة عن عمليات احتيال إلكتروني.
وقال إن بعض الضحايا يجدون أنفسهم لاحقاً تحت طائلة المساءلة القانونية، بعدما يتحولون، من دون قصد، إلى جزء من شبكة مالية إجرامية، لافتاً إلى أن خطورة هذه الجرائم لا تكمن في خسارة الأموال حين يحتال عليهم المجرمون في البداية فحسب، بل في استغلال أشخاص عاديين كأدوات لتنفيذ عمليات مشبوهة، مثل غسل الأموال وتمويه مسارات التحويلات المالية، أو على أقل تقدير حسب لائحة الاتهام، حيازة أموال متحصلة من مصادر غير مشروعة.
وتفصيلاً، حذر المقدم علي اليماحي من تبعات أسلوب احتيالي يُعرف بعمليات «العمل الجزئي الوهمي»، مؤكداً أنها تعد من أساليب الاحتيال المتكررة، وقد تقود إلى تبعات خطرة، نظراً لأنها لا تستهدف سرقة الضحية فقط، بل قد تدفعه - من دون أن يدرك - إلى التورط في جرائم مالية.
وأوضح أن البداية تكون عادة عبر إعلانات تبدو بسيطة ومغرية، تحمل عبارات مثل «اعمل ساعة يومياً.. ودخل مضمون» أو يمكن الانضمام إلينا في عمل سهل إذا كان لديك حساب بنكي، لافتاً إلى أن هذه الإعلانات تنتشر بكثافة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتستهدف الباحثين عن دخل إضافي، خصوصاً الأشخاص الذين يمتلكون وقت فراغ.
وقال إن المحتالين يقدمون الأمر على أنه وظيفة سهلة مثل الإسهام في الترويج لتطبيق ما، أو المشاركة في منصة تداول، ويبدؤون في استنزاف أموال الضحايا تدريجياً على دفعات صغيرة، ثم يحولونهم إلى شركاء في الجرائم حين يعرضون عليم استقبال تحويلات مالية عبر الحساب البنكي، ثم إعادة إرسالها مقابل عمولة محددة، ما يجعل الضحية يعتقد أنه يؤدي عملاً مشروعاً وطبيعياً.
وأضاف أن الحقيقة تختلف تماماً، إذ تكون هذه الأموال في الغالب ناتجة عن عمليات احتيال إلكتروني استهدفت ضحايا آخرين، بينما يستخدم المحتال حساب الشخص كوسيط لإخفاء مسار الأموال وتمويه مصدرها، حتى يصعب تعقبها من قبل جهات إنفاذ القانون، وتعد من أشكال غسل الأموال.
وأكد اليماحي أن خطورة هذا النوع من الجرائم تكمن في أن الضحية قد يتحول من شخص مخدوع إلى طرف متورط قانونياً، موضحاً أن استقبال وتحويل أموال مجهولة المصدر قد يضع صاحب الحساب تحت المساءلة، حتى وإن لم يكن مدركاً في البداية طبيعة النشاط الذي يشارك فيه.
وأشار إلى أن المحتالين يعتمدون بشكل كبير على الإغراء المالي، إذ تبدو فكرة الحصول على عمولة سريعة مقابل تحويل الأموال أمراً جذاباً لبعض الناس، فيشعر الضحية بأنه يحقق دخلاً سهلاً، دون أن ينتبه إلى أنه أصبح جزءاً من شبكة إجرامية أكبر.
وأضاف أن الحسابات البنكية الوسيطة تمثل عنصراً أساسياً في هذه العمليات، لأن تعدد الحسابات المستخدمة يصعّب عملية تتبع الأموال، لافتاً إلى أن بعض الأشخاص يتم استدراجهم لاستخدام حساباتهم، فيما يقدم آخرون على بيع حساباتهم البنكية مقابل مبالغ بسيطة، من دون إدراك حجم المخاطر القانونية المترتبة على ذلك.
وشدد على أن بيع الحساب البنكي يُعد جريمة بحد ذاته، نظراً لاستخدام هذه الحسابات لاحقاً في تمرير أموال مسروقة أو تنفيذ معاملات مرتبطة بعمليات احتيالية، ما يعقّد جهود تعقب الشبكات الإجرامية، ويزيد من أعداد الضحايا.
وأوضح أن هذا النوع من الاحتيال يبدأ غالباً برسالة أو إعلان عبر تطبيقات مثل «واتس أب» و«تليغرام»، حيث يتم التواصل مع الضحية بطريقة احترافية وإقناعه بإرسال بياناته البنكية أو فتح حساب جديد أو استخدام حسابه الحالي لاستقبال التحويلات.
وأكد أن الضحية يصبح جزءاً من العملية بمجرد بدء استقبال وتحويل الأموال، حتى وإن كان يعتقد أنه يؤدي مهمة بسيطة مقابل عمولة.
وأشار إلى أن مركز مكافحة الاحتيال يتعامل مع هذه القضايا باحترافية كبيرة، ويعمل في الوقت ذاته على حماية الضحايا وتوعيتهم بخطورة الانخراط في مثل هذه الأنشطة.
وأكد أن الوعي الرقمي والمالي أصبح خط الدفاع الأول في مواجهة هذا النوع من الجرائم، لافتاً إلى أن «أي عرض مالي يبدو سهلاً أكثر من اللازم، يستحق التوقف والشك قبل القبول به».
600 ألف درهم في حسابات مشبوهة لامرأتين
رصدت «الإمارات اليوم» قضايا عدة نظرتها محاكم دبي، ذات صلة بعملية استغلال الحسابات البنكية في معاملات مشبوهة، من بينها دعوى قضائية أقامها أحد ضحايا الاحتيال الإلكتروني، مطالباً بإلزام امرأتين برد نحو 600 ألف درهم حولها إلى حسابات بنكية.
وقال المجني عليه في تفاصيل الدعوى إن شخصاً تواصل معه هاتفياً وإلكترونياً، مدعياً تمثيل شركة مرخصة تعمل في التداول والوساطة المالية في الأسواق العالمية، وأقنعه بجدوى الاستثمار عبرها وتحقيق أرباح مرتفعة، وأضاف أن المتصل قدّم له ما بدا أنه رخصة تجارية صادرة من الدولة، وأرقام هواتف مرتبطة بالشركة، كما عرض عليه فتح حساب استثماري للتداول في الذهب والنفط والمؤشرات العالمية.
وأوضح أنه تحت تأثير تلك الإغراءات بدأ بتحويل مبالغ مالية على دفعات متقاربة، خلال الفترة من مايو إلى أغسطس 2025، بلغت في مجموعها 603 آلاف و650 درهماً، تم إيداعها في الحسابات البنكية الخاصة بالمدعى عليهما.
وأشار إلى أنه اكتشف لاحقاً أن الشركة ليست سوى واجهة لعملية احتيال، وأن ترخيصها لا يخولها ممارسة نشاط التداول أو جمع الأموال من الجمهور.
ولفت إلى أنه حرّر بلاغاً بالواقعة، وصدر أمر جزائي من النيابة المختصة بتغريم المدعى عليهما 5000 درهم لكل منهما، عن جنحة حيازة أموال في ظروف تحمل على الاعتقاد بعدم مشروعية مصدرها، وأصبح الأمر نهائياً، كما قضت المحكمة المدنية بإلزام المدعى عليهما برد المبلغ المستولى عليه إلى المجني عليه، إضافة إلى تعويض ليصل إجمالي المحكوم به لمصلحته إلى 700 ألف درهم.
وفي قضية أخرى، طالب إحدى ضحايا الاحتيال شخصاً آسيوياً بردّ 18 ألف درهم حولها إلى حسابه.
وقال المجني عليه في تفاصيل الدعوى إنه تعرض للاحتيال الإلكتروني من قِبَل أشخاص أوهموه بفرص استثمار مغرية، وطلبوا منه تحويل المبلغ إلى حساب المتهم الذي لا تربطه به معرفة سابقة.
وأضاف أنه حرر بلاغاً جزائياً بالواقعة، واتهم الأخير بالاحتيال عليه والاستيلاء على أمواله، لكن تبين من خلال التحقيق في الواقعة أن دوره في الجريمة يقتصر على حيازة الأموال المستولى عليها، مشيراً إلى أنه أحيل إلى النيابة العامة، ومنها إلى محكمة الجنح، التي عاقبته بغرامة 1000 درهم، إضافة إلى المبلغ المستولى عليه، كما لجأ الضحية إلى المحكمة المدنية في دبي التي ألزمت المتهم بردّ المبلغ الذي حول إلى حسابه.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news