الكشف المبكر يُنقذ الأبناء من مضاعفاته

«الإنكار والعار» يحوّلان التعاطي من مرض قابل للعلاج إلى فخ قاتل

المداهمة الذكية طريقة حضارية لمراقبة الأبناء. أرشيفية

أكّد رئيس مركز «حماية» الدولي في الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في شرطة دبي، العقيد عبدالله الخياط، أن أحد الأسباب الرئيسة لتفاقم مشكلة تعاطي المخدّرات لدى بعض الأُسر، التي تكتشف وقوع أبنائها في هذا الفخ،

هو ما وصفه بـ«الإنكار والعار»، مشيراً إلى ردّ الفعل الذي يصدر منها قبل وعقب اكتشاف الحقيقة، ويبدأ بمحاولة رفض تصديقها ومن ثم إخفائها، بدلاً من اللجوء إلى المؤسسات العلاجية، أو جهات إنفاذ القانون، طلباً للمساعدة والحماية القانونية والصحية.

وقال لـ«الإمارات اليوم» إن المداهمة الذكية صارت ضرورة في ظل تطور أساليب ترويج وتعاطي المخدّرات، وتتمثل في ضرورة حيازة الأب أو ولي الأمر قائمة بأسماء وأرقام هواتف أصدقاء الأبناء، والظهور بشكل مفاجئ في الأماكن التي يكونون فيها معاً، بطريقة لبقة، مؤكداً أن «المعاملة الراقية تعزز الثقة مع الأبناء، وتوفر لهم حماية إضافية من مخاطر أصدقاء السوء والتعاطي بشكل عام».

وتفصيلاً، أكد العقيد عبدالله الخياط أن الكشف المبكر هو أهم خطوات العلاج والإنقاذ في الوقت المناسب، وهو بمثابة قرار شجاع يتخذه إنسان واعٍ بمصلحة أبنائه، ويعتمد على مؤشرات يجب أن يدركها الجميع تدلّ على أن الابن ربما يكون واقعاً في شرك التعاطي.

وأضاف أن «الأسر المفككة عرضة للاستهداف من أصدقاء السوء ومروّجي المخدرات، لمعرفتهم أن الأب غير مهتم بمكان وجود ابنه، أو طبيعة أصدقائه»، مشيراً إلى ضرورة أن يسأل كل أب نفسه عن عدد أصدقاء ابنه الذين يعرفهم، وأرقام هواتفهم، وعناوين منازلهم، وطبيعة ذويهم، «فهذه المعلومات ضرورية لكل أب مهتم بمصلحة ابنه، لأنها تسهّل عليه القيام بما يمكن وصفه بالمداهمة الذكية، وهي طريقة حضارية للمراقبة والقرب من الأبناء، فإذا أخبر الابن والده بأنه في مركز تجاري ما مع أصدقائه، لا يوجد مانع في أن يتوجه الأب إلى هناك، ويفاجئهم، ويعزمهم على العشاء، أو يجلس معهم قليلاً ويشاركهم أوقاتهم بطريقة لطيفة، فالمراقبة لا تتم بالكاميرات فقط، لكن بالقرب وبناء الثقة أيضاً».

وأكد أن «المعاملة الراقية والحديث اللبق يعززان الثقة مع الأبناء، ويجب ابتكار طرق لمتابعتهم عبر حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي، فالوقاية خير ألف مرة من التدخل بعد وقوع مشكلة»، لافتاً إلى أن أحد الآباء اتصل به ذات مرة مستغيثاً بعد نقل ابنه في حالة حرجة إلى العناية المركزة بسبب تعاطيه جرعة زائدة، لكن الاتصال كان متأخراً، بسبب عدم الكشف عن المشكلة مبكراً.

ولفت إلى أن «المعاملة السيئة تكسر جسور الثقة، وتجعل الأبناء فريسة لأصدقاء السوء ومروّجي السموم»، مناشداً الآباء عدم المبالغة في رد الفعل، «فإذا أخطأ الابن يجب التحدث معه بهدوء، ومنحه فرصة كاملة للتعبير وإبداء الندم، ومن الضروري أن يتحمل مسؤولية أفعاله، لكن دون تشدد».

وأوضح أنه «في حال اكتشاف تورط الابن في التعاطي، يجب التعامل بقدر من الانضباط، وسؤاله عن تاريخ تعاطيه أول مرة، ومساندته ودعمه، والتأكيد على أن هذا مجرد مرض قابل للعلاج، ثم مرافقته إلى الجهات المختصة لفحصه وتشخيص حالته، وتحديد المواد التي تعاطاها، لمعرفة ما إذا كان يجب أن يخضع للعلاج أم للإشراف والفحص الدوري فقط».

وقال الخياط: «إننا كآباء نقلق ونهتم كثيراً إذا سعل أحد أبنائنا فنتوجه به سريعاً إلى المستشفى ونبحث عن الأسباب، مع أنها أعراض شائعة لأمراض بسيطة، لكن حين يكون العرض متعلقاً بمرض خطير، مثل تعاطي المخدرات، يواجه بعض الآباء ذلك بما يمكن وصفه بالإنكار والعار، فيتهرب منه، ويخاف من افتضاح أمره، ويتصرف بحدة وعدوانية»، مؤكداً أن «الشعور بالعار سيتلوه إنكار، لكن إذا وضعت الأمور في نصابها الصحيح، وتم التعامل مع الموقف باعتباره مرضاً، فمن الممكن احتواء المشكلة وعلاجها».

وأكد أن «هناك كثيرين تفوقوا في دراستهم ويشغلون وظائف محترمة، تعرّضوا لهذه الأزمة الطارئة في حياتهم، لكن تم احتواؤها والتعامل معها بحرص ووعي وليس بالإنكار والعقاب، فهذا لا يُجدي إطلاقاً مع الجيل الحالي».

وكشف الخياط أنه من واقع القضايا والحالات التي تعامل معها المركز، فإن «مروّجي المخدرات يصطادون دائماً في المياه العكرة، فيستهدفون الأُسر المفككة أو يتحيّنون الفرصة المناسبة للإيقاع بمراهق غاضب من أهله، فيجرونه إلى فخ التعاطي».

وأشار إلى أن «بعض الحالات تبدأ بمراهق عاقبه والده، لأي سبب، فغضب ولجأ إلى صديق غير أمين، وأغراه هذا بتناول حبة حتى ينسى أحزانه، ومن حبة إلى أخرى يبدأ مشوار التعاطي»، مؤكداً أن «الأسرة هي الأصل، فإما تحتوي ابنها أو تشتته وتتركه فريسة للمروّجين الذين يستخدمون طرقاً احتيالية لزيادة ضحاياهم، ويلعبون دائماً على الوتر النفسي».

وأكد الخياط أن «الخطر لا يتمثل فقط في التجّار والمروّجين الذين تلاحقهم شرطة دبي وتعمل على القبض عليهم وتقديمهم للقضاء، ولكن في الأفكار والثقافات المستوردة أيضاً».

إعادة الدمج

قال العقيد عبدالله الخياط إن علاج المدمن يعتمد عادة على طبيعة المخدّر الذي تعاطاه، وعدد مرات التعاطي، فهناك مخدرات يسهل الإقلاع عنها، وأخرى تحتاج إلى فترة طويلة للعلاج والتأهيل، لضمان تطهير الجسم منها، والأهم.. إعادة دمج الشخص في المجتمع، واستيعابه، والتعامل معه كمريض متعافٍ وليس كمجرم.

طباعة