المطروشي رجل الحرائق الكبرى

المطروشي: رجل الإطفاء لا يحظى بالتقدير الكافي من المجتمع العربي.

وقف ملايين البشر في دبي وخارجها يشاهدون بانبهار الأمواج الضخمة ذات الأشكال البراقة من الألعاب النارية التي انسابت حول برج خليفة ليلة افتتاحه في الرابع من هذا الشهر، لكن لم يدرك الكثيرون أن هناك جنوداً مجهولين يحرسون كل شبر داخل البناء الأطول في العالم من غدر شرارة قد تضل طريقها، هؤلاء الجنود هم رجال الدفاع المدني يقودهم رجل يدعى راشد ثاني المطروشي.

يصنف مدير الإدارة العامة للدفاع المدني في الدولة بالإنابة، مدير عام الدفاع المدني في دبي اللواء راشد ثاني المطروشي مهنياً، بأنه إطفائي الحرائق الكبرى، فحينما تراه يباشر بنفسه عمليات الإطفاء تدرك أن الحادث من الحجم الثقيل، وفي هذه الحالة يجب أن تتركه وشأنه أياً كان موقعك ومنصبك حتى تختفي النيران ويلتقط أنفاسه ويمسح وجهه من آثار الدخان الأسود، ويمكنك في تلك اللحظة أن تتوجه إليه بملابسك النظيفة، وابتسامتك الواسعة، لتسأله عن الأسباب والنتائج.

لا يستطيع المطروشي أن ينسى وفاة اثنين من رجاله قبل عام ونصف، أثناء تصديهما لحريق كبير، فالإنسان لديه أغلى من أي شيء في العالم، لذا فرض شروطاً صارمة للالتحاق بالعمل الميداني في مجال الإطفاء، ليس من بينها جنسية أو دين أو لون، ولكن لياقة وشجاعة والتزام، لا يتفاخر بنسبة توطين في إدارته، ربما تكون وهمية، ولكن يرد بواقعية قائلاً «هل أقبل مواطناً غير مناسب يصاب بضرر أثناء العمل».

يحاول تفادي تكرار المأساة من خلال فرض تدريبات قاسية، تصل إلى مستوى تدريب رجال المهمات الخاصة (الكوماندوز)، تستلزم لياقة بدنية عالية للغاية ووعياً، لذا لا يمكن أن ترى من بين الإطفائيين في دبي فرداً مترهلاً، لكأنك تشعر بأنهم خرجوا جميعاً من قالب واحد.

درس المطروشي الجغرافيا الاقتصادية في جامعة الإمارات، وحصل على دبلوم في تكنولوجيا المعلومات والبرمجة، وحصل على شهادات عالمية من أميركا في مجال الإنقاذ البحري داخل المياه المفتوحة والغوص، بعد اجتيازه الدورات كافة في هذا المجال، تولى مهام قيادية عدة في القوات المسلحة وشرطة دبي، قبل أن ينتهي به المطاف في الدفاع المدني، وهو يستطيع قيادة المركبات والقوارب كافة ولديه رخص بذلك.

يشعر المطروشي بأن رجل الإطفاء لا يحظى بالتقدير الكافي من المجتمع العربي، على عكس الدول المتقدمة التي تعده بطلاً، وتصنع عشرات الأفلام السينمائية حوله، لذا يبذل جهداً لافتاً لتغيير هذا الصورة النمطية، مدركاً أن دبي نفسها ليست نموذجاً نمطياً من معظم مدن المنطقة، ووصولها إلى العالمية يستلزم رجالاً عالميين.

يوفر المطروشي لأفراده التجهيزات والموارد كافة، المتاحة لأقرانهم في الدول المتقدمة، ويرسخ بداخلهم ثقة غير متناهية، وتسمع منه عبارة «رجالي لا يواجهون بشراً مثلهم، ولكن يواجهون النيران بما تخفي داخلها من سموم ومخاطر».

يتمتع مدير عام الدفاع المدني بشخصية ودودة، يزينها تواضع جمّ وحماسة متّقدة، وقبل أيام فقط افتتح مركزاً عالمياً للدفاع المدني في البرشاء، مزوداً بأنظمة يندر وجودها في معظم دول العالم، منها الذراع القوية التي تخترق أقوى الحصون، وتحمل كميات هائلة من المياه في رأسها الماسي، الذي يتحمل حرارة تصل إلى 3000 درجة مئوية.

تمكن الرجل وفريقه المخلص من خفض الحرائق في دبي العام الماضي بنسبة 50٪، بعد أن نشر فيها أنظمة إنذار ذكية، وفرض مخالفات صارمة على المستودعات المخالفة، ونظم حملات توعية لأفراد المجتمع، لينجح إلى حد كبير في القضاء على معظم النار حتى قبل أن تصبح من مستصغر الشرر.

طباعة