«حسن ومرقص».. طائفية وموعظة ومصادفة

«حسن ومرقص» الرسالة وصلت بقوة.            أ.ف.ب

 

المقولة أولاً، الفيلم يأتي ثانياً، بهكذا عبارة يمكن الاقتراب من الفيلم المصري «حسن ومرقص»، المعروض حالياً في دور العرض المحلية، والذي يستدعي مجددا مقولة ألفريد هيتشكوك عن ما يعتبره عبئاً على الفيلم، أي رسالته التي «يمكن إرسالها بواسطة صندوق البريد»، حسب تعبيره. ابتعد عن رأي هيتشكوك الحاسم بهذا الخصوص، في عملية تعديل تتضمن شيئاً مثل تحويل صندوق البريد إلى «صندوق دنيا» كما كانت عليه الفرجة في ما مضى، ومن ثم اتساعه طبيعياً للرسائل التي تخرج ممزوجة بما يحتويه من سينما وفن وجمال.

 

طبعاً فيلم «حسن ومرقص» بعيد عن هذه التسوية، فعين كاتب السيناريو يوسف معاطي على رسالته التي تطمح إلى شيء منبعه النيّات الحسنة مثل الإخاء الإسلامي المسيحي، والتعايش السلمي بين الطائفتين في المجتمع المصري، ورصد الاحتقان الطائفي الذي يسود الشارع المصري كما يقدمه الفيلم، في مجاورة أيضاً للنفاق المتبادل بين الطرفين، والجهل المستشري في الطبقات الدنيا التي تجد في رجل الدين معبراً إلى الغيبيات والشعوذة وغير ذلك من مطامح الإنسان العادي التي تصطدم دائماً بواقع قاس لا يتفق وسعيه للعيش الكريم، وليجد بداهةً في الدين والغيبيات قفزاً فوق هذا الواقع إلى فضاء الخوارق والشعوذة كونه الملاذ الأخير. لا يمكن تجاهل أن يكون في هذا الفيلم كل من عمر الشريف وعادل إمام، لا بد أن حضورهما كان طاغياً، وعلى شيء من ملاقاة شريف باشتياق مسبق، لكن دون أن يكونا قادرين على تحقيق أمنية متمثلة بـ «أن يغادر المسلمون والمسيحيون السينما ويحضن ويقبل بعضهم بعضاً» كما صرح إمام، لا لشيء إلا لأن هذا المطمح «دونكيشوتي» إلى أبعد حد.

 

يبدأ الفيلم الذي أخرجه رامي إمام من الجامع والكنيسة، من حياة كاهن مسيحي معتدل اسمه بولص «عادل إمام» وإمام الجامع محمود «عمر الشريف»، ومن ثم ويا للمصادفة يتعرض كلاهما نظرا لاعتدالهما لحادثي تفجير، الأول يطال سيارته، والثاني محله، في استهداف لما يشكلانه من اعتدال، فمحمود يرفض أن يصبح أمير جماعة إرهابية ويرث أخاه الذي مات، وعليه فإن الشرطة المصرية تلعب دوراً نعرفه جيدا لدى الـ«إف بي آي»، حيث تخفي الشخصين مع عائلة كل واحد منهما، تحت أسماء جديدة وأمكنة مغايرة، لها أن تقلب الأمور، فبولص يصبح حسن، ومحمود يصير مرقص، حسن يمضي إلى المنيا، وهناك يصبح شيخاً ذا كرامات، وليهرب بعد ذلك من هذا المصير، حيث يسكن في بيت أحد أصدقائه، وللمصادفة مجددا يكون جاره مرقص أو محمود. موطن الكوميديا في الفيلم هي المفارقة في تعامل كل من حسن ومرقص وفق رؤية مغلوطة عن الآخر، حسن يرى في مرقص المسيحي المخلص، ومرقص يرى في حسن المسلم الاستثنائي، فكل يعزي نفسه بالآخر ووفق إملاءات ما فقده.

 

تنشأ علاقة صداقة كبيرة بين العائلتين، ويشتعل الحب بين الابن والبنت، لكن لدى اكتشاف الحقيقة يتغير كل شيء، فكل ما كان عفوياً ومليئاً بالحب والعاطفة، يتحول إلى بغض وكره، إلى أن تندلع أحداث دينية بين المسلمين والمسيحيين فتتدخل المصادفة مجدداً لتعيد اللحمة بينهما، ويمضي حسن ومرقص يداً بيد وسط الجماهير الهائجة والمائجة.

 

يمكن توصيف فيلم «حسن ومرقص» بموعظة المصادفة، وللتفصيل فإنه يسعى ليعظنا ويعظ المجتمع المصري والعربي عموماً بالتحذير من وباء الطائفية، وأن يفضح النفاق الاجتماعي الذي نعيشه، لكن بالاتكاء فقط على المصادفة التي تحرك العمل من أوله إلى آخره، وصولاً إلى هيمنة مطلقة للفكرة المسبقة للفيلم، كأن نقول هيا لنتصدى للمشكلة الدينية ونصنع فيلماً في هذا الخصوص. يبقى تأكيد أن الرسالة وصلت وبقوة، لكن ماذا عن الفيلم؟

طباعة