الفجيرة تفتتح مهرجان دبي لمسرح الشباب

مسرحية عانت من تغلب السرد على الحوار   تصوير: أسامة أبوغانــم 

انطلقت مساء الأول من أمس، في مقر ندوة الثقافة والعلوم في منطقة الممزر في دبي، فعاليات الدورة الثانية لمهرجان دبي لمسرح الشباب الذي يستمر حتى 20 من الشهر الجاري، برعاية سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس مجلس إدارة هيئة دبي للثقافة والفنون، واختارت اللجنة المنظمة عرض مسرحية المخرج خالد علي «العزبة» لمسرح الفجيرة القومي في الليلة الافتتاحية على أن يتم عرض مسرحية جديدة عند التاسعة مساء يومياً في إطار فعاليات المهرجان.

 

واحتل الحضور نصف مقاعد قاعة المسرح المستضيفة للحدث تقريباً ليختلط الفنانون بالنقاد، والمسؤولون بالجمهور والإعلاميين في مشهد جديد مخالف لواقع العروض المسرحية الصيفية التي كانت سابقاً بالكاد تحظى بصف وحيد من الحضور.
 
القاعة المسرحية التي شهدت منذ أشهر عرضاً عالمياً في ليلة افتتاح مقر «الندوة»، واستضافت أيضاً مسرحية «بودي جارد» لعادل إمام هي نفسها التي شهدت العرض الافتتاحي الذي سبقته كلمات مقتضبة لعضو مجلس دبي الثقافي عمر غباش، أكد فيها على ذهبية فرصة المهرجان لتحفيز المواهب المسرحية الشابة، وهو ما أشار إليه أيضاً كل من المدير التنفيذي لوزارة الثقافة بلال البدور والدكتور حبيب غلوم  أمين سر جمعية المسرحيين في الدولة الذي ختم بالطلب من الحضور بالدعاء بالرحمة لروح الشاعر الراحل محمود درويش في أول حدث ثقافي يقام في الإمارات بعد رحيله.

 

تحديات
استعان مؤلف «العزبة» حميد فارس لرسم خيوط أحداثه بـخمسة شخوص فقط هم الشخصية المحورية «إبراهيم» مالك العزبة المستهتر الذي جسد دوره الفنان سعيد مبارك و«درويش» صديقه الذي جاء بمثابة معادل موضوعي لشخصية إبراهيم غير المتزنة، فيما تحدى الفنان الشاب عادل سبيت سنوات عمره الـ18 وجسد دور «فرج» العجوز والد إبراهيم، ومثله فعلت الممثلة الشابة عذاري بتجسيدها دور العجوز «سهيلة» التي سلبها أخو زوجها المتوفي إرثها، أما سعيد الهرش فقد سلك تحدياً مسرحياً من نوع آخر بتجسيده شخصية خبير أجنبي اجتهد في عكس لهجته الركيكة في العربية.

 

على الرغم من ذلك مثل سطوة لغة السرد وتغليبها على الحوار أحد الإشكاليات الواضحة في «العزبة» التي تطرقت لقضايا عديدة منها الارتباط بالأرض، ودلالة ذلك على الهوية الوطنية وعقوق الأبناء الذي كثيراً ما يكون بمثابة ثمار التربية الخاطئة والنماذج السلبية التي يقدماها الوالدان أنسهما أو أحدهما في علاقتهما بأقربائهما - حسب وجهة نظر المؤلف- لنجد الأفكار تجري على ألسنة الأبطال في غياب شبه تام للأزمة والصراع والحل وغيرها من المقومات الأساسية للمسرحية، فإبراهيم الذي كان يكرر دائماً بأن «العزبة» هي ملاذه الأساسي يتنازل عنها بسهولة للأجنبي، كي يصل المؤلف إلى النتيجة التي أرادها وهي ضياع العزبة التي ورثها والد إبراهيم أصلاً زوراً من أخيه بعدما زور أوراقها، ومثلما مات العم بفعل الصدمة كان المصير نفسه مآل الأب، في الوقت الذي علت فيه صوت جرافات «الأجنبي» في نهاية العمل لتعلن هدم العزبة وتحويلها لمشروع تجاري.

 

وعلى الرغم من بساطة الديكور الذي كان شجرة وكوخاً صغيراً ومجلساً عربياً، إلا أنه كان وافياً لحد كبير بمقتضيات النص المسرحي، في الوقت الذي غابت فيه إلى حد كبير جماليات المؤثرات الصوتية التي اختفت في كثير من المواقف المؤثرة ولم تبتعد المؤثرات الضوئية كثيراً عنها، في الوقت الذي وصل ذروة توفيق مهندسيهما في المشهد الختامي الذي تم تحطيم فيه بالفعل جزء من الكوخ.

 

قسوة
الندوة التطبيقية التي تلت العرض أدارها المخرج المسرحي السوداني يحيى الحاج الذي أسهب في الحديث عن أسس ومقومات الإخراج المسرحي، من دون أن يربط ذلك بشكل واضح بالمسرحية موضع النقاش ما حدا بأحد الحضور بتوجيهه بالالتزام بالحديث عن «العزبة»، وعلى الرغم من صراحة مداخلات الحضور التي وصلت إلى حد القسوة النقدية أحيانا، إلا أن كلا من المخرج خالد علي وكاتب النص حميد فارس اللذين كانا متحدثين رئيسين فيها أكدا على أن «العزبة» مجرد تجربة اولى لكل منهما وسوف يعملان على تفادي أخطائها في الأعمال المقبلة.

 

وجاءت أكثر المداخلات تفصيلاً على لسان الكاتب المسرحي سالم الحتاوي الذي أخذ على الكاتب المبالغة في الاعتماد على السرد، فضلاً عن الاتكاء على عنصر المباشرة من دون التلميح في خلط واضح بين أدوات العملين التلفزيوني والمسرحي، مضيفاً: «هناك أحداث غير مبررة قام بها بعض شخوص العزبة كان من المفترض أن يكون لها تمهيد درامي في الأحداث، معتبراً العمل «عاديا ولا يحمل أي رموز أو دلالات».

 

وقّدّم الفنان محمد غباش  مداخلته بلغة مسرحية اقتربت من حدود الشعر قبل أن يتأسف على غياب جذوة التجربة الحقيقية والابتكار في «العزبة» التي اعتبرها عودة إلى الوراء في مشوار الحركة المسرحية الإماراتية لنحو 20 عاماً، مقترحاً على المخرج وكاتبه اللذين دلفا من التمثيل إلى الإخراج والتأليف لأول مرة بأن يظلا «ممثلين جميلين كما كانا».

 

وفي الوقت الذي تفهم فيه مخرج ومؤلف العمل حدة الانتقاد الذي وٌجه لمسرحية العزبة بدت الممثلة الشابة عذاري محتدة في تصريحها لـ«الإمارات اليوم» عقب الندوة التطبيقية وقالت: «العمل تم عرضه على كتاب كثر منهم رئيس جمعية المسرحيين إسماعيل عبدالله، فيما حضر البروفات عدد كبير من زملائنا الممثلين، ولم نكن نتوقع كل هذا الهجوم الذي لن يثنينا عن الاستمرار في تقديم أعمال جديدة.  

 

عبدالله صالح: طاقة معطلة
اعتبر الفنان المسرحي عبدالله صالح أن هناك طاقة معطلة لم تستثمر على خير وجه في «العزبة» هي المواهب التمثليلية الحقيقية للفنانين، مضيفاً: «هناك إشكاليات عديدة في المسرحية في مقدمتها أداء الممثلين أنفسهم الذين كان عليهم الاشتغال أكثر على أدوارهم واتقانها، وعلى الرغم من ان اداء الممثلة عذاري لا بأس به، إلا أن إمكاناتها الفنية تؤهلها إلى أكثر من المستوى الفني الذي ظهرت به». ونصح صالح مؤلف العمل بأن يعمد فيما بعد على عرض نصه على كتاب مخضرمين في المسرح المحلي قبل اعتماده نصا مسرحياً من أجل مزيد من التجويد. 

 

غباش: الإشكالية في السرد
اعتبر عضو مجلس إدارة هيئة دبي للثقافة والفنون عمر غباش أن الإشكالية الحقيقية التي وقع فيها مؤلف «العزبة» هي آفة الاستسلام للسرد التي أسلمته إلى تناسي إظهار عنصر الصراع الذي يعد جوهر العمل المسرحي، تمنى لو كانت الموسيقى التصويرية أكثر وضوحاً مما كانت عليه في العرض، معتبراً في الوقت ذاته مخرجها خالد علي مشروع مخرج واعد.

 
 البدور: المسرحيون بحاجة لعكس القضايا الحقيقية
قال المدير التنفيذي في وزارة الثقافة بلال البدور إن المهرجان فرصة جيدة للمسرحيين الشباب في إظهار مواهبهم المسرحية،  وإن الهدف من استحداث فعاليات مسرحية جديدة تضاف إلى ما هو موجود بالفعل على الساحة، مثل أيام الشارقة المسرحية ومهرجان الإمارات لمسرح الطفل هو إيجاد توازن مقبول بين عدد الفرق المسرحية الذي يبلغ 16 فرقة في الدولة من جهة والمنتمين إلى الحركة المسرحية من جهة أخرى.

 

وطالب البدور الجيل الشاب من المسرحيين بالسعي إلى عكس قضاياهم الحقيقية في المقام الأول واستثمار الفرص المتاحة في هذا المجال، مؤكداً أن الفترة المقبلة سوف تشهد مزيدا من التعاون بين وزارة الثقافة والإعلام وخدمة المجتمع من جهة وهيئة الثقافة والفنون بدبي من جهة أخرى لخدمة الحركة الثقافية في الإمارات بشكل عام. 

 

عرض اليوم: مسرحية «الفزعة» لمسرح العين الشعبي، إخراج وتأليف عبدالله الظاهري، وبطولة سعيد الشرياني وياسر النيادي وعبدالله الشامسي ومروة راتب وناصر النعيمي وأحمد شايع. 

طباعة